عندما يحاول المتتبع لأي شخصية تثار حولها الشبهات، لا بد أن يعود إلى بداية ظهور هذه الشخصية وكيف وصلت إلى ما هي عليه من وجود بارز على الساحة السياسية العراقية. إذا أردنا حصر هذه الشخصية في زمان ومكان معينين، نجد أن من كان مجرد شخص عادي يُقال إنه كان معارضًا للنظام، ولا توجد أي وثيقة تثبت ذلك سوى القول إنه كان يكتب في صحيفة “مونيتور” الأمريكية الإلكترونية، وكان رئيسًا لتحرير جريدة “الأسبوعي” التي يملكها برهم صالح.
بداية علامة الاستفهام: لماذا سلّم كنعان مكية ومصطفى الكاظمي الأرشيف العراقي للأمريكان، وتم نقله بعد ذلك إلى أمريكا وإلى معهد هوفر، وهو مركز في جامعة ستانفورد؟
لم يكن للكاظمي أي حضور أو انتماء حزبي، وبحركة سريعة ودون مقدمات، نجد أنه أصبح رئيسًا لأخطر جهاز حساس للغاية، وهو جهاز المخابرات العراقي. رحلة سريعة ودون أي تدرج وظيفي، ولكن علاقته مع حزب البارزاني، وتحديدًا من خلال “الأسايش”، جهاز الأمن الداخلي الكردي، تحوم حولها شبهات علاقة مع الموساد. ولأنه لم يكن محسوبًا على أي حزب من الأحزاب التي جاءت بعد الاحتلال، بل لقربه منهم ولأن رئاسة الجهاز كانت من حصتهم، تم تعيينه رئيسًا لهذا الجهاز بتوصية من العبادي، الذي كانت لديه تحفظات على ذكر من أوصى به.
أصبح الكاظمي رئيسًا لجهاز المخابرات منذ عام 2016 أصالة، واستمر بعد ذلك وكالة إلى جانب رئاسته للوزراء حتى عام 2022. قام بتعيين رائد جوحي لبضعة أشهر حتى استلام السوداني رئاسة الوزراء. من المعروف أن جهاز مخابرات أي دولة في العالم يحتاج إلى خبرة ومهنية وتجارب في قيادة هكذا جهاز، وهو ما كان يفتقر إليه. لذا كان من الطبيعي أن يعتمد على غيره من أهل الخبرة. لكن من هم هؤلاء؟ لم يكن ليستمر في رئاسته لو لم يمتلك قنوات تواصل عالمية أهلته وأعدته كي يسيطر على كل شيء ويستخدم كل إمكانيات الجهاز من تجسس على السياسيين أو الابتزاز. فبذلك أصبح يمتلك رصيدًا كافيًا من المعلومات عن تحركات كل شخصية سياسية، وأصبح سلاحه الفعال هو الابتزاز لأي شخصية تحاول أن تمسه بسوء أو تعترض عليه أو تحاول إقصاءه. فصار الجميع تحت رحمته، خاصة الشخصيات ذات التأثير القوي في القرار السياسي العراقي.
وما عودته إلا نتيجة حتمية لوجود حالات ابتزاز ومساومة قد استخدمها، وبضغط خارجي أيضًا بعدم فتح أي ملفات تم طرحها بعد رحيله وكان متهمًا بها. وهذا الرأي مدعوم منطقيًا إن لم يكن بوثائق معينة. وإلا ما معنى أن توجه له تهم كثيرة، خصوصًا بعد مغادرته المنطقة الخضراء والسفر خارج العراق؟ ثم بعد عودته المفاجئة، تغيرت جميع المواقف من الساسة، بل هناك من ادعى أنه سأل القضاء ولم يثبت عليه شيء.
كانت له ابتسامة عريضة عندما وجه له ليث الحزائري سؤالًا في لقائه التلفزيوني الأول في برنامج تبثه قناة “آي نيوز” عن أجهزة التنصت التي تم العثور عليها في مكتب السوداني، رئيس الوزراء الحالي. أجاب (لا تعليق)، وهذا دليل كافٍ على ما قلناه سابقًا. مع أن قضية التنصت كان المتهم فيها هو محمد جوحي، ابن أخ رائد جوحي الذي استلم رئاسة المخابرات لفترة قصيرة قبل استلام السوداني الرئاسة. والغريب أنه لم يتم ربط هذه العلاقة بين الكاظمي ورائد جوحي ومحمد جوحي في كل التحقيقات. وكانت النتيجة هي الحكم على محمد جوحي بأربع سنوات، وانتهت القضية. وللأمانة التاريخية، كيف تم اتهام السوداني بزرع أجهزة التنصت في مكتبه شخصيًا من قبله؟ الأمر سلبي بانتفاء الموضوع.
عاد الكاظمي ليبدأ من حيث انتهى، وبقراءة سريعة لما جرى أثناء رئاسته للمخابرات، لم يجد المتتبع الواعي تفسيرًا مقنعًا ومنطقيًا يقول إن رئيس جهاز مخابرات ليس لديه علم أو تفسير لما حصل من استشهاد قادة النصر في طريق المطار. وكل الذي فعله هو اتصاله برئيس الوزراء عادل عبد المهدي وإبلاغه بالحادث! وحتى يومنا هذا، تم التعتيم على هذه القضية، ولا توجد أي نتائج أو تفاصيل دقيقة عن كيفية حصول الجريمة سوى أنها ضربة صاروخية أمريكية استهدفت الشهيدين المهندس وسليماني بعد خروجهما من مطار بغداد، والمتهم فيها ترامب (في ولايته السابقة).
لقد اعتاد العراقيون على النسيان وعدم مراجعة المواقف وإعادة الحسابات، أو حتى الثأر لدماء الشهداء. ولم يطلب أي سياسي أو مسؤول الكشف عن المتورطين في هذه الجريمة إلى يومنا هذا. فهل سنُلدغ مرة أخرى ممن حامت حوله الشبهات في هذه القضية وقضايا أخرى؟


