الإيرانيون لا يقبلون ويرفضون ضمنيًا تصريحات بعض اللبنانيين

إيران وتصريحات اللبنانيين حول الضاحية الجنوبية والرد على إسرائيل
يناقش المقال رفض إيران الضمني لبعض التصريحات اللبنانية التي تزعم ربط الرد الإيراني بقصف الضاحية، ويحلل دلالات موقف كاظم غريب آبادي من الدور الأمريكي في العدوان على لبنان...

منذ الأمس، لم تتوقف بعض الأصوات اللبنانية عن إطلاق نظريات لا تمت إلى الواقع بصلة،

تدور حول زعم أن إيران هددت الولايات المتحدة وإسرائيل بأنها،

في حال قُصفت الضاحية الجنوبية لبيروت، ستقصف المستوطنات الإسرائيلية في شمال فلسطين المحتلة.

ورغم أن هذا التصريح لا يستقيم عقلًا ولا منطقًا، ويتنافى مع أبسط قواعد السياسة،

فقد تحولت هذه التصريحات إلى «تريند» يتداوله كثيرون،

وكأنها تعبر عن موقف رسمي أو تقدير استراتيجي دقيق.

إحراج غير مقصود للموقف الإيراني

منذ صدور هذه التصريحات،

تحاول إيران إنقاذ نفسها من هذا الموقف المحرج الذي وضعها فيه إعلاميون وساسة ومحللون محسوبون على «محور الممانعة».

فقد أبلغت طهران كثيرين بأنها لا تفرّق بين الضاحية الجنوبية والجنوب اللبناني كي تطلق تهديدًا مجتزأً أو انتقائيًا.

فالحقيقة الراسخة لدى القيادة الإيرانية أن كل شبر من لبنان يمثل لبنان كله،

كما أن كل جزء من محور المقاومة يمثل المحور بأكمله.

ولا يُعقل منطقيًا أن يكون هناك تمييز بين سكان الجنوب وسكان الضاحية، بحيث يتم التغاضي عن قصف مكان،

والتهديد فقط في حال استهداف مكان آخر.

إن ما تسعى إليه إيران فعليًا هو وقف إطلاق نار شامل يغطي جميع جبهات المحور،

لا حماية بقعة جغرافية محددة. فالتصرف كدولة استراتيجية يقتضي الشمولية والاتزان،

لا التعامل بمنطق مجتزأ أو صبياني.

خطورة الادعاء بأن إيران ضغطت على أمريكا

لعل أخطر ما في خطاب بعض «منظري» المحور هو ادعاؤهم أن إيران هي التي ضغطت على الولايات المتحدة لوقف قصف الضاحية الجنوبية.

وقد يكون هذا الادعاء أحد الأسباب التي دفعت مساعد وزير الخارجية الإيراني،

كاظم غريب آبادي، إلى الرد وتصحيح الصورة،

في موقف بدا كـ«قنبلة نووية» دبلوماسية أصابت صورة الولايات المتحدة التي تحاول تقديم نفسها بوصفها «حمامة سلام» أو «منقذًا لبيروت».

لقد قرأ غريب آبادي ادعاءات ترامب بشأن مكالمته مع نتنياهو قراءة كاشفة.

فهو لم ينفِ ولم يؤكد حدوث المكالمة،

بل استثمر المنطق الكامن خلفها لإثبات أن الولايات المتحدة شريك كامل في كل ما حدث منذ اليوم الأول.

فإذا كانت واشنطن قادرة على «المنع» بمكالمة واحدة،

فإن هذه القدرة نفسها تتحول إلى صك إدانة لها، لأنها تعني أنها سمحت بالقتل والتهجير طوال الأشهر الماضية.

الرسالة الإيرانية غير المباشرة

كأن غريب آبادي يوجه رسالة مباشرة مفادها: لا تنخدعوا بمن يمنّ عليكم بوقف القتل،

فهو نفسه الذي أدار العدوان وسمح به لشهور.

وللأسف، فإن بعض اللبنانيين، بسبب ضعف الإدراك السياسي،

لا يدركون خطورة القول إن إيران ضغطت على الولايات المتحدة لإيقاف الحرب.

فالموقف الإيراني الحقيقي هو موقف عقلاني وواقعي يليق بدولة كبرى،

ويدرك تمامًا أن الترويج لهذه الطروحات قد يحرج طهران سياسيًا واستراتيجيًا.

فلو قصفت إسرائيل الضاحية ولم ترد إيران مباشرة،

فستظهر أمام الرأي العام وكأنها عاجزة أو متراجعة عن تهديداتها.

وهذا قد يخسرها معركة وجودية واستراتيجية كلفتها الكثير في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل،

ليأتي البعض وينسف تلك الجهود بسيل من التصريحات غير المنطقية.

لذلك، لا يمكن لإيران أن تتحمل تبعات هذه المراهقة السياسية التي يمارسها البعض باسمها.

تغريدة غريب آبادي ودلالاتها

إن تغريدة غريب آبادي التي تساءل فيها:

«لماذا استمرت لأشهر خروقات وقف إطلاق النار والعدوان على لبنان إذا كان القرار يتغير بمكالمة واحدة؟»،

جاءت لتؤكد أن الأمريكيين يماطلون بوعي.

وليست إيران هي التي تعيق الحلول،

كما يحاول البعض تصويرها في بازار المقايضات الجغرافية الضيقة.

إن إيران تسعى إلى الاستقرار الإقليمي الشامل، لا إلى تفاهمات من نوع «حارة بحارة»،

ولا إلى صفقات محدودة تحمي منطقة وتترك أخرى تحت القصف.

الحاجة إلى خطاب أكثر مسؤولية

ختامًا، أتمنى أن ينجح أحد في إقناع هؤلاء بالتوقف عن هذه التصريحات،

لأنهم كما «أدخلوا الشيعة في الحائط» بسبب تصريحاتهم طوال أربعة عشر عامًا،

فإنهم إذا استمروا على هذا النهج، فقد يدخلون إيران أيضًا في الحائط نفسه خلال أسابيع.

وعندها لن يبقى لدى الشيعة سوى تصريحات لا يعلم إلا الله كيف يجري تركيبها أو تبريرها.

الله ينجينا، الله ينجينا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *