في كل مرة يُعاد فيها فتح ملف منحة الأدباء والفنانين والصحفيين، يُطرح السؤال نفسه بإلحاح موجع: هل هذه المنحة منّة تُعطى حين يتوافر المزاج، أم استحقاق أصيل لفئة قدّمت وما زالت تقدّم للبلد روحه وصوته وذاكرته، أم أنها مجرد مساعدة ظرفية تُرمى لتسكين الغضب ثم تُنسى؟.
منذ الإعلان عن هذه المنحة، لم يكن الجدل حول أهميتها، فالجميع يدرك أن شريحة الأدباء والفنانين والصحفيين من أكثر الشرائح تهميشًا، وأقلها استقرارًا ماديًا، رغم كونها من أكثرها تأثيرًا في الوعي العام. الجدل الحقيقي كان، وما زال، حول طريقة التعاطي معها: لماذا تُقدَّم دائمًا بوصفها “تفضّلًا” لا “حقًا”، ولماذا تُحاط بكل هذا القدر من التسويف والتلكؤ؟.
في بداياتها، قُدّرت المنحة بمليون وربع، وهو مبلغ متواضع أصلًا إذا ما قورن بسنوات العطاء الطويلة، وبالظروف الاقتصادية الخانقة. ثم بدأت رحلة الانحدار الصامت: تقلّص المبلغ إلى مليون، ثم إلى أقل من ذلك، دون تفسير واضح، ودون اعتذار، وكأن الأمر تفصيل ثانوي لا يستحق الشرح. الأخطر من تقليص المبلغ ليس الرقم بحد ذاته، بل الرسالة التي يحملها: أن قيمة الإبداع يمكن التلاعب بها، وأن كرامة المبدع قابلة للاختزال في أرقام تتآكل مع كل عام.
أما التلكؤ المتكرر في إطلاق المنحة، فهو قصة أخرى من قصص الاستهانة. في كل مرة، تُعلن الوعود، وتُحدَّد المواعيد، ثم تتأجل، وتُعاد الصياغة، وتُرمى الأعذار: مرة لأسباب إدارية، وأخرى لعدم اكتمال البيانات، وثالثة لظروف عامة. لكن أحدًا لا يتوقف ليسأل: كيف يعيش الأديب أو الفنان أو الصحفي خلال هذا الانتظار؟ من يعوّضه عن الإيجار، أو الدواء، أو أبسط متطلبات الحياة؟
المشكلة أن التعامل مع هذه المنحة لا ينطلق من رؤية ثقافية شاملة، بل من عقلية إحسانية موسمية. تُمنح حين تتوافر الضغوط أو المناسبات، وتُؤجل حين تخف الأضواء. ولو كانت استحقاقًا حقيقيًا، لكانت مدرجة ضمن سياسة ثابتة، بآلية واضحة، ومواعيد محددة، ومبالغ تحفظ الحد الأدنى من الكرامة، لا أن تُترك رهينة المزاج والظرف.
إن الأدباء والفنانين والصحفيين لم يطلبوا يومًا ثراءً، ولا امتيازات خاصة. ما يطالبون به هو الاعتراف بقيمتهم، وبأن ما يقدمونه ليس ترفًا، بل ضرورة وطنية. هم الذين وثّقوا الألم، وواجهوا القبح بالكلمة والصورة واللحن، ودفع كثير منهم أثمانًا شخصية ومهنية باهظة. فهل يكون جزاؤهم التسويف والتقليص والتجاهل؟
هذا المقال ليس صرخة استجداء، بل عتب صريح وانتقاد مشروع. عتب على مؤسسات لم تدرك بعد أن دعم الثقافة ليس عبئًا، بل استثمار في الإنسان. وانتقاد لآلية تعامل تُفرغ المنحة من معناها، وتحوّلها من حق إلى هبة مؤجلة. المطلوب ليس فقط إطلاق المنحة، بل إعادة تعريفها: كاستحقاق ثابت، محترم، يليق بمن حملوا الكلمة والفن والمهنة في أحلك الظروف، ولا يزالون.


