شهدت الساعات الماضية تحولًا بارزًا في طبيعة المواجهة العسكرية بين إسرائيل وإيران،
إذ جاء الهجوم الإسرائيلي الأخير ليعكس تغيرًا جوهريًا في التكتيكات العملياتية لسلاح الجو الإسرائيلي وحليفه الأمريكي.
لم يكن هذا التحول وليد الصدفة، بل جاء نتيجة «حرب الأربعين يومًا الماضية»،
التي فرضت واقعًا دفاعيًا جديدًا فوق الأجواء الإيرانية، وأعادت صياغة جزء مهم من معادلة الردع الجوي في المنطقة.
الانكفاء خلف الحدود وتراجع الثقة بالتفوق الجوي المباشر
أبرز ما كشف عنه الهجوم الأخير هو تنفيذ الضربات بالكامل من خارج الحدود الإيرانية،
وتحديدًا عبر الأجواء العراقية والسورية، ومن منصات بحرية في البحر الأبيض المتوسط.
هذا الاعتماد على القصف بعيد المدى، أو ما يُعرف بأسلحة الإطلاق من خارج نطاق الدفاعات،
يشير بوضوح إلى تراجع ثقة القيادة العسكرية الإسرائيلية والأمريكية بقدرة مقاتلاتها على اختراق المجال الجوي الإيراني بأمان.
لقد أثبتت معارك الأسابيع الماضية أن الطيران المأهول لم يعد قادرًا على المغامرة من دون تمهيد واسع.
فقد سقطت مئات الطائرات المسيّرة بمختلف الطرازات،
وعلى رأسها مسيّرة الاستطلاع والاشتباك الشهيرة MQ-9 Reaper، التي كانت تُستخدم لفتح الثغرات واستنزاف الدفاعات.
وتدرك الدوائر العسكرية أن معدل إسقاط المقاتلات المأهولة من طرازات مختلفة، مثل F-35 وF-15،
سيكون باهظًا بأضعاف الأرقام الحالية في حال اختراق الأجواء الإيرانية مباشرة.
لذلك أصبح خيار القصف من خارج الحدود هو البديل الأكثر أمانًا، رغم تراجعه في الكفاءة التدميرية.
غطاء الدعم الأمريكي: أبعد من المشاركة المباشرة
لا يمكن فصل هذا الهجوم عن الدعم اللوجستي والاستخباراتي الأمريكي الواسع.
فالمعطيات تشير إلى مشاركة محتملة للسفن الأمريكية في البحر المتوسط،
إلى جانب الدور المحوري الذي لعبته مراكز التشويش الإلكتروني، ومنظومات التوجيه،
والإنذار المبكر الأمريكية، لضمان نجاح الضربات من مسافات بعيدة.
ومع ذلك، تظل هذه الهجمات العابرة للحدود أقل دقة وتأثيرًا عسكريًا مقارنة بالضربات المباشرة،
وهو ما يقلل من قيمتها الاستراتيجية على الأرض.
بمعنى آخر، فإن اللجوء إلى هذه التكتيكات يعكس محاولة لتقليل الخسائر وتجنب المجازفة،
لكنه في الوقت ذاته يكشف حدود القدرة الهجومية عندما تواجه شبكة دفاع جوي أكثر تطورًا وتعقيدًا.
لغز الدفاع الجوي الإيراني وشبكات الإمداد الجديدة
إذا قارنا هذا الهجوم بالاختراق الجوي الواسع الذي نفذه الطيران الإسرائيلي والأمريكي يومي 28 و29 فبراير الماضي،
نجد أننا أمام معادلة مختلفة تمامًا.
فتلك اللحظات تبدو وكأنها لن تتكرر قريبًا،
بعدما استغلت إيران المرحلة الأولى من حرب الأربعين يومًا لتطوير وامتلاك منظومات دفاع جوي متقدمة،
تطورت بصورة لافتة وسريعة.
هذا التطور المتسارع يشي بوجود خطوط إمداد عسكرية نشطة من بكين وموسكو،
خاصة في مجال الدفاع الجوي والتشويش الرقمي.
وهنا ينبغي التمحيص في الدور الباكستاني،
إذ تبدو باكستان حشوة استراتيجية وأحد أهم خطوط الإمداد العسكري الصيني البري واللوجستي نحو الداخل الإيراني.
سيناريوهات الرد الإيراني والفصل بين واشنطن وتل أبيب
من المتوقع أن يترجم الإيرانيون ردهم سريعًا وبصورة واسعة،
مستغلين الفجوة الكبيرة بين المصالح الأمريكية والمصالح الإسرائيلية في هذه الحرب.
فصانع القرار في طهران يحرص، في الوقت الراهن، على تجنب فتح معركة مباشرة مع الولايات المتحدة في مياه الخليج الفارسي،
حتى لا يستدرج القوة الأمريكية الكاملة إلى المواجهة.
وفي المقابل، ستوجه إيران جلّ جهدها العسكري والناري ضد إسرائيل مباشرة،
بالتعاون الوثيق مع قوات حزب الله في لبنان والمحاور الحليفة.
بهذا المعنى، تبدو طهران معنية بالفصل بين واشنطن وتل أبيب في إدارة الرد،
بحيث تضرب مركز التحريض والعدوان، من دون منح الولايات المتحدة ذريعة فورية لتوسيع الحرب.
خلاصة
تدرك طهران تمامًا أن تل أبيب هي المحرض الأصلي ومصدر هذه الحرب،
وأن إلحاق أذى مؤثر وموجع بها في عمقها هو السبيل الوحيد لتسريع إنهاء الصراع بشروط مرضية للمحور.
وبناءً على ذلك، يتوقع المشهد القادم تركيزًا إيرانيًا مكثفًا على ضرب الأهداف الإسرائيلية،
مع تحاشي المصالح الأمريكية، إلا في حال اختارت واشنطن التدخل المباشر لحماية حليفتها.
وفي هذه الحالة، قد يؤدي التدخل الأمريكي المباشر إلى فرط عقد الاستقرار الإقليمي بالكامل،
وفتح مرحلة جديدة من التصعيد تتجاوز قواعد الاشتباك الحالية.


