التاريخ لا يرحم السذّج

التاريخ لا يرحم السذّج
يحذر النص من الاستخفاف بالمؤامرات السياسية ومشاريع نزع عناصر القوة، مؤكداً أن تجارب التاريخ تكشف خطورة الثقة بوعود القوى الغالبة، وأن حماية السيادة والكرامة تتطلب وعياً واستعداداً لا شعارات مطمئنة...

كثيراً ما نسمع بعض المحللين، وحتى بعض السياسيين، يستهزئون بفكرة وجود مؤامرة تُحاك ضد الشعوب أو القوى الرافضة للهيمنة، ويحاولون التقليل من خطورتها أو نفيها مطلقاً. وهؤلاء ـ برأيي ـ ينقسمون إلى عدة أصناف: فإما أنهم جزء من هذه المشاريع بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أو أنهم ما زالوا يعيشون حالة من السذاجة السياسية وضعف القراءة التاريخية، أو أنهم انتهازيون يغيّرون مواقفهم بما ينسجم مع مصالحهم ومكاسبهم.

اليوم أصبحت معالم المؤامرة أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. فهناك شخصيات كانت بالأمس متهمة بالإرهاب أو مطلوبة من قبل الولايات المتحدة، ثم فجأة تحولت إلى شخصيات مقبولة ومحمية وتتحرك بأمان، بعد أن غادرت نهج المقاومة وتكيّفت مع الشروط الدولية والإقليمية الجديدة. وهذا التحول ليس بريئاً كما يحاول البعض تصويره.

إن الاستهداف المتكرر للحشد الشعبي لا يمكن عزله عن مشروع أوسع يراد منه إضعاف أي قوة تمتلك قدرة فعلية على الدفاع عن العراق وسيادته. فالوقائع أثبتت أن من تصدى للإرهاب وقدم التضحيات الكبرى هم أبناء الحشد وسائر القوى المقاتلة، بينما اكتفت الحكومات المتعاقبة في كثير من الأحيان ببيانات الشجب والاستنكار أمام الانتهاكات المتكررة لسيادة العراق وأرضه وسمائه.

أما الحديث عن نزع السلاح، فهو أخطر ما يُطرح اليوم، لأنه يأتي في وقت لا توجد فيه ضمانات حقيقية لحماية البلد أو احترام سيادته. والمؤسف أن بعض من يروّجون لهذا الطرح هم أنفسهم من وصلوا إلى السلطة والمكاسب السياسية تحت عناوين المقاومة ثم غيّروا مواقفهم بعد أن استقر لهم النفوذ.

إن التاريخ مليء بالشواهد التي تؤكد أن الشعوب عندما جُردت من وسائل الدفاع عن نفسها وقعت المآسي الكبرى. ففي مذبحة سربرنيتسا عام 1995، تُرك المسلمون بلا حماية حقيقية بعد الثقة بالوعود الدولية، فكانت النتيجة مجزرة مروعة راح ضحيتها الآلاف. وفي فلسطين، انتهت الوعود بالأمان إلى تهجير ومجازر واحتلال. وكذلك حصل مع الأرمن، ومع قرطاجة قديماً، ومع غيرها من الشعوب التي وثقت بوعود القوة الغالبة ثم دفعت الثمن.

وحتى في تاريخنا الإسلامي، نجد كيف انتهت بعض الحركات والثورات إلى الكارثة بعد تجريد أنصارها من وسائل الدفاع تحت عناوين الخداع أو الأمان أو التسويات السياسية. ويمكن العودة إلى ما جرى في نهاية ثورة المختار، حين تم تفكيك قوة أنصاره وإضعافهم حتى وقعت المقتلة الكبرى.

إن القضية ليست عشقاً للسلاح بحد ذاته، بل خوف مشروع من أن يتحول نزع عناصر القوة إلى مقدمة لفرض الإذعان الكامل وإلغاء أي قدرة على حماية الأرض والكرامة والسيادة.

إن الشعوب التي لا تقرأ التاريخ جيداً مهددة بأن تعيش المأساة ذاتها مرة أخرى، وربما بصورة أشد قسوة. فالتاريخ لا يرحم السذّج، ولا يحمي الضعفاء الذين يسلّمون أوراق قوتهم ثم ينتظرون الرحمة من خصومهم.

لذلك فإن الوعي، وقراءة التجارب السابقة، وعدم الانخداع بالشعارات السياسية البراقة، كلها مسؤولية وطنية وأخلاقية، لأن الأوطان لا تُحمى بالأمنيات، بل بالبصيرة والاستعداد ومعرفة طبيعة الصراعات التي تدور حولها .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *