أولا: مفهوم الشعر
وُلد الشعر مع ولادة الأمم والشعوب، ويعتبر من ثقافاتهم وحضاراتهم، فلم تجد أمّة من الأمم، ولا شعبا من الشعوب الخيّة إلا وكان الشعر ديدنهم ، بحسب اطلاعي ومعرفتي.
والعرب على اعتبارهم أمة من الأمم، كان لها حظوة كبيرة من الشعر، ولديها فطاحل الشعراء. وكانوا يسمّون الشعر ديوان العرب، وهو من ضمن ثقافتهم. ولعلّه أفضل كتاب قرأته في حياتي، ما يخص الشعر والشعراء، هو موسوعة “المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام”، د. جواد علي، جزء التاسع، الخاص بالشعر.
الشِّعر: “في اللغة: العلم، وفي الاصطلاح: كلام مقفًى موزون على سبيل القصد، والقيد الأخير يخرج نحو قوله تعالى: {الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} فإنه كلام مقفًى موزون، لكن ليس بشعر؛ لأن الإتيان به موزونًا ليس على سبيل القصد، والشعر في اصطلاح المنطقيين: قياسٌ مؤلف من المخيلات، والغرض منه انفعال النفس بالترغيب والتنفير، كقولهم: الخمر ياقوتة سيّالة، والعسل مرة مهوعة”.(1)
وفي قاموس المحيط للفيروز أبادي: “الشعر غلب على منظوم القول، لشرفه بالوزن والقافية..”.(2)
والشعر أغلبه يأتي فيه الحكمة، لذا قيل أن المتنبي حكيم والمعري فيلسوف. وفي المأثور إن النبي قال: “إن من البيان لسحرا، ومن الشعر لحكما”.(3)
عن الجاحظ أنه قال: “وكان الشاعر أرفع قدرا من الخطيب، وهم إليه أحوج لرد مآثرهم عليهم، وتذكيرهم بأيّامهم، فلما كثر الشعراء وكثر الشعر صار الخطيب أعظم قدرا من الشاعر”.(4)
الى آخر ما قاله صاحب المفصّل، من أقوال وروايات تخص الشعر وتذكر محاسنه، وأنواعه ومواقف الشعراء، ومن أن الشاعر كان بمثابة وزير اعلام بمفهوم اليوم.
يقول ابن رشيق: “وكلام العرب نوعان: منظوم، ومنثور. ولكل منهما ثلاث طبقات: جيدة، ومتوسطة، ورديئة، فإذا اتفقت الطبقتان في القدر، وتساوتا في القيمة، ولم يكن لإحداهما فضل على الأخرى كان الحكم للشعر ظاهراً في التسمية؛ لأن كل منظوم أحسن من كل منثور من جنسه في معترف العادة، ألا ترى أن الدرّ وهو أخو اللفظ ونسيبه، وإليه يقاس، وبه يشبه إذا كان منثوراً لم يؤمن عليه، ولم ينتفع به في الباب الذي له كسب، ومن أجله انتخب؛ وإن كان أعلى قدراً وأغلى ثمناً، فإذا نظم كان أصون له من الإبتذال، وأظهر لحسنه مع كثرة الاستعمال، وكذلك اللفظ إذا كان منثوراً تبدد في الأسماع، وتدحرج عن الطباع، ولم تستقر منه إلا المفرطة في اللفظ وإن كانت أجمله، والواحدة من الألف، وعسى أن لا تكون أفضله…”(5)
ثانيا: الشعر عند وليد حسين
وليد حسين شاعر، بكل معنى هذه الكلمة، ومن الطراز الخاص، ومتمكّن من كتابة الشعر، فهو يكتب القصيدة العمودية، منذ مدة طويلة، وله قصائد على خطى الشعر العربي، والذي سلطنا الضوء عليه في المقدمة، آنفة الذكر، وربما أنا واحد من عشرات القرّاء المتابعين الدائمين، لما يكتب وينشر وليد حسين، لا بل ومن الكتّاب الذين كتبوا عنه أكثر من مقال نقدي.
وليد حسين له لمسة خاصة في كتابة القصيدة، بل وله حرفية عالية، فضلا عن كونه مختص باللغة العربية، وثمّة الكثير ممن يستشارونه ويأخذون ملاحظاته حول ما يكتبون، ويرسلون بعض من نتاجهم، وهو بالتالي يعطي المشورة، والرأي الصائب. وهذا الذي أقوله ليس من باب الاطراء، أو من باب المديح، كلا، بل من باب الحقيقة التي تُقال، وربما في رأيي هذا قد يعترض الرجل، على تصريحي، فليعذرني.
فمن تلك القصائد التي كانت له فيها لمسة خاصة، وربما أنا الوحيد الذي اعتبرها بهذا الخصوص، ولغيري رأي آخر أيضا. هي قصيدة “كنت انتظرتك”. وكذلك قصيدة “قُم يا محمد من جديد” وقصيدة “عزلة وطن” وقصيدة “ليوسف لغة” وقصيدة “كيف اتخذت لظلك”. والى غير ذلك من قصائد مهمة، لا سيما في أعماله الشعرية الكاملة، إلى عام 2017.(6)
ثالثا: وفي بغداد صوت
هذا هو عنوان قصيدة الشاعر وليد حسين الأخيرة، والتي نروم الآن تحليلها، بما تجود به معرفتي البسيطة، رجائي أن أوفق بذلك.
القصيدة عموما تحمل طابعا جدليا يجمع بين الرثاء والتحريض، وبين نقد الواقع والتشبث بفكرة الخلاص الجماعي. وتقوم هذه القصيدة على خطاب فكري وسياسي ذي نبرة احتجاجيّة واضحة، يمتزج فيه الهمّ الديني بالواقع الاجتماعي والتاريخي، وتتخذ من بغداد رمزا مركزيا للهوية والانقسام والأمل في آن واحد. يبدأ النص بصوتٍ متكلم يعلن موقفه:
أجاهر باسم ربّات الحجال
وأرفعُ من سقوفِ الأمنياتِ
بما يوحي برغبة في كسر الصمت ومواجهة القيود الفكرية والاجتماعية. وبعدها ينتقل الشاعر إلى نقد حالة الخوف والتشتّت التي أصابت المجتمع، حيث:
وعاث الخوف في بعض الرئات
أباشرُ عند صمتِ الناسِ أمراً
وأحسبُ صمتهم متبنِّياتي
وهي صورة بلاغية تعبّر عن تغلغل الرهبة حتى في أنفاس الناس.
القصيدة بشكل عام، تعتمد على لغة جزلة وإيقاع عمودي قريب من النفس التراثي، مع كثافة في المعجم الديني والسياسي، ما يمنح النص طابعا خطابيا وتأمليا فيالوقت نفسه. كما يبرز فيها نقد النفاق الديني والتوظيف السياسي للدين، إذ يشير الشاعر إلى جماعات تتظاهر بالتديّن بينما تمارس الإقصاء والتضليل ونشر الشائعات.
وتحضر بغداد في الخاتمة بوصفها مساحة للتعايش ورفض الطائفية، إذ يقول:
وفي بغداد صوتٌ كان جسراً
لنبذ الطائفية والسعاةِ
وهنا تتحول المدينة إلى رمز للخلاص والوحدة الوطنية رغم الخراب والخسارات. كما يوازن الشاعر بين اليأس والأمل؛ فبرغم الألم والحروب، يبقى “الفتح آتٍ”، في إشارة إلى إيمان داخلي بإمكان النهوض من جديد.
الهوامش
(1)الجرجاني، التعريفات، ص 130، منشورات دار الكتب العلمية بيروت لبنان، ط الثانية 2003، وضع هوامشه وفهارسه: محمد باسل عيون السود.
(2)أنظر صفحة 358 من القاموس، الطبعة الأولى لسنة 2009، مكتبة الايمان – بالمنصورة، بتحقيق عبد الخالق السيد.
(3)الدكتور جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام” الجزء التاسع ص 64، منشورات دار العلم للملايين، الطبعة الأولى لسنة 1972، بيروت.
(4)المصدر السابق
(5)ابن رشيق القيرواني، العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، ج أول، ص 12، المكتبة العصرية بيروت – صيدا، لسنة 2007، بتحقيق: عبد الحميد هنداوي.
(6)وليد حسين، الأعمال الشعرية الكاملة إلى عام 2017، منشورات دار الرافدين، الطبعة الأولى لسنة 2918، بيروت لبنان.


