الهزيمة الكارثية لأمريكا في حرب الأيام الثلاثة عشر… وآفاق المواجهة الأكبر

حرب الأيام الثلاثة عشر والهزيمة الأمريكية أمام إيران
قراءة في نتائج حرب الأيام الثلاثة عشر، وإخفاق واشنطن، وتطور الردع الإيراني، وآفاق المواجهة الأكبر في الخليج والمنطقة...

حرب الأيام الثلاثة عشر ونقطة التحول الإقليمي

يصعب فهم المشهد الإقليمي الراهن من دون العودة إلى نقطة تعتبرها طهران أساساً لكل ما يجري اليوم. وتتمثل هذه النقطة في أن الولايات المتحدة خرجت من حرب الأيام الثلاثة عشر وهي في موقع الخاسر، وأن ما جرى لم يكن نهاية المواجهة، بل محطة انتقالية تسبق مرحلة أكثر تعقيداً.

ووفق هذه القراءة، فإن ما يوصف بوقف إطلاق النار ليس اتفاقاً سياسياً أو عسكرياً. بل هو مجرد توقف مؤقت للعمليات الميدانية، فرضته الوقائع العسكرية التي واجهتها واشنطن وحلفاؤها، بعدما أخفقت في تحقيق الأهداف التي دخلت الحرب من أجلها.

تعتبر القراءة الإيرانية أن الولايات المتحدة وجدت نفسها أمام مأزق استراتيجي غير مسبوق. فلا هي استطاعت فرض وقائع جديدة على الأرض، ولا تمكنت من العودة إلى ما قبل الحرب. كما تستند هذه الرؤية إلى تصريحات صادرة عن مسؤولين وخبراء غربيين وإسرائيليين، تعكس حجم القلق من نتائج المواجهة ومن غياب رؤية واضحة للخروج منها.

الإجماع الداخلي الإيراني بعد حرب الأيام الثلاثة عشر

في الداخل الإيراني، تبدو الصورة مختلفة تماماً. فقد أفرزت الحرب، بحسب التقديرات الإيرانية، مستوى غير مسبوق من الإجماع الوطني حول إدارة المواجهة.

كما ظهر وجود قيادة مركزية موحدة لملفات الأمن القومي، الأمر الذي انعكس على سرعة اتخاذ القرار، وعلى التنسيق بين مختلف المؤسسات العسكرية والأمنية.

وترى طهران أن فترة التهدئة المؤقتة لم تكن فرصة لالتقاط الأنفاس فحسب. بل كانت مرحلة لإعادة التموضع وتعزيز الجهوزية العسكرية، في مقابل عجز أمريكي عن تقديم أي تطوير عملياتي أو تكتيكي يغيّر موازين القوى التي فرضتها المعركة.

ومن أبرز ما تعتبره إيران إنجازاً خلال المواجهة قدرتها على استهداف منظومات القيادة والسيطرة. كما تعد تعطيل قدرات الرصد والاستطلاع، والوصول إلى أهداف حساسة كانت تُعد بعيدة عن متناول أي قوة في المنطقة، من أبرز نتائج الحرب.

إضافة إلى ذلك، أظهرت إيران مستوى متقدماً من دقة الضربات وتنوع وسائل الهجوم. ولذلك ترى طهران أن هذه الحرب كشفت جانباً مهماً من قدراتها العملياتية الجديدة.

إخفاق واشنطن وأزمة الدفاع الجوي الأمريكي

في المقابل، تشير القراءة الإيرانية إلى أن واشنطن أخفقت في تحقيق أبرز أهدافها العسكرية والسياسية. فلم تتمكن من استهداف القيادات الإيرانية، ولم تستطع فرض سيطرة ميدانية في الخليج.

كما ظهر محدودية فاعلية منظومات الدفاع الجوي الأمريكية المنتشرة في المنطقة، سواء من طراز «ثاد» أو «باتريوت»، في مواجهة الهجمات التي شهدتها الحرب.

أما مضيق هرمز، فيمثل وفق هذه الرؤية عنواناً أساسياً للصراع المقبل. فإيران تعتبر أنها باتت تمتلك اليد العليا في التحكم بالمعادلة البحرية.

وترى طهران أيضاً أن الخيارات العسكرية الأمريكية لإعادة فتح المضيق أصبحت محدودة. ولذلك، تدفع هذه المعادلة واشنطن، بحسب التقديرات الإيرانية، إلى البحث عن حلول سياسية عبر قنوات التفاوض الإقليمية، ولا سيما مع سلطنة عُمان.

ارتدادات حرب الأيام الثلاثة عشر داخل أمريكا

في الداخل الأمريكي، انعكست نتائج الحرب على المشهد السياسي بصورة واضحة. فقد تصاعدت الانتقادات الموجهة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وتزايد الحديث عن تأثير الأداء العسكري على مستقبل الحزب الجمهوري في الانتخابات المقبلة.

كما ظهرت اتهامات طالت البنتاغون بإخفاء الحجم الحقيقي للخسائر البشرية التي تكبدتها القوات الأمريكية.

وتعتقد طهران أن الحرب كشفت أيضاً عن جيل جديد من قدراتها العسكرية، سواء في مجال الصواريخ الدقيقة أو الطائرات المسيّرة. فقد استخدمت إيران تقنيات وأنماط تشغيل مختلفة عما كان معروفاً سابقاً.

وفي الوقت نفسه، أثبتت البنية التحتية العسكرية الإيرانية قدرتها على استعادة الجاهزية بسرعة، حتى بعد تعرض بعض المواقع للاستهداف. واعتبرت طهران ذلك دليلاً على مرونة منظومة التصنيع والإنتاج العسكري.

البعد البحري ومعادلة الطاقة والملاحة

في البعد البحري، تؤكد القراءة الإيرانية أن المعركة لم تقتصر على البر. بل امتدت إلى خطوط الملاحة والطاقة، حيث ترى طهران أنها عززت حضورها العملياتي على امتداد السواحل المؤثرة في معادلة الخليج وبحر عُمان.

كما تعتقد إيران أنها أصبحت تمتلك قدرة أكبر على التأثير في حركة التجارة والطاقة العالمية، إذا ما توسعت المواجهة.

وتشير هذه القراءة أيضاً إلى أن دولاً عربية دخلت دائرة التأثر المباشر بنتائج الحرب. وقد حدث ذلك سواء نتيجة الاستهدافات العسكرية، أو بسبب التطورات المرتبطة بالبحر الأحمر وباب المندب.

وفي هذا السياق، برزت معادلات جديدة فرضتها العمليات اليمنية، لتضيف ضغوطاً إضافية على المشهد الأمني والإقليمي.

الخيارات العسكرية الأمريكية بعد حرب الأيام الثلاثة عشر

في ضوء ذلك، ترى طهران أن الولايات المتحدة وصلت إلى مرحلة باتت فيها الخيارات العسكرية أقل فاعلية. كما ترى أن أي محاولة جديدة لتحقيق الأهداف نفسها ستواجه بيئة أكثر تعقيداً.

فقد اكتسبت إيران خبرات إضافية، ووسعت من قدراتها الدفاعية والهجومية خلال فترة التهدئة. ولذلك، تعتبر القيادة الإيرانية أن المفاوضات الجارية لا تتعلق بإنهاء الصراع، بل بإدارة بعض الملفات المرتبطة بالملاحة البحرية.

ويبقى ميزان الردع، وفق هذه الرؤية، العامل الحاسم في المرحلة المقبلة. ومن هذا المنطلق، تؤكد طهران أن أي تفاهمات لن تكون على حساب المبادئ الاستراتيجية التي أعلنتها.

وفي مقدمة هذه المبادئ أمن الخليج، والسيادة على مياهها الإقليمية، وحماية مصالحها الوطنية.

النفط ومضيق هرمز وأوراق القوة الإيرانية

في الجانب الاقتصادي، لا ترى طهران أن تراجع أسعار النفط المحتمل يشكل مصدر قلق حقيقي. إذ تعتقد أن استمرار التوتر في مضيق هرمز وباب المندب، إلى جانب انخفاض المخزون النفطي الأمريكي، سيبقي أسواق الطاقة تحت ضغط دائم.

وبالتالي، ترى إيران أن هذه المعادلة تمنحها أوراق قوة إضافية في أي مفاوضات مقبلة.

ورغم التوقف الحالي للعمليات العسكرية، تؤكد القراءة الإيرانية أن الحرب لم تنته بعد. كما ترى أن المنطقة تتجه نحو مرحلة أكثر حساسية، قد تشهد انخراط أطراف جديدة.

ويأتي ذلك في ظل استمرار سعي الولايات المتحدة و«إسرائيل» إلى استعادة زمام المبادرة. وقد يتم ذلك عبر استهداف المنشآت النووية، أو محاولة اغتيال قيادات إيرانية، أو توسيع بنك الأهداف العسكرية.

كما قد ينتقل التصعيد إلى استهداف البنية التحتية المدنية، وفي مقدمتها منشآت تصدير النفط.

آفاق المواجهة الأكبر

في المقابل، تؤكد طهران أنها تنظر إلى المرحلة الحالية باعتبارها فترة تحضير للمواجهة المقبلة. كما ترى أن الهدف النهائي يتمثل في تثبيت معادلة ردع تجعل أي حرب مستقبلية أكثر كلفة على خصومها.

وتسعى إيران، وفق هذه القراءة، إلى تكريس ميزان قوى جديد في المنطقة. وهي ترى أن هذا الميزان بدأ يتشكل بالفعل، لكنه لم يصل بعد إلى محطته النهائية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *