“جلد الوقاية” نص يعالج موضوع التردد الوجودي بين السكون والحركة، بين الخوف والأمل والرجاء، بين الماضي والمستقبل، وما بينهما من تفاوت. هناك معاناة داخلية واضحة في مواجهة الذات، من جهة، والمجتمع من جهة أخرى، لكن أيضاً ثمة بذور نهضة داخلية تحاول التشكّل. الصور الشعرية (الرّمل، البخور، المفاتيح، الزّرع، الدّمع) تخلق فضاءً داخليًا غنيًا بالتّوتر بين المكشوف والمستتر، بين الانكشاف والبحث عن خلاص، كأنّ كل هذه الأشياء، عقبة تقف أمام الإنسان، للحيلولة من تقدمه نحو الطريق الواضح.
“كلّما أوقدَ الأفقُ صبْحًا
لكفَّينِ تلتحمانِ،
وعينينِ تمتزجانِ،
خطاكِ تمدّينَ.”
يفتتح النص بصورة مُشعة، حيث الصبح هو لحظة التنوير والانبعاث، يربطه بحميمية جسدية وعاطفية: كفّان تلتقيان، عينا شخصين تمتزجان، وهكذا. وكأنّ لحظة الفجر ليست فقط زمنًا واضحا، بل زمنًا شعوريًا ينبض ببدء شيء ما – ربما بداية وعي، أو توق إلى اقتراب ما. الخطى تمتدّ إذًا نحو أفق جديد، لكنه أفقٌ محفوف بالمجهول، بحسب الفلسفة التشاؤمية – شوبنهاور وجماعته.
“حيثُ الغروب بمهدِ الجفافِ نما،
واستفاقَتْ من الشّكِّ سيرتُه،
وهيَ تزحفُ،
والرّملُ يأكلُ، جلدَ الوقايةِ”
ثم ينتقل النص هنا من الصبح إلى الغروب، من الامتزاج إلى الجفاف، من الحركة المندفعة إلى الزحف المتردد: قضية شدّ وجذب. هذا التحوّل الزمني والمكاني يعبّر عن انعكاس داخلي: كانت الحركة واعدة، ثم بدأ الشك يتسرّب، وهذا ما يذكرنا أبي العلا المعري، وبدأت المسيرة تتباطأ. عبارة “الرمل يأكل جلد الوقاية” توحي بأن الحماية تتآكل، أن الزمن والبيئة يعرّيان الذات، أي يجعلونها مكشوفة أمام الأعين، وربما الأحكام، والمعنى قابل للتأويل الدلالي.
“من نظراتِ المحيطينَ حول التحرّكِ،
أن يستفيقَ التّشبّثُ من علّةٍ الكبحِ،
من كَبوةٍ،
كُبوةٌ، جمراتُ البخورِ تُحفّزُها”
ونجد هنا محاولة للخروج من التعثر، من السقوط، لتلافي الأمر، قبل فوات الأوان. النظرات التي ترقب الحركة تخلق رقابة قد تكون قيدًا أو دافعًا، أو شيئا آخر. “التشبث” يحاول أن ينهض من علّته، والـ “كبوة” تتكرر، واعدة بالخيبة، وكأن الشاعر يؤكد أن العثرة ليست واحدة بل ممتدة. ولكن ثمة إشارات إلى الإيقاظ الروحي (جمرات البخور) كرمز للتطهّر أو الاستفاقة من الخمول: يشبه التراجيدية.
“أن تهبَّ المفاتيحُ
كي تستقيمَ النّوايا
ويرسمُ أحلامَه في الدّروبِ النّقاءُ”.
هكذا، تبرز لحظة تحوّل، فيها رغبة حقيقية في الانبعاث، في امتلاك المفاتيح، ليس مفاتيح الأبواب فحسب، بل مفاتيح الذات والإرادة. النوايا تحاول الاستقامة، ويعود “النقاء” – كقيمة معنوية – ليرسم الحلم في طريقٍ يبدو مثاليًا أو مأمولًا، أو هكذا كما يبدو.
“فهل يستمرّ التّمعّنُ في الأمس
أم يقفزُ السّورَ؟”
سؤال وجودي مركزي في النص، يضع القارئ أمام خيار: هل نظل عالقين في التأمل العقيم في الماضي؟ أم نجرؤ على القفز، على المغامرة، على تجاوز الحدود المألوفة؟، تلك هي الحيرة – حيرة الإنسان ازاء الدوافع النفسية.
“رغبته أن يرى الزَّرعَ
للّدّمعِ يفضحُ
علّ الذي نامَ
منتظرًا للخريطةِ تفتحُ أبوابَها”.
وفي الختام، ختام النص يحمل صورة مفعمة بالأمل المشوب بالمرارة. الرغبة في رؤية الزرع، أي ثمار التعب والألم، لكن الدمع يفضح الانتظار الطويل، والذات هنا ليست وحدها، بل تمثل جماعة أو شعبًا ربما، ناموا على وعد الخريطة – خريطة المستقبل، خريطة الخلاص – لكنها لم تفتح بعد. هكذا الشاعر يجعل نصه مفتوح الأبواب، قابل للتأويل، وهذه بحد ذاتها تمثل ابداع الشاعر، من الوصول إلى خاتمة تبدو موفقة.
جلد الوقاية
*أمير الحلاج
كلّما أوقدَ الأفقُ صبْحًا
لكفَّينِ تلتحمانِ،
وعينينِ تمتزجانِ،
خطاكِ تمدّينَ.
حيثُ الغروب بمهدِ الجفافِ نما،
واستفاقَتْ من الشّكِّ سيرتُه،
وهيَ تزحفُ،
والرّملُ يأكلُ، جلدَ الوقايةِ،
من نظراتِ المحيطينَ حول التحرّكِ،
أن يستفيقَ التّشبّثُ من علّةٍ الكبحِ،
من كَبوةٍ،
كُبوةٌ، جمراتُ البخورِ تُحفّزُها
أن تهبَّ المفاتيحُ
كي تستقيمَ النّوايا
ويرسمُ أحلامَه في الدّروبِ النّقاءُ.
فهل يستمرّ التّمعّنُ في الأمس
أم يقفزُ السّورَ؟
رغبته أن يرى الزَّرعَ
للدّمعِ يفضحُ
علّ الذي نامَ
منتظرًا للخريطةِ تفتحُ أبوابَها


