خارطة الطريق وحدود التفاؤل
تم التوافق المبدئي بين الوسطاء والفصائل الفلسطينية، بما فيها حركة حماس، على خارطة الطريق المكونة من 13 نقطة.
وقد صاغها رئيس اللجنة التنفيذية لما يسمى «مجلس السلام»، نيكولاي ملادينوف.
لكن، من خلال المواقف المعلنة من قبل القوى المعنية بتنفيذها، يتضح أن هناك رؤى متناقضة في العديد من النقاط.
ويبرز ذلك، خاصة، في العلاقة التبادلية بين سحب وتخزين السلاح من الفصائل الفلسطينية والانسحاب الإسرائيلي.
كما يظهر الخلاف في دور اللجنة الإدارية الفلسطينية، وتحميلها مسؤولية الإشراف على تخزين السلاح.
ويضاف إلى ذلك ملف موظفي حركة حماس، الذين تضخم عددهم من 25 ألفاً إلى نحو 50 ألفاً، أي إلى الضعف.
وتبرز أيضاً مسألة التزام إسرائيل بعدم تنفيذ عمليات الاغتيال ووقف التدمير، وحل ميليشياتها في القطاع.
كما تشمل الخلافات إدخال المساعدات الإنسانية كافة، وفتح المعابر جميعها، وتهيئة الأرضية لإعادة الإعمار، وغير ذلك من الملفات.
الموقف الأمريكي من خارطة الطريق
رحب الرئيس دونالد ترامب ووزير خارجيته ماركو روبيو بـ«الإنجاز التاريخي» المتمثل، بحسب قراءتهما، في موافقة حماس على تسليم سلاحها.
وقد حصرا هذا الإنجاز في سحب سلاح الفصائل الفلسطينية.
أما اللجنة التنفيذية لـ«مجلس السلام»، فقد أكدت في النقطة الثانية من خارطة الطريق أن «الأطراف تهدف لضمان الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة واستعادة الحياة الطبيعية».
وأضافت في النقطة الخامسة أن «إسرائيل تلتزم باستكمال التزاماتها كاملة بموجب بروتوكول شرم الشيخ دون تأخير».
وفي النقطة السادسة، طالبت بالتزام «حماس والفصائل الفلسطينية بإنهاء جميع العمليات العسكرية وفقاً لبروتوكول الشرم»، وكأن هناك عمليات عسكرية.
أما في النقطة السابعة، فقد ورد أن الجدول الزمني وآليات تنفيذ خارطة الطريق يتم إعدادهما خلال 14 يوماً من موافقة الأطراف عليها.
وفي النقطة التاسعة، أدرجت خارطة الطريق وجود لجنة التحقق الدولية لمراقبة أي انتهاك من قبل أي طرف عبر آلية مراقبة معززة.
غير أن هذا البند الأخير لم يرد لا في خطة الرئيس ترامب ولا في قرار مجلس الأمن الدولي 2803.
كما لا تُعرف هوية اللجنة الدولية، ولا من سيشكلها، ولا الجهة التي ستشرف عليها.
كذلك، فإن تحميل اللجنة الإدارية لإدارة قطاع غزة أكثر من طاقتها في مسألة الإشراف على تخزين سلاح حماس والفصائل يضع علامات سؤال كبيرة على إمكانية تحقيق ذلك.
كما أن رفض حركة حماس وإسرائيل، كل من موقعه، تولي الأجهزة الأمنية الفلسطينية المسؤولية عن ذلك، يطرح أيضاً عشرات علامات الأسئلة حول نوايا الطرفين.
حماس وإسرائيل بين الانسحاب وتسليم السلاح
في المقابل، قال غازي حمد، عضو وفد حركة حماس المفاوض، في مقابلة مع قناة الغد الفلسطينية أول أمس الجمعة 31 تموز/يوليو الماضي، إن موافقة حماس على تخزين وتسليم السلاح الثقيل والخفيف تأتي بعد الانسحاب الإسرائيلي، وفقاً لـخارطة الطريق وبنود خطة الرئيس الأمريكي.
أما حكومة بنيامين نتنياهو، فأكدت أنها لن تنسحب من قطاع غزة إلا بعد تسليم حماس والفصائل سلاحها.
ومع ذلك، قال مسؤول أمريكي معني بملف القطاع إن إسرائيل وافقت على خارطة الطريق.
وتأكيداً لذلك، أرسلت إسرائيل وفداً إلى القاهرة يوم الخميس الماضي، 30 يوليو الماضي، على طائرة نقل لمتابعة المفاوضات مع الوسطاء، أي مصر وتركيا وقطر.
لكن المؤكد أن إسرائيل، في هذه اللحظة المتزامنة مع حملة الانتخابات البرلمانية في 27 تشرين الأول/أكتوبر القادم، لا يمكن أن تنسحب من القطاع.
كما لا يمكنها تقديم تنازلات في أي تفصيلية تتعلق بالملف الفلسطيني برمته، وليس ملف غزة فقط.
غموض المشهد واستعصاء الاختراق
كل ذلك يشي بأن الوضع ما زال ملتبساً وغامضاً. ولذلك، لا يمكن الرهان أو التفاؤل بإمكانية إحداث اختراق حقيقي وجدي في جدار الاستعصاء الإسرائيلي والحمساوي على حد سواء.
وهكذا عادت الأمور تراوح في ذات المكان. فضلاً عن ذلك، بقيت حركة حماس تراوح في مربع الممانعة وعدم الالتزام منذ تم التوقيع قبل عشرة أشهر، أي بعد التوقيع على خطة ترامب الـ20 في 13 أكتوبر 2025.
وقد سقط خلال هذه الفترة نحو 1100 شهيد ونحو 4000 جريح، بالتلازم مع استمرار إسرائيل في عمليات التدمير والقصف طيلة الشهور الماضية.
كما راهنت حماس خلال الشهور الماضية على إمكانية تغيير المعادلة الجيوسياسية، نتيجة العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران في 28 شباط/فبراير 2026.
ولهذا ماطلت وسوّفت حتى إعلانها، أول أمس الجمعة، الموافقة على خارطة الطريق.
وجاء ذلك بعد أن فقدت الرهان على إحداث أي تحول جدي في المعادلة السياسية في الإقليم، وبعد أن أمنت تأمين موظفيها وأنصارها.
الانتخابات الإسرائيلية وحسابات نتنياهو
اللوحة ما زالت مشوشة حتى الآن، ولا يمكن لأي مراقب التكهن بما ستؤول إليه الأمور.
فإسرائيل، أولاً وعاشراً وألفاً، ليست بوارد الموافقة، رغم ما ذكره المسؤول الأمريكي بشأن موافقتها وإرسال وفدها إلى القاهرة.
فهذا الأمر يفقدها ورقة مهمة في الانتخابات القادمة.
ومع أن الحكومة الإسرائيلية لم تعد تملك أي تأثير على قرار رئيس الوزراء الإسرائيلي،
فإن حسابات زعيم الليكود الشخصية والحزبية والائتلافية تمنعه من الإقدام على هكذا خطوة.
فهو سيفقد قاعدته الانتخابية، مع أنه، وقبل طرح خارطة الطريق للتنفيذ في القطاع،
باتت حظوظه الانتخابية تعاني من تراجع واضح لصالح المعارضة، وخاصة لصالح حزب «يشار» بزعامة غادي آيزنكوت.
والنتيجة أن على جميع المراقبين التريث والانتظار، لحين جلاء الأمور، وانبلاج المشهد، والفصل بين الخيطين الأبيض والأسود.


