الشهادات الأدبية، سير ومرجعيات فكرية

الشهادات الأدبية، سير ومرجعيات فكرية
تشير بعض الدراسات إلى أن مفهوم الشهادة الأدبية مازال ملتبساً بين السيرة الشخصية والأدبية، بين الحقيقة والخيال، بين التجربة الإبداعية والتنظير لها...

تشير بعض الدراسات إلى أن مفهوم الشهادة الأدبية مازال ملتبساً بين السيرة الشخصية والأدبية، بين الحقيقة والخيال، بين التجربة الإبداعية والتنظير لها، ويبدو ذلك واضحاً لدى بعض الكتّاب الكبار، وبصورة أوضح لدي الكاتب المبتدئ،الذي لم تتضح بصمته بعد .

كتاب (الحياة بوصفها سرداً أعمال مؤتمر السرد الخامس، دورة الكاتب الراحل باسم عبدالحميد حمودي، بغداد/ أيلول ٢٠٢٤) من إصدارات الإتحاد العام للأدباء والكتّاب في العراق، وثق شهادات لعدد كبير من الروائيين العراقيين، القيت من الروائيين أنفسهم، في أثناء المؤتمر، أو من قبل آخرين بالنيابة عنهم، وهم من أجيال مختلفة (على الرغم من الاختلاف الجيلي لتلك النخبة المنتخبة من ساردي البلد) “مقدمة الكتاب ص١٠”

هذه الشهادات المدونة (لنخبة فاعلة من كتّاب القصص والروايات في العراق، محاولة جادة في استباحة رؤاهم المجتمعة، وقد كلفوا من قبل الإتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق بتدوين شهاداتهم ومن ثم قراءتها في مؤتمر السرد الخامس) “مقدمة الكتاب ص٩” تعد وثيقة ومصدراً مهماً من مصادر دراسة التجربة السردية أو الروائية العراقية، بعد تجارب الرواد الأوائل (جليل القيسي، عبد الملك نوري، ذنون أيوب، عبدالحق فاضل، فؤاد التكرلي، غائب طعمة فرمان، محمود جنداري).

وحين نصف هذه الشهادات بـ”الوثيقة” فلا نقصد بذلك أنّها الأكثر تعبيراً وأهمية لدراسة السرد العراقي، ولكننا نعني أنّ الروائيين أصحاب هذه الشهادات، وعددهم أربعة وعشرون روائياً وقاصاً (كتيبة الكتبة السردية، وهذه الشهادات لأهم سرّاد آهات المجتمعات المتقلبة) “مقدمة الكتاب ص١٠” يتحملون المسؤولية التاريخية لهذا التوصيف لأنهم “وثقوا” البذرة الأولى لتجاربهم السردية بانفسهم، عبر شهاداتهم هذه، والعوامل المؤثرة في ديمومة وتطور نتاجهم السردي، على الرغم من أن قلة محدودة منهم تعي تماماً الفرق ما بين السيرة الشخصية والشهادة الأدبية، وبذلك نؤوا بسيرتهم عن محكّات أو معايير تقويم وتحليل وتوصيف هذه السيرة، ولم يفصحوا عن نوع وحجم المؤثرات والبذرة الأولى لاشتغالاتهم السردية (بعد أحد عشر كتاباً منها سبع مجموعات قصصية، ما زالت كتابة الشهادات السردية عن تجربتي الشخصية في القصة القصيرة مهمة ومحفوفة بالمخاطر والتحديات بالنسبة لي، فهي تشبه التعري في مكان عام) “شهادة القاص محمد الكاظم ص ٨٤”.

وفي شهادة أخرى للكاتب محمد خضير سلطان أثبت أن (في تجاربنا السردية القصصية والروائية الحديثة، هل اكتمل الحدث لدينا في اشتراطاته التاريخية بين الزمان والمكان والإنسان، ليقابله تكامل على نحو معين في إنتاج الصيغة الفنية؟…… هل نملك الحدث حقا لنروي؟ أم أننا نروي لكي نملك الحدث؟ كيف نعطي تصورنا السردي، التاريخي والقصصي، في عالمنا المعيش في ضوء التحليل للهوية السردية) “ص٩٦”.

هذه الشهادات تعد مستقبلاً – لأنها  وثيقة – مصدراً مهماً لمن يدرس التجربة السردية العراقية، من العراقيين والعرب وحتى الأجانب (حتى جاءت الشهادات كشاهدة قبر لحياة شاخصة تبقى لأجيال لاحقة ستدقق وتمعن في سطورها كثيراً) “مقدمة الكتاب ص١٠”.

تأسيساً على ذلك، وجدنا أن دراسة محتوى هذه الشهادات يفضي إلى تشكيل صورة واقعية عن اشتغالات السرد العراقي من حيث مرجعياته الفكرية والأدبية والركائز التي يستند عليها، ومنها:

اولا: المؤثرات الأولى على السارد العراقي.

وثق مَن أدلوا بشهادتهم الكيفية التي شكلت البذرة الأولى لاشتغالاتهم السردية والمؤثرات الفاعلة في هذا التشكل حين قراءاتهم الأولى بما ياتي:

(١) كتّاب عرب:

* الروائي المصري نجيب محفوظ  (عبد الخالق الركابي، كاظم حسوني)

* الكاتب السوري زكريا تامر

(بكر درويش)

  • الروائي السوداني الطيب صالح

(عبد الخالق الركابي)

(٢) كتّاب فرنسيون:

سارتر، البير كامو، سيمون دي بوفار، فرانسس ساغان (احمد خلف)

نتالي ساروت (بكر درويش).

(٣) كتّاب امريكان

وليم فوكنر، ارنست همنغواي، ماركيز (حسن السلمان، عبد الخالق الركابي)

(٤) كتّاب يونانيون

كازنتزاكي (حسن السلمان)

(٥) أدباء روس، الحقبة السوفيتية:

ديستوفسكي، شولوخوف (عبد الخالق الركابي)

مكسيم غوركي (محمد الكاظم)

(٦) مجلات الأطفال المصورة

( احمد سعداوي، سعد سعيد)

(٧) المسرح (عباس لطيف)

(٨) الشعر (علي الحديثي، حسن السلمان)

(٩) حكايات الجد والجدة والأب

(عبدالخالق الركابي، علي خيون، لمياء الألوسي، محمد الأخرس)

(١٠) الأدب الشرقي القديم

مثل قصص الف ليلة وليلة، والزير سالم، وعنترة بن شداد، والألياذة والأوديسة وملحمة جلجميش (عبد الخالق الركابي، محمد الأخرس، محمد الكاظم، محمد خضير سلطان).

(١١) أدباء عراقيون

لا يمكن عد النتاج السردي في العراق  للرواد (فؤاد التكرلي، محمود جنداري، جليل القيسي، غائب طعمة فرمان، عبد الملك نوري، عبد الحق فاضل، ذنون ايوب) من ضمن مصادر التأثير بسردية من أدلوا بشهادتهم، فسردية الرواد متأثرة هي الأخرى بأدب مصر وامريكا اللاتينية، والأدب الروسي.

(١٢) لم يفصحوا عن مؤثرات معينة،

(ابراهيم سبتي، اسماعيل سكران، حسن عبد الرزاق، حسن كريم عاتي، زيد الشهيد، صلاح زنكنه، عبد الستار البيضاني، مروان ياسين الدليمي، يوسف هداي ميس).

ثانياً: في ضوء ما تقدم، ومن خلال شهادات أربعة وعشرين روائياً وقاصاً عراقياً (الروائية الوحيدة من بين هؤلاء هي لمياء الالوسي!!) يمكننا هنا تثبيت خلاصة ما توصلنا إليه من خلال دراسة وتحليل مضمون هذه الشهادات:

(١) عدد كبير من الشهادات هي سير شخصية عن النشأة الأولى (الأسرة والمدرسة والأقران في مراحل عمرية مبكرة) أعقبها ميول أدبية عشوائية مرحلية تتناغم مع المتداول أو المرغوب مجتمعيا.

(٢) جيل حقبة الستينات والسبعينات: اشتغلوا سرديا بما يتناغم أو يعبر عن انتماءات أو متبنيات ايدلوجية سياسية لا تتخطى الفكر اليساري، بوصف عام، وسرديات أدباء، الحقبة السوفيتية،

(٣) أدباء الثمانينات:

وبسبب طبيعة المرحلة السياسية وما شهدته من حرب طويلة وأدب تعبوي على وفق سياسات النظام السابق، لم يكن لديهم نتاج أدبي ملحوظ وفضلوا إما الغياب عن الساحة الأدبية أو الهجرة إلى خارج البلد وانتاج ما ينسجم مع ميولهم السياسية، أو كتابة نصوص رمادية على نحو مشفّر أو ملغز .

(٤) كل ما أنتج من روايات وقصص في ضوء ما جاء في هذه الشهادات، وهم من اجيال مختلفة منذ الستينات وحتى يومنا هذا، لا يمكن عدّه سرداً يعبر عن هوية عراقية خالصة محضة، وإنما هو تمثل وصدى لسرديات عربية وفرنسية وأمريكية، فضلا عن سرديات وأساطير إنسانية كبرى، وأن محاولة انتاج سرد عراقي بنكهة وطعم وهوية عراقية لم تزل بعيدة المنال.

(٥) ربما نتوصل إلى نتيجة أخرى مغايرة لما جاء في (٤) أعلاه، وأشك في ذلك، لو أن الشهادات هذه توسعت لتشمل عشرات من الروائيين العراقيين ممن لم يستكتبوا، يتعذر ذلك للأموات منهم، ولأسباب مختلفة للأحياء منهم، لهذا المؤتمر السردي، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر (انعام كچچي، ميسلون هادي، عالية طالب، ابتسام عبد الله، ساره الصراف، عالية ممدوح، لطفية الدليمي، هدية حسين، عبد الستار ناصر، نزار عبد الستار ، خضير فليح الزيدي، عبد الامير المجر ، راسم قاسم، حميدالربيعي، محمد جبر علوان، جابر خليفة جابر، جمعة اللامي، حامد فاضل، سنان انطوان، شوقي كريم، صلاح صلاح، علاء مشذوب، لؤي حمزة عباس، حميد المختار ، ناصر قوطي، نصيف فلك، محمد والي، عبد الكريم الساعدي، د. سلمان كيّوش….الخ).

(٦) من متابعتنا الحثيثة للنتاج السردي للأدباء الشباب من الجيل الحالي، نأمل أن تتمأسس هوية سردية عراقية مميزة تصل ما انقطع مع حضارة بلاد وادي الرافدين وتشارك المنجز الإنساني العالمي في انتاج أدب انساني غير منحاز لملة او طائفة أو ايديولوجية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *