تعتمد الولايات المتحدة الأمريكية نهجًا مدروسًا بعناية لفصل العراق، دولةً ومجتمعًا،
عمّا يُعرف بـ«وحدة الساحات»، وإنهاء ارتباطه السياسي والعسكري بمحور إيران بصورة تدريجية وحاسمة.
ومن هذا المنطلق، لا يمكن قراءة الدعوات المتصاعدة إلى حصر السلاح بيد الدولة،
في هذا التوقيت تحديدًا، بمعزل عن مشروع استراتيجي أوسع يستهدف إعادة تشكيل العراق سياسيًا وأمنيًا.
فالجهات التي يُفترض أن تسلّم سلاحها وتدمج تشكيلاتها ضمن مؤسسات الدولة تدرك تمامًا أن الدولة العراقية ما تزال تعاني من محدودية السيادة،
وأن قدرتها على مواجهة الضغوط والإملاءات الأمريكية لا تزال ضعيفة.
وعليه، فإن إعلان الفصائل ارتباطها الكامل بمؤسسات الدولة يعني عمليًا التخلي،
ولو بصورة ضمنية، عن الأدوار التي كانت تتبناها سابقًا؛ مثل الدفاع عن فلسطين،
أو مواجهة النفوذ الأمريكي، أو دعم بيروت وطهران في أي مواجهة إقليمية محتملة.
حصر السلاح وتحويل قرار المواجهة إلى الدولة
يدرك المؤيدون لفكرة حصر السلاح بيد الدولة، من كتّاب وخطباء ومحللين،
أن قرار السلم والحرب، وفق الدستور العراقي، هو من صلاحيات الدولة وحدها، وله آليات وإجراءات محددة لا يمكن تجاوزها.
وبناءً على ذلك، فإن أي تصعيد إسرائيلي ضد لبنان،
على سبيل المثال، لن يقابله تحرك من القوى التي اندمجت ضمن مشروع الدولة،
لأنها ستكون قد أوكلت قرار المواجهة إلى الحكومة العراقية. ومن المستبعد أن تقدم الأخيرة على خطوة من هذا القبيل.
وينطبق الأمر ذاته على الساحة السورية؛
إذ إن أي تحرك محتمل للجماعات الإرهابية المتطرفة هناك باتجاه لبنان لن يدفع هذه القوى إلى التدخل المباشر،
ما دام القرار مرهونًا بإرادة الدولة وحساباتها السياسية.
أما فيما يتعلق بإيران،
فإن أي مواجهة قد تتعرض لها لن تجد من تلك القوى العقائدية سابقًا دعمًا عسكريًا أو ميدانيًا،
لأن قرار الحرب والسلم أصبح بيد الدولة العراقية، كما أسلفنا،
وقرارات الدولة خاضعة لتوازنات المكونات السياسية وتعقيداتها.
وبهذا المعنى، تكون إيران قد خسرت ساحة أخرى من ساحات نفوذها الإقليمي بعد سوريا.
إعادة تشكيل المجتمع العراقي ثقافيًا واقتصاديًا
أما المرحلة الثانية من هذا التحول، فتتمثل، بحسب هذا التصور،
في إعادة تشكيل البنية الثقافية والاجتماعية للمجتمع العراقي،
عبر تغيير فلسفة الاقتصاد والانخراط التدريجي في النموذج الرأسمالي.
وقد يتساءل البعض عن العلاقة بين الاقتصاد وهوية المجتمع الثقافية.
هنا يمكن القول إن المفاهيم الغربية التي جرى استهلاكها في الواقع السياسي والاجتماعي ليست أدوات إدارية محايدة فحسب،
بل تحمل في جوهرها أبعادًا أيديولوجية وثقافية.
فالديمقراطية، على سبيل المثال، لا تُقدَّم بوصفها آلية لتداول السلطة فقط،
بل تُطرح أيضًا ضمن رؤية غربية تهدف إلى إعادة تعريف العلاقة بين الدين والدولة،
وإعادة صياغة المفاهيم المرتبطة بالحريات الفردية وحقوق الإنسان ودور المرأة في المجتمع.
وبالمثل، فإن الرأسمالية لا تتوقف عند حدود حماية الملكية الفردية أو تنظيم السوق،
بل تتحول إلى فلسفة اجتماعية كاملة تقوم على تكريس الفردانية،
وإضعاف الروابط الجمعية، وتعزيز النزعة الاستهلاكية، وتحويل الإنسان ذاته إلى سلعة ضمن منظومة السوق.
نتائج التحول نحو النموذج الرأسمالي
من أبرز نتائج هذا التحول:
أولًا: تآكل مفهوم «الكفاية» لصالح ثقافة الاستهلاك المفتوح.
ثانيًا: ضعف الروابط الاجتماعية وتراجع البنية القيمية التقليدية.
ثالثًا: تحوّل السياسة إلى سوق للمصالح والنفوذ.
رابعًا: اتساع الفوارق الطبقية وتصلّب البنية الاجتماعية.
انتزاع روح المقاومة من الأجيال القادمة
على هذا النحو، يتغير الواقع العراقي تدريجيًا بالتوازي مع نزع السلاح وإعادة تشكيل الوعي الاجتماعي.
ويؤدي هذا المسار، وفق هذا الطرح،
إلى انتزاع روح المقاومة من الأجيال القادمة، وإلى الانفصال المعنوي التام عن مفهوم «وحدة الساحات».


