بين الميدان والبروباغندا: تفكيك «مسرحية التهدئة» في لبنان

مسرحية التهدئة في لبنان بين الميدان والبروباغندا الأمريكية
يناقش المقال إعلان التهدئة في لبنان بوصفه مناورة سياسية وإعلامية أكثر من كونه تحولًا ميدانيًا حقيقيًا، مع تحليل حسابات ترامب ونتنياهو وإيران وحزب الله...

شهدت الساحة الدولية مؤخرًا إعلانًا مفاجئًا من الإدارة الأمريكية، بقيادة دونالد ترامب،

حول التوصل إلى اتفاق تهدئة بين حزب الله وإسرائيل.

ورغم تصوير هذا الحدث بوصفه إنجازًا دبلوماسيًا تاريخيًا،

فإن القراءة المتأنية لكواليس القرار تكشف عن أبعاد مغايرة تمامًا.

فالأمر لا يعدو كونه «مسرحية تهدئة» تكتيكية فرضتها حسابات سياسية معقدة، وظروف توقيت بالغة الحساسية،

تزامنت مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي الأمريكية والتحضيرات العالمية لكأس العالم.

ترامب وصناعة «الحقيقة الإعلامية»

تأتي هذه التهدئة المفاجئة لتخدم السردية السياسية التي يحتاجها ترامب شخصيًا أمام الناخب الأمريكي.

فالرئيس الذي يواجه ضغوطًا داخلية هائلة، واستطلاعات رأي تظهر رفضًا شعبيًا واسعًا لاستمرار الحرب،

وجد نفسه مضطرًا إلى التراجع عن دعم عدوان واسع النطاق على لبنان،

نتيجة خوفه من الانزلاق إلى حرب إقليمية غير محسومة النتائج.

من هنا، لجأ ترامب إلى تكتيك سردي جديد في إدارة الأزمات، يقوم على صناعة «حقيقة إعلامية» تخالف الواقع الميداني،

من أجل شراء الوقت السياسي، وتقديم نفسه للرأي العام العالمي بوصفه «رجل سلام» أوقف الحرب بنفوذه.

التهدئة بوصفها ورقة ابتزاز سياسي

في المقابل، يدرك ترامب أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لا يستطيع وقف الحرب فعليًا،

نظرًا لأن اليمين الصهيوني المتطرف سيعتبر ذلك رضوخًا وانتحارًا سياسيًا له،

وقد يصل الأمر إلى حد الاغتيال الحقيقي.

لذلك، وبدلًا من المواجهة المباشرة مع حليفه، جرى إخراج هذا الاتفاق الهش ليكون بمثابة «ورقة ابتزاز» ضد الإيرانيين،

مع الادعاء بأن الهجوم توقف مقابل استمرار صفقات أشمل.

بهذا المعنى، لا تبدو التهدئة قرارًا استراتيجيًا لإنهاء الحرب،

بقدر ما تبدو مناورة سياسية وإعلامية هدفها ضبط الإيقاع مؤقتًا،

من دون تغيير جوهر المعادلة الميدانية.

الحسابات الإيرانية والمأزق الإسرائيلي

على المقلب الآخر، يعكس المشهد رضوخًا أمريكيًا صريحًا لمعادلات الردع التي فرضتها طهران.

فقد نجحت إيران في ربط الأمن القومي اللبناني بالأمن القومي الخليجي،

وبمصير الملاحة في مضيق هرمز، جاعلةً المصالح الأمريكية في الخليج في مرمى الخطر المباشر.

ويبدو أن إيران بدأت تلعب بذكاء على التناقضات والفجوات الفاصلة بين نتنياهو وترامب،

بهدف إضعافهما معًا. والدليل أن أول تهديد إيراني حقيقي وجدي دفع ترامب إلى التراجع فورًا وإعلان التهدئة.

وفي حين يروّج ترامب لرغبة إيران في إبرام صفقة، فإن الواقع في الضاحية والشقيف،

بالتوازي مع تعليق إيران للمفاوضات احتجاجًا على العدوان، يؤكد أن الحرب مستمرة ميدانيًا.

عزلة نتنياهو وتعمق الأزمة الداخلية

لم يكد يُعلن عن التهدئة حتى بدأت الشروخ تعصف بالمعسكر الإسرائيلي.

فقد انتفض اليمين المتطرف، بقيادة إيتمار بن غفير،

رافضًا الاتفاق ومهاجمًا ترامب ونتنياهو معًا، ومعلنًا العصيان على الإملاءات الأمريكية.

هذا الرفض يضع نتنياهو اليوم في عزلة سياسية خانقة،

بين ضغط المعارضة في اليسار وهجوم الشركاء في اليمين.

وبذلك يتحول نتنياهو إلى رئيس حكومة أمر واقع، معزولًا ومن دون ظهير شعبي متماسك،

بانتظار ما ستؤول إليه الأيام المقبلة في ميدان لا تحكمه البروباغندا، بل موازين القوى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *