لا تزال تبدلات ما بعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على الجمهورية الإسلامية في إيران خلال عامي 2025 و2026 في طور التشكل،
بانتظار اكتمال النتائج النهائية للحرب وظهور مخرجات جديدة مرتبطة بتبعاتها.
وإذا استثنينا «زلزال هرمز» وتأثيره المباشر في الطاقة والاقتصاد العالمي،
مع الإقرار بأن هذا التأثير لا يمكن عزله عن بقية المتغيرات، فإننا نستطيع رصد ما يمكن تسميته بـ«امتدادات التأثير».
تتعلق هذه الامتدادات بالتغيرات المحتملة في موازين القوى الإقليمية،
وفي طبيعة التحالفات والصراعات، ابتداءً من غرب آسيا والشرق الأوسط وصولًا إلى المجال الدولي الأوسع.
فالحروب، بطبيعتها، تفعل ذلك بدرجات متفاوتة تبعًا لنتائجها ونهاياتها.
الخليج بعد الحرب: فرضية التحول في السياسة الخارجية
يبدو الخليج، في مرحلة ما بعد الحرب،
مرشحًا لمواجهة سلسلة من المتغيرات التي قد يفرض بعضها تغييرات جوهرية في السياسات الخارجية لدول مجلس التعاون الخليجي،
كل دولة على حدة،
تجاه المنطقة والإقليم والعالم، استجابةً لنتائج الحرب الإيرانية الأمريكية.
قد تبدو فرضية تأثر الخليج بنتائج الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران مقبولة لدى بعض الأطراف الخليجية ومرفوضة لدى أطراف أخرى.
وهذا الانقسام ليس جديدًا في المجال العربي؛
إذ لا يزال هناك من يرى انتصار أكتوبر 1973 المصري السوري على كيان العدو الإسرائيلي هزيمة،
في مقابل من يرى توقيع اتفاقية كامب ديفيد عام 1978 حكمة مصرية وإنجازًا للرئيس أنور السادات.
لقد صُممت اتجاهات حكومات وأنظمة عربية بناءً على تقييمها لمسار كامب ديفيد، بين التفضيل والرفض.
غير أن هذا العامل لم يكن وحده المسؤول عن السياسات العربية، والخليجية تحديدًا،
تجاه كيان العدو الإسرائيلي، وصولًا إلى أوسلو عام 1993، وليس انتهاءً بالتطبيع ضمن «اتفاقيات أبراهام».
المقصود هنا هو وجود الانقسام بوصفه ظاهرة سياسية متكررة.
أما ما تسعى هذه الورقة إلى تقديمه فهو قراءة في «ظاهرة التمنع الخليجي في الإقرار بمتغيرات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، والانقسام حول ذلك»،
مع التأكيد أن كثيرًا من المتغيرات ستفرض نفسها من دون أن تترك للدول الخليجية خيارات بديلة واسعة.
يمكن ترشيح ثلاثة متغيرات شبه مكتملة، ورصد التعاطي الخليجي معها بوصفه مؤشرًا على سياسات مستقبلية متوقعة:
- ضعف الحماية الأمريكية لدول الخليج
- الوضع الجديد لمضيق هرمز والآلية الإيرانية العمانية المشتركة المطروحة
- إيران ما بعد الحرب
أولًا: ضعف الحماية الأمريكية لدول الخليج
يرى تحليل نشره موقع «ذا هيل» الأمريكي أن دول الخليج الست وصلت إلى قناعة شبه تامة بأن «مظلة الحماية الأمنية الأمريكية» قد انهارت خلال الحرب مع إيران،
وتحولت من ضمانة أمنية إلى مصدر كارثة وتهديد.
وقد انكشف هذا التحول في أخطر أزمة إقليمية مع إيران.
فعندما شنت الولايات المتحدة، بالتنسيق مع إسرائيل، حربًا على إيران في مطلع هذا العام،
تعاونت دول الخليج العربي مع واشنطن. وانطلقت الطائرات الحربية الأمريكية من قواعد موجودة على أراضيها.
وخصّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب السعودية وقطر والإمارات بالذكر، واصفًا إياها بالشركاء «الممتازين»،
في مقابل انتقاده لحلفاء الناتو وشركاء منطقة المحيطين الهندي والهادئ لرفضهم المشاركة.
غير أن هذا الثناء أخفى مشكلة أعمق. فقد اكتشفت دول الخليج أن دعم العمليات العسكرية الأمريكية ينطوي على تكاليف باهظة،
إذ أصبحت منشآت الطاقة ومحطات تحلية المياه التابعة لها أهدافًا للهجمات الإيرانية الانتقامية.
وفي الوقت نفسه،
شاهد حكام الخليج الولايات المتحدة تنشر موارد عسكرية هائلة،
من مدمرات مجهزة بنظام إيجيس إلى طائرات اعتراضية متطورة،
لحماية إسرائيل من الرد الإيراني، بينما تحملت الدول الخليجية تبعات تمكين الضربات الأمريكية.
يلخص هذا التعليق أمرين أساسيين. الأول أن الحماية الأمريكية هشة من الناحية العسكرية،
سواء من حيث القدرة أو الكفاءة أو الجاهزية.
ويمكن دعم ذلك بما نشرته قناة «سي إن إن» الأمريكية من معلومات وصور أقمار صناعية تؤكد تعرض القواعد الأمريكية في الخليج إلى تدمير واسع،
بما يجعل إعادة ترميمها تستغرق سنوات.
كشف التحقيق الأمريكي أن ما لا يقل عن 16 منشأة أمريكية في ثماني دول تضررت بشكل كبير،
وهو ما يمثل غالبية القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة.
كما أظهرت صور الأقمار الصناعية أضرارًا لحقت بأنظمة الرادار المتقدمة والقباب الرادارية المعقدة، وهي منظومات بالغة الأهمية للدفاع الجوي.
كذلك تعرضت البنية التحتية للاتصالات والطائرات المتمركزة في عدة قواعد لأضرار جسيمة،
وأكد التحقيق أن بعضها لم يعد صالحًا للاستخدام تقريبًا.
أما الأخطر، فهو أن حلفاء أمريكا في الخليج، وعلى رأسهم السعودية،
اكتشفوا أن القواعد والمنظومات الأمريكية لم تعد قادرة على توفير الأمن لنفسها، فكيف ستوفره لهم؟
ثانيًا: تجاهل الولايات المتحدة للمصالح الخليجية
لطالما اتجهت رغبة بعض الدول الخليجية، وفي مقدمتها السعودية والإمارات،
نحو إسقاط النظام في إيران أو ردع الجمهورية الإسلامية. وكان ذلك من أبرز ما طُرح خليجيًا، مع استثناءات ارتبطت دائمًا بسلطنة عمان،
وأحيانًا بقطر، في مقابل حماس سعودي وإماراتي وبحريني.
لا يمكن تفسير هذه الرغبة استراتيجيًا بوصفها هدفًا قائمًا بذاته،
حتى عند وضع الصراع مع إيران والجمهورية الإسلامية في أقصى عمقه الديني والقومي والنفوذي.
يبرر البعض ذلك باستدعاء تدخل إيران في سوريا لمساعدة النظام السوري السابق، أو باتهامات التدخل في اليمن،
غير أن هذه الاتهامات أحدث عمرًا من عداء شديد يمتد إلى أقل من نصف قرن.
يمكن فهم حالة العداء الخليجي للجمهورية الإسلامية في إيران بصورة أوضح عند ربطها بالتوظيف الأمريكي لبعض الدول الخليجية،
من خلال النفط، والموقع الجغرافي، والنفوذ الديني السعودي في مراحل سابقة.
ففي الأدبيات الخليجية، والسعودية تحديدًا،
توضع العلاقات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية ضمن الثوابت.
وعند مراجعة هذه العلاقات تاريخيًا، يمكن رؤية مخاوف خليجية يمكن تصنيفها ضمن المخاوف القومية الوجودية في التقدير الخاص،
وهي مخاوف حقيقية إلى درجة ما إذا خضعت لقواعد الصراع في المنطقة.
منذ منتصف خمسينيات القرن الماضي، دعم الاتحاد السوفيتي الرئيس المصري جمال عبد الناصر والقوميين واليسار العربي.
ولم تكتفِ الولايات المتحدة وبعض الأنظمة الأوروبية بدعم كيان العدو الإسرائيلي ومساندته عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا خلال حروب 1956 و1967 و1973،
بل سعت واشنطن إلى توظيف المخاوف السعودية وبعض المخاوف الخليجية من توجهات عبد الناصر والقوميين،
ولا سيما ما اعتُبر توجهات تدخلية تهدد أنظمة الحكم الملكية.
لاحقًا، دفعت الولايات المتحدة الدول الخليجية إلى المشاركة في التدخل لمواجهة الاتحاد السوفيتي في أفغانستان وبعض دول البلقان،
ثم أصبح الملف مفتوحًا في سياق العداء مع أنظمة أحزاب قومية ويسارية.
لقد قُدّم هذا المسار باعتباره «حربًا دفاعية استباقية للحفاظ على الخليج وحمايته».
غير أن هذا التبرير الفادح أبقى الخليج من دون استراتيجية مستقلة،
حتى مع الإقرار بوجود تحديات وصراعات كان يمكن مواجهتها بطرائق مختلفة.
تنطبق القاعدة نفسها على مخاوف الخليج من نظام البعث وصدام حسين، قبل غزو الكويت وبعده،
مع إضافة المشاركة الخليجية ومنح الولايات المتحدة وقواتها حق استخدام الأراضي في حرب «عاصفة الصحراء».
كان التبرير الخليجي موقوتًا، لكنه لم يكن مفتوحًا. أما التوظيف الأمريكي فكان مفتوحًا،
لأن الهدف الاستراتيجي كان توسيع النفوذ والهيمنة في الشرق وغرب آسيا، وحماية كيان العدو الإسرائيلي.
ومن هنا يمكن تفسير جانب مهم من العداء لدى بعض الخليجيين للجمهورية الإسلامية في إيران.
إن مجرد المشاركة في تطوير علاقة توظيفية تخدم كيان العدو الإسرائيلي يؤدي عمليًا إلى إخراج هذا الكيان من قائمة الكيانات التي تمثل تهديدًا للمنطقة.
ولا يتعلق الأمر هنا بالموقف من القضية الفلسطينية فقط، لأن السردية التبريرية تقوم بذلك.
لكن السؤال الأهم: لماذا وُضعت فصائل المقاومة الفلسطينية واللبنانية على لوائح «الإرهاب»؟
يمكن فهم ذلك من بوابات متعددة من دون الحاجة دائمًا إلى استدعاء إيران أو العلاقة الفلسطينية معها.
من مظلة حماية إلى منصة حروب تدخلية
إن الانتشار العسكري الأمريكي في الخليج وبعض الدول العربية، من حيث الجغرافيا والتوزيع والنوع والحجم والأدوات،
يتجاوز ما يسمى «مظلة الحماية الأمنية». لذلك لم يُستخدم هذا الانتشار في تنفيذ دور الحماية،
وإنما في حروب عسكرية تدخلية أمريكية جرى تبريرها بالعلة الأولى نفسها، ولكن بتوصيف جديد.
ومن أبرز هذه الحروب:
- العدوان على سوريا لإسقاط الدولة والنظام السابق منذ عام 2011 حتى 2024
- العدوان على ليبيا وإسقاط نظام الرئيس معمر القذافي عام 2011
- العدوان على اليمن لإسقاط الثورة منذ عام 2015 حتى 2026
- العدوان على العراق لإخراج الحشد الشعبي من معادلة أمنية عسكرية وتفكيكه منذ عام 2018 حتى 2026
- المساهمة في العدوان على المقاومة الفلسطينية والمقاومة اللبنانية لإسقاطها وتفكيكها منذ عام 2023 حتى 2026
- العدوان على الجمهورية الإسلامية في إيران لمحاولة إسقاطها بين عامي 2025 و2026
إذا وُضعت هذه الحروب جميعًا في ميزان التحليل الاستراتيجي بأبعاده المختلفة،
فلن تظهر نتائجها خارج الترتيب الآتي في جدول المستفيدين الاستراتيجيين:
- كيان العدو الإسرائيلي، الذي يصنف جميع الأطراف المذكورة أعلاه بوصفها مهددات لوجوده،
- ولاستمرار احتلاله للأراضي الفلسطينية، ولمشروع «إسرائيل الكبرى»
- النفوذ والهيمنة الأمريكية المطلقة
- دول الاتحاد الأوروبي بوصفها شريكًا للولايات المتحدة الأمريكية
- بعض الدول الخليجية في الترتيب الرابع
وبالإشارة إلى وجود دول الخليج ضمن قائمة المستفيدين،
سنعود بالضرورة إلى محاولة إيجاد تفسيرات وأدلة وحقائق تؤكد قبل ذلك الفرضية القائلة إن تلك الأطراف كانت تمثل تهديدًا حقيقيًا للخليج.
ثلاث حقائق أظهرتها الحرب الأخيرة
أظهرت نتائج الحرب الأخيرة، ابتداءً من العدوان على غزة ولبنان والعراق واليمن وسوريا،
وصولًا إلى العدوان على الجمهورية الإسلامية في إيران، ثلاث حقائق تكاد تكون ثابتة:
- الوجود العسكري الأمريكي وانتشاره في المنطقة والخليج استُخدم للعدوان،
- وخرج عمليًا من اعتباره «مظلة أمنية للخليج»
- استدعاء العدوان على الجمهورية الإسلامية في إيران واليمن وفلسطين ولبنان وسوريا والعراق،
- واعتباره ضمن قائمة الأهداف الاستراتيجية الملحة،
- كان تقديرًا خاطئًا وضع الدول الخليجية المساهمة في دائرة الاستهداف،
- ويمكن أن يضعها في قلب المخاوف مستقبلًا
- العدو الإسرائيلي، بدعم من الولايات المتحدة الأمريكية، ورغم أنه لم يحقق انتصارًا حاسمًا،
- جعل أحد أبرز أهدافه المعلنة تغيير الشرق الأوسط، والتمدد، وتطبيق مخطط «إسرائيل الكبرى»
تثبت هذه الحقائق أن التهديد الاستراتيجي الفعلي والوشيك على الدول الخليجية وبعض الدول العربية يتمثل في خسارة إيران للمواجهة.
وفي المقابل، فإن صمود الجمهورية الإسلامية في إيران ومنع تمكين العدو الإسرائيلي من استباحة المنطقة،
كما يخطط الجناح الصهيوني في البيت الأبيض، يمثل عاملًا مؤثرًا في منع اتساع التهديد.
هذه المقاربة ليست مجرد استنتاج، بل واقع جرى التعبير عنه في تصريحات ومواقف متعددة.
فاليمين الإسرائيلي المتطرف يعمل على تجريف أوسلو والتوسع في الضفة الغربية.
كما أقر الكنيست قانون منع قيام دولة فلسطينية بحدود عام 1967، وهو ما يعني استحالة الموافقة على «مبادرة بيروت 2002».
كذلك غيّر العدو الإسرائيلي، بدعم من الولايات المتحدة الأمريكية، رؤيته لمسار التطبيع مع السعودية.
فقد انتقل من النقاش حول شروط تضعها الرياض ويتم تعديل بعضها، بما في ذلك الاعتراف بقيام الدولة الفلسطينية،
إلى صيغة أخرى تتضمن وعودًا قد تقود إلى ذلك من دون التزام حقيقي.
وفي مناسبات متعددة،
أظهر اليمين الصهيوني في الولايات المتحدة الأمريكية ميلًا نحو فرض التطبيع على السعودية وتركيا وباكستان ودول أخرى.
وقد حدد السيناتور الأمريكي المتطرف ليندسي غراهام أن على السعودية أن تذهب نحو التطبيع مع «إسرائيل» قبل أن يكتب ترامب أن التطبيع ملزم.
وقد أثار هذا التصريح جدلًا واسعًا، لكنه يبقى جزءًا من التفكير الأمريكي المعلن والمسموع.
هل أحدثت الحرب تغييرًا في التفكير الاستراتيجي الخليجي؟
هناك عدد من الوقائع التي تكاد تشكل إجماعًا خليجيًا، مع وجود تباين محدود.
أبرز هذه الوقائع أن «الحماية الأمريكية» هشة، وأنها تفرض على دول الخليج البحث عن بدائل،
لكن داخل المنظومة الغربية غالبًا.
في المقابل، لا يوجد إجماع خليجي حول النهج المستقبلي للسياسات الخارجية.
بل إن عدم الإجماع لا يظهر بين الدول الخليجية فقط، وإنما يتشكل أيضًا داخل الدولة الواحدة.
حدث هذا التباين تاريخيًا تجاه كثير من القضايا والسياسات الخارجية، وخصوصًا تجاه الجمهورية الإسلامية في إيران.
غير أن ما يحدث الآن لا يمثل تكرارًا بسيطًا للنمط السابق، بل يعبر عن نمط مختلف قد يتغير مستقبلًا.
فعلى سبيل المثال، لم تكن العلاقات المتوترة بين طهران والرياض تشبه علاقات الدوحة بطهران،
بينما كانت علاقة مسقط بطهران، ولا تزال، أقرب إلى الصداقة. أما العلاقة مع الإمارات فهي غير جيدة،
رغم التبادل التجاري والاقتصادي الواسع.
يقود ذلك إلى طبيعة التقاطعات بين كل دولة خليجية وإيران، وهي تقاطعات لها منشأ داخلي أيضًا.
فسلطات آل خليفة في البحرين تتهم إيران بتحريك الشيعة في البحرين ضدها،
بينما كانت علاقة آل الصباح في الكويت جيدة نسبيًا رغم وجود نسبة كبيرة من الشيعة في البلاد.
توجد دراسات عديدة حول الخلافات الخليجية الإيرانية المرتبطة بالعوامل الداخلية،
إلا أن العوامل الخارجية والاصطفافات الإقليمية والدولية تبقى مسؤولة عن النسبة الأكبر من الخلاف مع الجمهورية الإسلامية في إيران.
الفاعلون الرئيسيون في رسم السياسة الخليجية
لا تهدف هذه الورقة إلى التوسع في الماضي، بل إلى وضع تصور أولي حول السياسات الخليجية تجاه إيران،
وكيف ستكون في ضوء التبدلات التي أحدثتها الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران. ولتوقع ذلك،
ينبغي الوقوف عند عاملين رئيسيين:
- الفاعلون الرئيسيون
- العلاقة الأمريكية الخليجية
لا يمكن بحث السياسات الخارجية الخليجية من دون الوقوف على تأثير الولايات المتحدة الأمريكية،
وقبلها بريطانيا، في رسم هذه السياسات وتحديدها وتوجيهها.
وقد اعتمد هذا التأثير على التوظيف السياسي والأمني والاقتصادي،
بما في ذلك تضخيم الحاجة إلى الحماية الأمنية، فضلًا عن تأثير الشراكة الاقتصادية والتجارية بين الولايات المتحدة ودول الخليج.
المملكة العربية السعودية
لا تتفق دول مجلس التعاون الخليجي على كثير من السياسات الخارجية للمملكة العربية السعودية.
كما توجد خلافات ونزاعات حدودية، مثل النزاع الإماراتي السعودي حول بعض الحقول النفطية والمناطق الحدودية،
ومنها حقل الشيبة، ومحمية الياسات، وحقلا الدرة والخفجي، وهي في الواقع نزاعات محدودة.
توجد أيضًا خلافات على خلفية اتهامات بدور سعودي في محاولة تغيير الحكم داخل بعض دول مجلس التعاون الخليجي،
كما في نموذج قطر، إضافة إلى عدم وجود توافق شامل مع نموذج سلطنة عمان. ومع ذلك،
بقي التأثير السعودي في السياسات الخليجية مهيمنًا، وإن تقلص مؤخرًا.
فعلى سبيل المثال، لم تكن الكويت متحمسة للعدوان على اليمن ضمن ما سمي «التحالف العربي» عام 2015،
الذي استهدف الإطاحة بالثورة التي قادتها حركة أنصار الله والتحالف السياسي والقبلي لإسقاط حكومة ونظام هجين تشكل بعد أحداث عام 2011.
وقد تضافر التأثير الأمريكي والسعودي لدفع دول عربية أخرى، بينها مصر، إلى المشاركة،
بينما لم تتمكن السعودية من إقناع سلطنة عمان.
التنافس الخليجي الخليجي
يمثل التنافس بين الدول الخليجية أحد العوامل المؤثرة في العلاقات والسياسات الخارجية.
ويدخل ضمن هذا التنافس، جزئيًا، خطط الهيمنة التي تصاعدت مع وصول محمد بن سلمان إلى الحكم.
كانت أزمة عام 2017 بين السعودية والإمارات من جهة، وقطر من جهة أخرى،
واحدة من أكثر الأزمات التي أظهرت محاولة محمد بن سلمان دفع الدوحة إلى تبني سياسة خارجية تحددها الرياض تجاه تركيا وإيران ومصر،
وكذلك تجاه فصائل المقاومة الفلسطينية وحزب الله.
كما كانت الأزمة سببًا في تقلص التأثير السعودي. فقد خططت الدوحة لتوظيف دورها في عام 2011،
وما عُرف بالربيع العربي، في تكوين علاقات ونفوذ خارجي إقليمي بالتحالف مع تركيا.
ينطبق الأمر نفسه على الأزمة السعودية الإماراتية الحالية، سواء في اليمن أو السودان،
وحتى في سوريا بدرجة أقل.
وضمن هذا التنافس أيضًا يبرز الصراع الحاد بين الرياض وأبوظبي في استقطاب الشركات التكنولوجية والتجارية العالمية.
القضية الفلسطينية والتطبيع مع العدو الإسرائيلي
كان واضحًا، بل شبه معلن،
أن الرياض دعمت اتفاقيات أبراهام التطبيعية بين كيان العدو الإسرائيلي والإمارات والبحرين عام 2018 وخلال فترة ترامب السابقة.
وكان جزء من خلفيات هذا التطبيع الضغط على الجمهورية الإسلامية في إيران،
وجلب مزيد من الدعم الأمريكي، مع استمرار فشل الحرب السعودية الأمريكية المشتركة في اليمن.
وقد تحولت الحرب في اليمن، لاحقًا وحتى اللحظة، وفق التصور السعودي، إلى تهديد كبير.
وبدعم سعودي أيضًا، أصدرت الدول الخليجية الثلاث، السعودية والإمارات والبحرين،
مواقف مشتركة تقضي بقطع أي علاقات مع فصائل المقاومة الفلسطينية وحزب الله،
وصولًا إلى وضعها على لوائح «الإرهاب».
في المقابل، أبقت ثلاث دول خليجية، هي قطر وعمان والكويت، علاقاتها مع الفصائل الفلسطينية،
فيما استثنت الكويت حزب الله.
غير أن السعودية، منذ سنوات، لم تعد تجد تبعية إماراتية في هذا الملف،
بل وجدت أن الإمارات تستخدم العلاقة مع كيان العدو الإسرائيلي ضد بعض التوجهات السعودية.
ومن أمثلة ذلك تنسيق علاقة الكيان بما يسمى «أرض الصومال» في الصومال،
والتخطيط لعلاقة بين كيان العدو الإسرائيلي وبعض حلفاء الإمارات في اليمن،
مثل المجلس الانتقالي ومجموعة طارق صالح.
لقد غيّرت هذه التحركات الإماراتية جزءًا من الاندفاع السعودي تجاه العدو الإسرائيلي،
لكنها لا تلغي، في حدود معينة، قابلية الرياض للتطبيع مستقبلًا.
نتائج الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران بوصفها فاعلًا جديدًا
إن تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لسلطنة عمان،
عندما قال إن على عمان أن تحسن التصرف مثل الجميع وإلا فسيتعين علينا نسفها،
على خلفية موقفها وتنسيقها مع الجمهورية الإسلامية في إيران بشأن مضيق هرمز،
لا يمكن التعامل معه كتهديد عابر أو مؤقت.
يكتسب هذا التهديد أهمية أكبر لأن سلطنة عمان قادت، في مناسبتين،
جولات تفاوض بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية.
ومع ذلك، فإن ما جرى يشير إلى توجه مشترك مع السعودية والإمارات للضغط على السلطات في مسقط مستقبلًا.
لكن فشل الحرب على إيران يجعل هذا الضغط مغامرة لا تسمح بها الجمهورية الإسلامية.
ويقود ذلك بالضرورة إلى اتساع دور طهران في دفع السياسة الخليجية نحو عدم تبني العداء تجاهها.
وحتى إذا نجحت بعض الدول الخليجية في ذلك تحت ضغط المخاوف، فستبقى العلاقات أقل مما كانت عليه سابقًا،
ومن غير الممكن الوصول سريعًا إلى اتفاقية مقترحة تتعلق بما يسمى «معاهدة عدم الاعتداء».
سيعود الانقسام الخليجي تجاه إيران. فالإمارات والبحرين تتجهان إلى تعزيز علاقتهما بكيان العدو الإسرائيلي،
وهو ما لن تسمح به إيران، وسيكون من أبرز ملفات التوتر، وربما يتوسع إلى ما هو أبعد. في المقابل،
لن تقف السعودية كما كانت تفعل سابقًا، والأمر نفسه ينطبق على قطر التي تميل إلى تصفير الخلاف مع إيران.
أما البحرين والكويت، وفي سابقة من حيث التوجه والأعداد والاتجاه القاسي،
فقد عملتا على إسقاط الجنسية عن مئات وآلاف المواطنين تحت عناوين ومبررات حاولتا ربطها بعلاقة المواطنين بإيران.
وفي الواقع، لا تبدو هذه الإجراءات أكثر من عملية استباقية للتخلص من المعارضين.
وقد صنعت هذه السياسات أزمة مشتركة حادة مستقبلًا، ستكون إيران طرفًا فاعلًا فيها أو متهمة في سياقها.
تقلص النفوذ الأمريكي في الخليج والمنطقة
قبل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على الجمهورية الإسلامية في إيران،
تغيرت كثير من القناعات التي كانت تؤمن بأن النفوذ والهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط سيبقيان طويلًا.
وبدلًا من ذلك، ساد اعتقاد باتجاه معاكس، مفاده أن الولايات المتحدة تتجه نحو خسارة نفوذها المطلق،
ودفع اهتمامها نحو ما أطلقت عليه استراتيجية ترامب للأمن القومي الأمريكي باتجاه غرب الكرة الأرضية.
جاءت الحرب وعدلت بعض هذه التوجهات. وبسبب الفشل وتأثيره في الدور الأمريكي في الشرق الأوسط،
يُحتمل أن تعيد الولايات المتحدة اهتمامها بتعزيز النفوذ في المنطقة.
غير أن تجاوز نتائج الحرب سيكون صعبًا، لأنها ضربت أدوات رئيسية اعتمدت عليها الولايات المتحدة، ومن بينها:
- قوة الحماية والانتشار العسكري
- حجم التحكم بالممرات البحرية، ولا سيما باب المندب ومضيق هرمز
- التهديد باستخدام القوة ضد التوجهات المخالفة والمناهضة لها في المنطقة
- القدرة على الحد من العلاقات والشراكات الصينية الروسية
إن التراجع في هذه العوامل وأدوات النفوذ والهيمنة بات واضحًا،
وهو يؤثر بدرجة رئيسية في التحكم برسم السياسات الخارجية للدول العربية، والخليجية تحديدًا.
السؤال المطروح الآن: هل تفكر دول الخليج في الاستفادة من ذلك؟
إذا وضعنا نموذج العلاقة مع الصين وتأثير نتائج الحرب،
فسنجد مفارقات كثيرة تقودنا مرة أخرى إلى أن الدول الرئيسية في الخليج ترسم سياسات خارجية خاطئة،
مبنية على أساس باطل وغير واقعي، ولا يخدم المصالح الاستراتيجية المفترضة.
التيارات السعودية بعد الحرب
استنادًا إلى مقال للأمير السعودي تركي الفيصل في صحيفة «الشرق الأوسط»،
وإلى تصريحات لقناة «سي إن إن» حظيت بانتشار واسع وارتبطت بموقف السعودية من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وتطوراتها،
يمكن الوصول إلى رؤيتين مختلفتين داخل السعودية، وبالتالي إلى تيارين رئيسيين.
التيار التقليدي
يرى التيار الأول، وهو تيار تقليدي،
أن الحرب ونتائجها تفرضان بالضرورة اتجاهات سعودية وخليجية متغيرة بنسبة تتناسب مع المتغيرات.
ويقود ذلك إلى الإقرار بحصول تبدلات أوسع مما كان متوقعًا.
وعلى الرغم من أن تركي الفيصل كان من مهندسي «التطبيع السعودي الإسرائيلي» خلال السنوات الماضية،
فإنه يضع الآن مراجعات واضحة. وفي المجمل،
ينظر هذا التيار إلى ضرورة إجراء تبديلات في السياسة الخارجية تجاه الولايات المتحدة الأمريكية،
وفي المقابل إعادة تقييم العلاقة مع الصين بوصفها طرفًا دوليًا يدعم إيران.
يعني ذلك أن التيار التقليدي يضع القطبين الدوليين ضمن مقاربة يمكن ترتيبها على النحو الآتي:
- العلاقة الأمريكية السعودية من الثوابت التي يجب الحفاظ عليها اليوم وغدًا ومستقبلًا،
- مع التسليم بأن مظلة الحماية قد تهشمت
- العلاقات الصينية السعودية يجب أن تخضع لمبدأ المصالح الاقتصادية المتبادلة والتحفيز للتوافقات السياسية الصينية السعودية
التيار الحديث
في المقابل، يوجد تيار لا تتطابق رؤيته مع رؤية تيار الفيصل.
صحيح أن هذا التيار ليس تقليديًا وليس ثقيلًا بالمعنى القديم، لكنه مؤثر ويستمع إليه محمد بن سلمان.
ومن أبرز شخصياته وزير الخارجية الحالي فيصل بن فرحان، وسفيرة السعودية في الولايات المتحدة ريما بنت بندر،
وعبد الرحمن الراشد، المدير العام السابق لقناتي «الحدث» و«العربية»،
ورئيس التحرير السابق لصحيفة «الشرق الأوسط».
يرى هذا التيار أن الحرب والتطورات الحالية لا تفرض تغييرات جوهرية في العلاقات الخارجية للسعودية،
مع ضرورة تعزيز دور المملكة ومكانتها «المستقلة» عن القطبية الدولية في المستقبل.
وتنطلق هذه الرؤية من النتائج التالية:
- أمريكا لم تُهزم ولم تخسر الحرب مع إيران
- النظام في إيران سيعاني في السنوات المقبلة،
- وهذا يخدم دعم الاتجاه الأمريكي المتشدد تجاه إيران،
- بما في ذلك دعم العقوبات الاقتصادية
- الصين وروسيا ستدعمان بقوة نظام الجمهورية الإسلامية في إيران، وهو ما يتعارض مع الاستراتيجية السعودية والمصالح التي ينبغي أن تتعامل مع نظام يعاني بعد الحرب
- العلاقات مع الصين مستقبلًا يجب أن تُبنى على مدى استجابة بكين للضغط على إيران، لا على مساعدتها
- ستبقى أمريكا قوية في مواجهة الصعود الصيني، ولذلك سيكون من المهم تقوية الشراكة معها في جميع المجالات
رغم تراكم الإحباطات التي واجهتها السعودية،
لا يزال هذا الجناح يقدم لمحمد بن سلمان آمالًا واسعة بنجاح خطط تحويل المملكة إلى قوة ذات تأثير سياسي واقتصادي في الشرق الأوسط،
خاصة بعد أن تمكنت الرياض من سحب المقرات الرئيسية لعدد من الشركات الاقتصادية والتكنولوجية من الإمارات إلى السعودية.
يميل معارضون سعوديون وباحثون سياسيون إلى الاعتقاد بأن «رغبوية» محمد بن سلمان وحقده على إيران يجعلان موقفه أقرب إلى تفضيل التيار الحديث،
حتى مع استمرار تأثير التيار التقليدي.
قطر بعد الحرب
تبدو قطر قريبة كثيرًا من السعودية في بعض التقديرات،
وتجمع بين توجهات التيارين التقليدي والحديث،
مع استحداث عاملين جديدين في السياسة الخارجية بعد الحرب:
- مراجعة العلاقة الجيدة مع إيران
- النظر إلى الصين وروسيا بوصفهما حليفين أساسيين للنظام في طهران،
- بما في ذلك على حساب بعض المصالح الخليجية
الإمارات بعد الحرب
بما أن الإمارات العربية المتحدة تعد من أكثر الدول تضررًا من الحرب،
خصوصًا أنها تأتي وسط خلافاتها الحادة مع السعودية، فإن تيارًا متشددًا وانتقاميًا يهيمن على جزء من مقاربتها.
غير أن الإمارات تجد نفسها أمام خسائر أوسع إذا استمرت في التقارب مع كيان العدو الإسرائيلي،
وهو تقارب ترفضه إيران والسعودية معًا. يضاف إلى ذلك وجود انقسام داخلي بين أبوظبي ودبي والشارقة،
إذ تميل قيادتا دبي والشارقة إلى الابتعاد عن الصراع.
ينبغي الإشارة هنا إلى عاملين رئيسيين تدور حولهما السياسة الخارجية للدول الخليجية الثلاث:
الأول، أن الاتفاقات والمشاريع والخطط والعقود المعلنة بينها وبين الإدارة الأمريكية، وخصوصًا مع ترامب،
بقيمة تصل إلى أربعة تريليونات دولار،
لا تزال قادرة على حمل طموح لم يعد كما كان سابقًا، لكنه لا يزال مؤثرًا، ومن غير الصحيح تجاهله أو تبديله بسهولة.
الثاني، أنه لا يمكن تجاهل المتغيرات التي طرأت بعد الحرب، سواء في موازين القوة أو في طبيعة المخاطر أو في حدود الاعتماد على واشنطن.
سلطنة عمان: سياسة النأي عن الأقطاب
يقوم التقليد في السياسة الخارجية لسلطنة عمان على النأي عن الأقطاب.
لكنها، في الوقت نفسه، كانت دائمًا بحاجة إلى خفض توجس جيرانها في مجلس التعاون الخليجي،
عبر الذهاب نحو علاقة مبنية على التعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية،
وتوثيق موقعها كوسيط موثوق لدى أطراف متعددة، كما ظهر في دورها في قيادة الحوار بين واشنطن وطهران قبل انهياره.
لكن السؤال الآن: هل لا تزال هذه الاستراتيجية صالحة بعد الحرب؟
عند استشارة عدد من السياسيين والمحللين والكتاب،
ومنهم الكاتب حيدر اللواتي والمفكر العماني علي المعشني وآخرون، يظهر إجماع يستند إلى خلفية ومتغيرات منطقية حصلت خلال السنوات الماضية.
وتبني السلطنة سياستها على قاعدة مرنة، يمكن تلخيصها في النقاط الآتية:
- النفوذ الأمريكي يتقلص
- العلاقات الخليجية الخليجية شكلية وغير وثيقة
- المصالح الاستراتيجية والأمن القومي العماني يفرضان تقليص الاتكالية على الدعم الغربي السياسي لدول الجزيرة العربية
- خلال الحرب، كانت السلطنة أقرب إلى إيران وأبعد عن الولايات المتحدة
خلاصة
تخلص هذه المقاربة إلى أن تقدير دول الخليج لنتائج الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران،
والانقسام بين الإقرار بانتصار إيران وتراجع الولايات المتحدة الأمريكية أو عدم الإقرار بذلك،
يؤثر بدرجة رئيسية في السياسة الخارجية المتوقعة للدول الخليجية بعد الحرب.
فكلما ازداد الإقرار الخليجي بأن الحرب كشفت هشاشة الحماية الأمريكية وتراجع القدرة الأمريكية على التحكم بمسارات المنطقة،
ازداد احتمال مراجعة السياسات الخارجية الخليجية تجاه إيران،
ومضيق هرمز، والعلاقة مع واشنطن، والتطبيع مع كيان العدو الإسرائيلي.
أما إذا استمرت بعض الدول الخليجية في قراءة نتائج الحرب من داخل المنظور الأمريكي نفسه،
فإن ذلك قد يعيد إنتاج السياسات السابقة، ولكن في بيئة إقليمية أكثر خطورة،
وأقل قابلية لمنح الخليج هامشًا واسعًا للمناورة.


