النص المعاد تنظيمه للنشر
أعادت الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية على الجمهورية الإسلامية الإيرانية فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في العراق: ملف السلاح وقرار الحرب والسلم.
غير أن الجدل الحالي يختلف عن المراحل السابقة؛
إذ لم يعد يدور حول وجود الفصائل المسلحة أو شرعية نشأتها بقدر ما أصبح يدور حول الجهة التي تمتلك حق إدارة القوة المسلحة،
واتخاذ القرار السيادي باستخدامها.
جذور إشكالية السلاح بعد عام 2003
تعود جذور هذه الإشكالية إلى عام 2003،
عندما أدى الاحتلال الأمريكي إلى تفكيك مؤسسات الدولة العراقية وحلّ الجيش والأجهزة الأمنية.
وقد خلق ذلك فراغاً أمنياً واسعاً، ساهم في ظهور قوى مسلحة متعددة المرجعيات والاتجاهات.
ثم جاءت فتوى الجهاد الكفائي عام 2014، في ظل اجتياح تنظيم داعش لمساحات واسعة من العراق،
لتؤسس مرحلة جديدة تشكل خلالها الحشد الشعبي بوصفه قوة لعبت دوراً محورياً في الدفاع عن الدولة ومنع انهيارها.
من سؤال الحاجة إلى السلاح إلى سؤال الشرعية
مع انتهاء الحرب ضد داعش، انتقلت الأزمة من سؤال الحاجة إلى السلاح إلى سؤال شرعية استمراره وآليات إدارته.
فقد سعت الدولة العراقية إلى دمج الحشد الشعبي داخل المنظومة الرسمية عبر قانون هيئة الحشد الشعبي،
غير أن التداخل بين الشرعية الدستورية والشرعيات الدينية والثورية ظل قائماً.
ويعود ذلك خصوصاً إلى وجود قوى ترى أن دورها لا يرتبط فقط بالأمن الوطني العراقي،
بل أيضاً بمعادلات الصراع الإقليمي ومواجهة المشروع الأمريكي والكيان الإسرائيلي في المنطقة.
الحرب على إيران وتوسيع الجدل العراقي
عمّقت الحرب على إيران هذا الجدل بصورة أكبر؛ إذ وجد العراق نفسه بين رؤيتين متقابلتين.
تدعو الرؤية الأولى إلى تحييد البلاد عن صراعات المحاور، وحصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة.
أما الرؤية الثانية، فترى أن أمن العراق لا ينفصل عن أمن محور المقاومة،
وأن مواجهة الضغوط الأمريكية والكيان الإسرائيلي تمثل التزاماً سياسياً وعقائدياً يتجاوز الحدود الوطنية الضيقة.
بيان الإطار التنسيقي ودلالاته السياسية
هنا يبرز بيان الإطار التنسيقي الصادر في يونيو 2026 بوصفه تطوراً سياسياً بالغ الأهمية.
فالبيان لم يكتفِ بدعم مشروع حصر السلاح بيد الدولة،
بل أكد أن قرار الحرب والسلم يعود حصراً إلى المؤسسات الدستورية.
كما دعم فك الارتباط بين هيئة الحشد الشعبي والأطر الحزبية والسياسية.
وتكمن أهمية هذا الموقف في أنه صدر عن القوى السياسية الشيعية الحاكمة نفسها،
الأمر الذي يمنحه دلالة تتجاوز الجانب الإجرائي إلى مستوى التحول في فهم العلاقة بين الدولة والسلاح.
خارطة أمنية أوسع من الفصائل الشيعية
غير أن اختزال القضية في الفصائل الشيعية وحدها يبقى قراءة ناقصة للواقع العراقي.
فالعراق يضم خارطة أمنية معقدة تشمل فصائل شيعية وسنية وكردية،
إضافة إلى تشكيلات تمثل الأقليات الدينية والقومية.
وهذا ما يجعل مشروع حصر السلاح مشروعاً لإعادة بناء المرجعية السيادية للدولة العراقية،
أكثر من كونه معالجة لوضع فصيل بعينه.
السؤال الحقيقي: من يمتلك حق استخدام السلاح؟
لذلك يمكن القول إن السؤال الحقيقي في العراق اليوم ليس من يمتلك السلاح، بل من يمتلك حق استخدامه.
فكلما اقتربت القوى السياسية والعسكرية من الاتفاق على مرجعية وطنية موحدة لقرار الحرب والسلم،
ازدادت فرص بناء دولة مستقرة وقادرة على إدارة تنوعها الداخلي.
أما استمرار تعدد مصادر الشرعية،
فسيُبقي ملف السلاح تعبيراً عن أزمة أعمق تتعلق بطبيعة الدولة العراقية وموقعها في الصراعات الإقليمية المتغيرة.


