الرواية والفضاء الإجتماعي وسلطة الرقيب

الرواية والفضاء الإجتماعي وسلطة الرقيب
لعلي لا أجانب الصواب حين أقول أن هناك علاقة ، ما بين التقادم في الزمن ، واقتراب النص الروائي من الفضاء الإجتماعي ، فكلما تقادم الزمن ، زاد الإقتراب من الفضاء الأجتماعي...

لعلي لا أجانب الصواب حين أقول أن هناك علاقة ، ما بين التقادم في الزمن ، واقتراب النص الروائي من الفضاء الإجتماعي ، فكلما تقادم الزمن ، زاد الإقتراب من الفضاء الأجتماعي ، وآية ذلك كما أرى ؛ هو تضاؤل هيمنة الإسطورة ، والخرافة والتابوات ،  على الوعي الإجتماعي والإنساني ، فضلاً على تراكم الخبرة الإنسانية ،  مادياً وثقافياً ، وما رافق ذلك من نهضة فكرية على مختلف الصعد ، وضعف تأثير السلطتين الدينية والسياسية ورمزياتهما ، وما يرتبط بكل ذلك من محددات ضاغطة ، وخطوط حمراء ، لصالح الوعي الإنساني الطامح للحرية والانعتاق الفكري ،وهذا ما أدركته المؤسستين الدينية والسياسية بوقت مبكر ، وسخرتا ما أمكنهنا من وسائل ترهيب وترغيب ، للنخب الثقافية والأدبية ، لكبح جماحها  وترويضها ، وتحديد مسارات لها تبعدها عن الفضاء الإجتماعي الحقيقي ، لتبقى أسيرة الاشتغالات السردية البحتة ، ضعيفة الفعالية والتأثير في البنية الإجتماعية، ومنظومتها القيمية الناهضة،  مستغلة أيضاً ، انحسار تأثير الفلسفة التقليدية في المجتمع ، وقلة تقبل الجمهور للاطروحات الفكرية الحديثة المعاصرة من جهة، وتخوفه من العلمانية واللبرالية

من جهة أخرى .

ومن هنا أيضاً نلمس انكفاء النص الأدبي، بمختلف أجناسه ، وحذره من تحويل الفضاء الإجتماعي الحقيقي إلى بؤرة سردية ، وتخادمهما معا ليشكلا أرضية صالحة ومجالا حيوياً تتحرك فيه الشخصيات في النص السردي ، لصالح إنتاج مفاهيم جديدة ترتقي بكل المنظومة القيمية الأنسانية،  بعيداً عن التحزب والأيدلوجيات المتحجرة ،ولا بد هنا من الإشارة ، إلى هيمنة الفاعل الأيدلوجي المؤثر على عقل المؤلف المؤدلج ، على شخصيات روايته التي ينتزعها عنوة من فضائها الإجتماعي الطامح للأمل بحياة حرة ، ويسخرها لخدمة فضائه الإيديولوجي ، وانحيازه له بوعي منه أو بدونه .

ولكي نعدل بين ما يطرحه المنظر لمفهوم الرواية، ومهامها المطلوبة ، وتوصيفها كأداة وعامل تحديث وتجديد ، لبنية وفضاء المجتمع ، وبين  أطروحة المنظر لسياسة السلطتين  الدينية والسياسية الذي يرى ؛ أنهما يجب أن يسيطرا ويوجها حركة المجتمع ، على وفق متبنياتهما السياسية أو العقائدية ، في مجمل نشاطها ومنه النشاط الأدبي بمختلف اجناسه ، لا بد من النظر إلى مبررات كل طرف منهما ، وبالتالي فهم المعادلة كما يجب وعدم الانحياز الانفعالي أو العاطفي إلى طرف ما محدد سلفاً .

بضوء ما تقدم ، وللمقارنة بين الرواية المصرية واشتغالاتها ، لصالح الفضاء الإجتماعي الحقيقي للبيئة المصرية،  وتحديثه ( نجيب محفوظ ) ، وبين الرواية العراقية وتخوفها من الأقتراب الفاعل والمؤثر من الفضاء الإجتماعي الحقيقي وتحديثه ( غائب طعمة فرمان)

يمكننا القول بأن :

* رقيب السلطة المصرية ، بعد ثورة ١٩٥٢

وحتى الآن ، لم يقمع الأدب كما كان متوقعاً ، وحافظ على قدر معقول من استقلالية الحركة الأدبية، وعدم خضوعها لإرادة السلطة .

* رقيب السلطة العراقية ، بعد ثورة ١٩٥٨   وحتى وقت قريب ، مارس نوعاً من الرقابة الصارمة والقمع احيانا ، واخضع الحركة الأدبية لمقتضيات السلطة ورغباتها .

* ما تقدم له اكثر من تفسير، ومن زوايا مختلفة :

اولا : طبيعة المجتمع المصري تختلف تماماً عما هو الحال في العراق ، في ذات الحقبة الزمنية ، فمصر متقدمة على العراق كثيراً في النواحي الأدبية والسياسية والإجتماعية بوصف عام .

ثانيا : الثورة في مصر ، عام ١٩٥٢،  رؤية ومنهجا،  تختلف تماماً عن ثورة العراق ١٩٥٨ ، على الرغم من تزامنهما ، فلا يمكن ان نساوي بين الزعيم عبد الكريم قاسم  ومن جاء من بعده ،  وجمال عبد الناصر ، ومن جاء من بعده أيضاً .

ناصر زعيم قومي، وأب روحي لكل العرب، كما سوق لنفسه ولثورته ولمصره( أم الدنيا ) ، وتقنع بقناع  تكتيكي ،وبحسابات مرحلية، سعياً منه لطمأنة النخب الثقافية، بأن لا رقيب على حرية التعبير والرأي ، وسار على نهجه من جاء من بعده .

 أما قاسم ، ومن جاء من بعده ، فالأمر مختلف تماماً في كل شيء.

ثالثاً : روايات نجيب ( اللص والكلاب ، السمان والخريف ) ، على سبيل المثال لا الحصر ، وخصوصاً بعد تحويلهما لفلم سينمائي ،  غاصت في الفضاء الإجتماعي الحقيقي،  وقدمت اطروحة، مؤكد لا تعجب السلطة ، على الرغم من انها لم تنتقد النظام السياسي ، أو السلطة كما يجب ، وانما حاكمت سلوك بعض رجال السلطة، من الصف الثاني أو الثالث ، تعاطفت معهم وسوقتهم بطريقة تعاطف معها حتى المتلقي ، بمعنى إن الضدين إن جاز لنا الوصف،  في رواية  اللص والكلاب ، متساويين في مبرراتهما، والمتلقي قد لاينحاز لأي منهما، والحال نفسه في رواية السمان والخريف .

اما روايات غائب طعمة فرمان ، ( النخلة والجيران ) ، على سبيل المثال، فلم تقدم الفضاء الإجتماعي الحقيقي كما يجب، ولم تقدم اطروحة حقيقية على وفق مقتضيات الاشتغال السردي الروائي  ومبررات هذا الاشتغال المشار إليها آنفاً.

وهنا يمكننا القول إن الصراع بين طرفي المعادلة ،المؤلف ونصه الروائي / الرقيب ومقصه ، سيبقى لمدة غير محددة بزمن ما ، يتصالحان ، يتخاصمان ، يتهادنان ، حسب مقتضيات الحال .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *