تراجع الردع وتراكم التآكل في الهوية الأمنية الإسرائيلية
تأسست العقيدة الأمنية الإسرائيلية تاريخيًا على فكرة مركزية صاغها زئيف جابوتنسكي في أطروحته حول «الجدار الحديدي»،
والتي تفترض أن فرض القبول بالوجود الإسرائيلي في المنطقة لا يتحقق إلا عبر بناء جدار من القوة الساحقة،
بما يكسر إرادة المقاومة ويجعلها عاجزة عن الاستمرار.
غير أن التطورات الجيوسياسية أثبتت تآكل هذه الهوية الردعية،
وهو تآكل تمتد جذوره إلى ما قبل أحداث تشرين الأول/ أكتوبر 2023،
وتحديدًا منذ إخفاقات حرب لبنان الثانية عام 2006، كما أشارت إلى ذلك «لجنة فينوغراد».
لقد أظهرت الوقائع عجز الأدوات العسكرية التقليدية أمام خصوم غير نظاميين يمتلكون عقيدة صلبة،
وقدرة عالية على الصمود والتكيف. وبهذا المعنى، تحول الأمن القومي الإسرائيلي من نموذج «الردع الوقائي»،
القائم على إبعاد التهديد عن الحدود، إلى نموذج «الردع الوجودي» في معركة بقاء مستمرة.
جدول رقم 1: تحولات العقيدة الأمنية الإسرائيلية
| الركيزة الأمنية | المضمون والتطبيق التاريخي | مظاهر التآكل البنيوي المعاصر |
|---|---|---|
| الردع | منع الأعداء عبر التهديد بعقاب جماعي وتدمير مقدراتهم | عجز القوة الجوية والتكنولوجية عن ثني الفصائل العابرة للحدود |
| الإنذار المبكر | الاعتماد على التفوق الاستخباراتي للتنبؤ بالنيات وتعبئة الاحتياط | الانهيار التكتيكي لفرضيات التقييم وفشل المنظومات في كشف المباغتة |
| الحسم السريع | نقل المعركة إلى أرض الخصم وإنهاء الحرب خلال أيام لحماية الجبهة الداخلية | الغرق في حروب استنزاف ممتدة تستنزف الاقتصاد وجهوزية الاحتياط |
| الدفاع | تحصين الحدود القارية وحماية العمق بمنظومات متطورة | اختراق الحدود بريًا وعجز الدفاع الجوي عن اعتراض المسيّرات والصواريخ بكفاءة كاملة |
السياق الداخلي والخداع الاستراتيجي
لم يكن انهيار الردع الإسرائيلي معزولًا عن الأزمة السياسية والمجتمعية العميقة التي تفجرت إثر خطة «التعديلات القضائية» مطلع عام 2023،
والتي خلقت انقسامات غير مسبوقة داخل المؤسسة العسكرية وقوات الاحتياط.
وقد أرسلت الأجهزة الأمنية تحذيرات إلى بنيامين نتنياهو تفيد بأن الأزمة الداخلية تسبب تآكلًا خطيرًا في الردع الإسرائيلي،
وهو ما شجع قوى المقاومة على المبادرة واستثمار لحظة الارتباك الداخلي.
بالتوازي مع ذلك، تبنت حركة حماس استراتيجية «الخداع الاستراتيجي» لتضليل الاستخبارات الإسرائيلية،
عبر إظهار رغبتها في التهدئة وتحسين الأوضاع المعيشية في قطاع غزة،
بينما كانت تخطط لعملية «طوفان الأقصى» بهدف تقويض فكرة «الجدار الحديدي».
ويعكس ذلك ما يمكن وصفه بـ«فشل في الخيال» لدى صانع القرار الإسرائيلي،
الذي تعامل مع حماس باعتبارها تنظيمًا يمكن احتواؤه، لا قوة قادرة على تغيير قواعد الاشتباك وفتح مسار استراتيجي جديد.
ديناميكيات «وحدة الساحات» والترابط الجبهوي
مثلت استراتيجية «وحدة الساحات» التجسيد العملياتي للتحول نحو الإدارة الشبكية المتكاملة للصراع.
فقد تشكلت، تحت إشراف وتنسيق الحرس الثوري الإيراني وحزب الله،
غرفة عمليات مشتركة لتوحيد التخطيط العسكري واللوجستي والاستخباراتي بين فصائل المقاومة في غزة ولبنان وسوريا والعراق واليمن.
واستندت المقاومة في صياغة معادلة الردع الإقليمية إلى خمسة محددات رئيسية:
أولًا، الحفاظ على وحدة الساحات وتعددها،
من خلال إدارة المعركة بصورة متزامنة أو موزعة، بما يمنع الاستفراد بجبهة واحدة.
ثانيًا، التصعيد في الداخل والعمق المحتل،
عبر رفع وتيرة العمليات بهدف زعزعة استقرار الجبهة الداخلية الإسرائيلية.
ثالثًا، استغلال نقاط الضعف المجتمعية والتكتيكية لدى العدو،
ولا سيما الانقسام السياسي والخوف من الخسائر البشرية.
رابعًا، تطوير طرق دفاعية ضد الاقتحام العميق، عبر شبكات معقدة من الكمائن والأنفاق التي تعيق التوغل البري.
خامسًا، إظهار الجرأة وتجاوز الحدود، من خلال تنفيذ عمليات تسلل نوعية تتحدى التحصينات،
كما ظهر في هجوم مجدو وخيام مزارع شبعا.
لقد أدى هذا الترابط الجبهوي إلى تعطيل الاستراتيجية الغربية الهادفة إلى الحفاظ على نظام الحدود القائم،
كما أفشل المساعي الدبلوماسية الرامية إلى فصل مسارات التفاوض بين الجبهات المختلفة.
استراتيجية الاغتيالات الإسرائيلية وتحدي المرونة الشبكية
في ظل عجز الخيارات الكلاسيكية عن حسم المعركة وترميم الردع، ركزت القيادة الإسرائيلية على «استراتيجية قطع رأس القيادة»،
عبر تصفية واغتيال كوادر وقادة وازنين، وصولًا إلى استهداف مفاصل القيادة الدينية والسياسية في إيران.
تخلق هذه الاغتيالات حالة من الإرباك التكتيكي،
وتقطع خطوط التنسيق اللوجستي مؤقتًا.
غير أن التجربة التاريخية تثبت أن استراتيجية قطع الرأس نادرًا ما تنجح في تفكيك التنظيمات ذات البنيات الشبكية واللامركزية المرنة،
القادرة على إفراز قيادات بديلة بسرعة.
وغالبًا ما يدفع غياب القيادة التاريخية نحو صعود قيادات أكثر راديكالية،
كما يطرح هذا التصور في حالة تولي مجتبى خامنئي القيادة في طهران بدعم من الحرس الثوري.
جدول رقم 2: مؤشرات ميدانية على تآكل الردع الإسرائيلي
| العام | الحدث الاستراتيجي الأبرز | التداعيات المباشرة على معادلة الردع الإسرائيلي |
| 2018 | تصاعد حدة المواجهات في الضفة وإحباط 480 عملية | كشف عجز مقاربة «إدارة الصراع» والهدوء الأمني الزائف |
خلاصة أولية
تكشف هذه التحولات أن الردع الإسرائيلي لم يعد قائمًا على معادلة التفوق المطلق،
بل بات محكومًا بتآكل تدريجي في بنيته الأمنية والسياسية والنفسية.
كما أن «وحدة الساحات» لم تعد مجرد شعار تعبوي، بل تحولت إلى إطار جيوبوليتيكي يعيد صياغة التوازنات في الشرق الأوسط.
ومن خلال ربط الجبهات، وتوسيع نطاق الاشتباك، واستثمار نقاط الضعف الداخلية الإسرائيلية،
تمكن محور المقاومة من نقل الصراع من مستوى المواجهة الموضعية إلى مستوى الصراع الإقليمي المركب،
بما يجعل خريف الردع الإسرائيلي عنوانًا لتحول أوسع في الجغرافيا السياسية للمنطقة.


