بداية، ماذا يعني أن يكون الإنسان مبدعا؟؛ فنقول وبكل بساطة، وبعيدا عن الفلسفة والتفلسف، وعن التبيان والبيان: الابداع هو أن يكون الانسان يمتلك حسا ذا ابعاد معرفية فنية، وشعور خالص بالجمال، وسمو روحي معرفي، يفيض بالجلال، وبحسب رؤية الفيلسوف ايمانويل كانط، فإنّ الجلال أعظم صفة ممكن أن يتصف بها الانسان، أي بُعد عُمق معرفي واحساس شاهق بكل ما هو جميل وجليل، فهو يفرق – كانط – بين هذين المفهومين – الجميل والجليل– وإذا امتلك الانسان هذا، مدى ابعاد هذين المفهومين، فلا شك سيصبح مبدعا، بعمق هذا المعنى. وهذا لا يحصل إلّا لمن هو جاد، ويجيد فن اللعب، اللعب على أوتار: الكتاب والفن، والجلال والجمال، ويوفق بينهما.
جاءتني دعوة كريمة من لدن الفنانة التشكيلية، تيسير كامل لحضور معرضها الشخصي الأول تحت عنوان “ما لا يُرى”. وذلك يوم الجمعة الموافق 23/ 1 2026 على قاعة ومركز الأطرقجي للفنون، بغداد – المنصور
وبهذه المناسبة الكريمة، أحببت أن أعرّف بفنانتنا هذه لمن لا يعرفها، وأن أسلط الضوء على مسيرتها الفنية، وشيء من ابداعها الفني، وعطائها الثر، على اعتبارها فنانة تمتاز بعمق فني زاخر بالإبداع، في تجيد رسم لوحاتها بحس انساني، يسمو بالبُعد على كل ما هو جميل وجليل في الوقت ذاته، حيث الرصانة والتعبير القيمي، والاصالة الفنية.
وقد لا نستغرب حينما نجد هذا السمو، والحس النبيل لدى الفنانة تسير؛ ذلك لكونها خرجت من بيت كله حس ابداعي، وشعور بالجمال، وعشق للفن، وحب للمعرفة، أنها بنت الشاعر الفنان التشكيلي كامل حسين (رحمه الله) وابنت الشاعرة ليلى عبد الأمير، وشقيقة الشاعر انمار كامل حسين. وكلهم مبدعون، ولهم صورة واضحة، بل وراكزة، وتسمو بالجمال، ذلك لما قدموه من ابداع حقيقي.
وهي كفنانة تشكيلية تنتمي إلى المدرسة التجريدية، على اعتبار هذا الفن، يمثل أبَعاد فوق الرمز للجسد بصفته، يسمو بالإنسان على اعتبار هذا الكيان، يختزل الوجود الأعلى، ويمس ببُعده الخارجي، ككيان منتصب القامة – كتعبير فلسفي وجودي.
والجسد بتعبير الكاتب فريد الزاهي يعتبر الجسد كيان أولي متعدد الدلالات والوظائف، ويخترق بإلحاح من المباحث والفنون والأدب، ومحكوم بالهوية (راجع: كتابه “الجسد والصورة والمقدس في الاسلام” ص 7، منشورات افريقيا الشرقية، الطبعة الأولى لسنة 1999، بيروت.
*نبذة مختصرة
بحسب ما ذكرت الفنانة تيسير نفسها حول سيرتها، ومنجزاتها الابداعية والفنية:
– وُلدت الفنانة التشكيلية تيسير كامل حسين في العراق – بغداد/ الكاظمية. ونشأت في بيئة فنية وأدبية كان لها الأثر الأبرز في تشكيل وعيها الجمالي المبكر، متأثره بإرث عائلي إبداعي عميق.
– بكالوريوس علوم / قسم تكنولوجيا المعلومات/ جامعة بابل.
– عضو نقابة الفنانين التشكيليين العراقيين
– عضو جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين
– عضو اتحاد الصحفيين العراقيين والعرب
– عضو مؤسسة فنانات تشكيليات عراقيات
– شاركت في اغلب المعارض السنوية المقامة في جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين، و معارض تشكيليات عراقيات السنوية.
– شاركت في اغلب معارض وزارة الثقافة العراقية.
– شاركت في العديد من المعارض الفنية المشتركة المقامة في داخل العراق، وخارجه.
– نُشرت أعمالها في صحف ومجلات ومواقع فنية وثقافية عراقية وعربية وعالمية، وقد نشرت مجموعة من اعمالها الفنية في مجلة (الف ياء) الشهرية التي تصدر في استراليا.
– اقتُنيت أعمالها في عدد من البلدان العربية والأوروبية، ونالت العديد من الجوائز وشهادات التقديرية، والتكريمية.
– زينت لوحاتها عددًا من أغلفة الدواوين الشعرية والروايات العربية والقصص.
أما حول معرضها الأول هذا، بحسب رؤياها:
تنطلق هذه اللوحات من الجسد لا بوصفه شكلًا مرئيًا، بل كحقلٍ للخبرة الوجودية. الجسد هنا أثرٌ، ذاكرة، وثِقلٌ داخلي يحمل الزمن، الألم، والغياب. لا يُقدَّم كصورة مكتملة، بل كحضورٍ متكسّر، يُلمَح ولا يُرى.
كما تشغل الأعمال على كشف ما يتخفّى خلف السطح: ما لا تقوله الملامح، وما لا تلتقطه العين. في هذا السياق، تصبح الوجودية ممارسة بصرية، حيث يُستدعى القلق، الهشاشة، والعبور الإنساني كحالات شعورية متراكمة داخل الكيان.
بالتالي، “ما لا يُرى” هو محاولة لتحرير الجسد من التمثيل المباشر، وجعله مساحة للتساؤل لا للإجابة؛ بل حضورًا صامتًا يقاوم التفسير، ويدعو المتلقي إلى مواجهة ما يشعر به أكثر مما يراه. لأن الشعور بالداخلي لربما لا يكفي، والرؤية تعطي الاحساس الاكثر، وتزيد من قابلية الرائي لإدراك ما وراء الشعور.


