المشهد السياسي العراقي المعاصر ، بصوره المتنوعة المتناقضة، وبكل أشكال صراعاته القومية والمذهبية والطائفية والأيديوجية، كان حاضراً في ذهني بقوة طوال الرحلة من العاصمة إلى محافظة النجف الأشرف وتحديداً إلى مقبرتها الكبرى وادي السلام ، لم أنصت إلا ماندر لحوارات السائق المملة مع الركاب المملون هم أيضاً ، وجميعهم من مكون واحد ، كنت اتشاغل عن سماعهم بالتظاهر بالنوم ، فينشغل عقلي بما يجري اليوم في العراق من أمور عصية أحياناً على التحليل والتفسير السياسي لشدة تناقضها وغرائبيتها .
حين اقتربت السيارة من مدخل النجف الرئيس أقترح أحد الركاب زيارة الإمام علي الواجبة قبل الذهاب إلى المقبرة ، أيده راكب آخر بشدة بدلالة نصوص دينية ملزمة للزيارة ، أما الثالث فصاح بأعلى صوته ؛ صلوا على محمد وآل ……الثالثة على حب…… بأعلى أعلى اصواتكم ….
استجاب الجميع بأعلى أصواتهم ،
كرر الراكب طلبه زيارة الإمام قبل الذهاب للمقبرة ، فانبرى أحدهم معارضاً ، قائلاً ؛
ننجز مهمتنا في المقبرة أولا ، ثم نقوم بالزيارة .
حين غادرنا البوابة الأخيرة واقتربنا كثيراً من المدينة ، حسم السائق الجدل بصوته المرتفع قائلاً ؛
لو زرنا الأمام الأن فلن نتمكن من إنجاز مهمتنا في المقبرة ، ستشرق الشمس والعمل بحاجة إلى طقس بارد وهو متوفر الآن ، متجهاً نحو المقبرة دون أن يلتفت لما يقوله الحاج عبد علي أو نسيبه عبد الأمير .
راكب آخر أكثر تشددا من الآخرين طلب من السائق التوقف حالا لأمر مهم ، توقفت السيارة وحين نزوله قال ؛
لن أذهب للمقبرة ، سانتظركم عند صحن الإمام .
قلت في سري ؛ لقد اختلفوا وهم من مكون واحد ،ترى كيف سيكون الأمر لو كان هنا من بين الركاب من هم من مكون آخر !؟
فقفز المشهد السياسي مجدداً الى ذهني بقوة.
حين ولجنا المقبرة ، وفي لحظة لا يمكن وصفها ، هي هواجس ، مزيج من ( خوف ، دهشة ،ذهول،حزن،امل ، تصوف ، نقاء ، تفكر، مراجعة ، إنكار، نكوص ….) بدا لي أن المشهد السياسي سيغادر تفكيري تماماً ، وتتسع تلك اللحظة بقوة لتجمع كل تلك الهواجس وتضعها في غربال ، فتتناثر على أديم الوادي الرملي وتبقى واحدة منها فقط ، ربما الخوف أو الحزن أو لعلها التفكر في حال الدنيا ، لكن كل ذلك لم يحصل ، المشهد السياسي المتناقض المرتبك المحير استحال هذه المرة إلى سؤالات كبيرة ؛
هل رأيت شواهد القبور ؟
قلت : نعم .
قال : ماذا شاهدت ؟
قلت : الشهيد الشاب المغدور …..، الشهيدة الطفلة… ، شهيد عشيرة….. ، الشهيدالقائد المجاهد…… ، الشهيدخادم الحسين ….. ، الشهيد نائب ضابط …. ، الشهيد السعيد …..، الشهيد المقاوم ….. ، الشهيدالمقدم الطيار المغدور ….، الشهيد الدكتور الجراح العقيد….، الشهيد خادم المذهب…، قبر لشاب مجهول الهوية ….،
وماذا بعد؟
قلت :
جدار غرفة هدم سقفها وتهدم حيطانها وتبعثر فيها قبر جاورته شاهدة رخامية خط عليها المرحوم …… ١٩٦٠ الناصرية إلى جواره قبر زوجته المرحومة ..١٩٧٥ الناصرية ،يتوسطهما قبر ولدهما المرحوم الشاب…. ١٩٩٠ الناصرية ، ثمة قبر جديد للمرحوم …. ٢٠٢٤ بغداد ، حشر إلى جانب الحائط المتهالك داخل الغرفة .
وما الغريب في ذلك !
قلت :القبر الجديد متجاوز على أرض الأسرة الناصرية .
خط على ماتبقى من الحائط بصبغ أسود رديء ؛ما مبري الذمة إلي يدفن هنا بكاعنا .
صوت السائق ينبهني إلى الاستعداد لمغادرة المقبرة .
صعد راكب إلى جوف السيارة مرددا عبارة ؛ يا علي ، الراكب الثاني ؛ يا الله ، الثالث ؛ راح الحيل اشلون بيه ! الرابع ….!
كنت آخر من صعد السيارة ، لمحت عن قرب قبر لأحد معارفي القدامى ، شيوعياً عتيداً اعدمته السلطة ، وإلى جواره قبر لمفوض أمن يقال إنه كان السبب في اعدام الكثير من الشيوعيين، مفارقة غريبه لا أدري كيف اصفها .
حين تحركت السيارة ببطء شديد بسبب ضيق الطريق ، كنا بمواجهة قبر مرتفع غطت إحدى جوانبه صورة كبيرة ملونة لرجل دين لم أسمع به مطلقاً ، لكن أحد الركاب عرفه لنا طالباً قراءة سورة الفاتحة ترحما عليه ففعل الجميع ذلك ، خلا السائق الذي امتعض قائلاً:
ولكن يشاع إنه كان وكيلاً للأمن!!
لكن الراكب الذي عرفنا على رجل الدين وكان كبيراً بالسن ، صرخ بوجه السائق قائلا: اسكت (طايح الحظ ) هذا أشرف منك ومن عشيرتك ، فسكت السائق على مضض ، لكنه قال ضاحكاً : حضر عمامك حجي ، علق آخر يابه عطوة للزيارة القادمة ، فضحك الجميع .
تحركت السيارة مسرعة نحو بوابة الخروج الرئيسة ، فجأة علا صوت نحيب أحد الركاب،حين اقتربت السيارة من قبر خط على شاهدته الشهيد ن.ض جواد كاظم ، قاطع ديزفول ،ثم صرخ قائلا: بوية جواد ما تهنيت بعرسك ، ولا شفت إبنك حيدر، عمت عيني عليك بويه.
هون الجالس جواره عليه الأمر قائلاً: الله يرحمه، شهيد حي يرزق بأذن الله ، اعترض الحاج عبد علي على توصيف شهيد قائلا : هم ضحايا النظام ، رد آخر قائلا: والله هذا الموضوع لازم يحسمه البرلمان !! يستحقون راتب تقاعد لا !!
اقتربنا من مرقد الإمام ، وبعد بضعة أمتار توقفت السيارة فجأة ، نزل السائق للبحث عن سبب العطل ، صاح بقوة :
خرب بص…. انكطع القايش !
لم يعد أمامي بعد ان هدني التعب سوى الاستئذان من الجميع بحجة إحتمال تأخري عن موعد مهم مع صديق لي في كربلاء المقدسة ، قال معظمهم : عليك أولاً زيارة الإمام الحسين وأخيه العباس عليهما السلام قبل زيارة صديقك ، فأجبت: طبعاً هذا أكيد .
نصحني أحدهم بضرورة شراء دهين المصطفى ففيه بركة .
قلت : تمام
استأجرت سيارة تكسي طالباً من السائق
التوجه إلى بغداد مباشرة .
المشهد السياسي المرتبك قفز مجددا إلى ذهني ، عندها قررت أن اريح عقلي من السياسة ودهاليزها .


