سلم الرواتب الجديد ومنهج الإصلاح المستدام
تصدّر منصات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام مؤخراً خبران متزامنان؛ أولهما التأخر في صرف رواتب الموظفين، وثانيهما التحركات الجادة والمضي نحو إقرار سلم الرواتب الجديد بدعم مباشر من رئيس الوزراء.
إذ ننظر، كمختصين، إلى هذه التحركات بروح إيجابية متفائلة. فنحن ندرك أن أي خطوة لتغيير واقع حال شريحة واسعة من المجتمع، هي خطوة جوهرية لتغيير الملامح الاقتصادية والاجتماعية لآلاف الأسر.
لكن، وما أدراك ما لكن، يبقى السؤال الحاضر في الشارع والنخبوي على حد سواء: ما الأسباب الحقيقية وراء تذبذب وتأخر الرواتب؟ وما الفلسفة التي يرتكز عليها سلم الرواتب الجديد؟
والأهم من ذلك، أين يتجه منهج التغيير المجتمعي والبناء المستدام؟
الرواتب ليست مجرد مبالغ شهرية
الرواتب ليست مجرد مبالغ مالية تُصرف نهاية كل شهر. بل تمثل أحد أهم أدوات الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، كما تمثل ركيزة لبناء إدارة حكومية كفوءة وعادلة.
لذلك، فإن نجاح أي مشروع إصلاحي لا يقاس بحجم الزيادة في الرواتب. بل يقاس بقدرته على تأسيس نظام مستدام يحقق العدالة، ويعزز الكفاءة والإنتاجية.
لا يخفى أن العراق يواجه ضغوطاً مالية ناجمة عن تذبذب الإيرادات النفطية وارتفاع الإنفاق العام، وغياب إدارة رشيدة ذكية بحوكمة فاعلة.
لكن المشكلة الأعمق تتمثل في غياب فلسفة موحدة لإدارة الخدمة العامة، وفي استمرار التفاوت الكبير بين رواتب ومخصصات موظفي الدولة، رغم خضوعهم جميعاً لمنظومة حكومية واحدة.
من قانون الخدمة التربوية إلى العدالة الوظيفية
منذ عام 2009، وخلال عملي على مشروع قانون الخدمة التربوية، كانت نقطة الانطلاق هي البحث عن العدالة الوظيفية. وقد جاء ذلك بعد ملاحظة الفوارق الكبيرة بين الوزارات في الرواتب والامتيازات.
وقد تطور المشروع من دراسة أكاديمية إلى رؤية إصلاحية، شاركت في مناقشتها مؤسسات تربوية وأكاديمية وأمنية. وكان الهدف الوصول إلى تصور شامل لمنظومة الخدمة العامة في العراق، بمشروع تشريع تحت قبة البرلمان.
خلال تلك التجربة، اتضح أن المشكلة ليست في قيمة الراتب وحدها. بل في تعدد سلالم الرواتب، واختلاف المخصصات، وغياب معايير موحدة تربط الحقوق بالواجبات، وتحقق الرضا والمساواة بين الموظفين.
العراق بحاجة إلى قانون موحد للخدمة العامة، حيث يكون سلم الرواتب الجديد أحد أهم أركانه. كما يجب أن يتكامل هذا القانون مع قانون التقاعد، لأن الموظف الحالي هو متقاعد المستقبل.
ولا يمكن تحقيق العدالة في أحد القانونين بمعزل عن الآخر.
أسس سلم الرواتب الجديد
كما ينبغي أن يستند أي سلم جديد إلى أسس واضحة، في مقدمتها سنوات الخدمة، والمؤهل العلمي، وطبيعة المسؤولية الوظيفية. ويجب أن يراعي أيضاً الأبعاد الاجتماعية والمهنية، أي المخصصات، وفق ضوابط قانونية عادلة.
أما الترفيعات والعلاوات، فيجب أن تكون من أركان السلم المرتبط بالكفاءة والأداء والإنجاز، لا بالتباين بين المؤسسات.
الإصلاح الحقيقي لا ينفصل عن إصلاح سوق العمل. فقد أدى غياب الرؤية خلال السنوات الماضية إلى تضخم الطلب على الوظيفة الحكومية، مقابل تراجع القطاع الخاص والمختلط، وتراجع الزراعة والصناعة.
كما اتسعت الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات الاقتصاد الوطني. وساهم ذلك في زيادة البطالة المقنعة، وفي عزوف كثير من الشباب عن العمل المنتج، بحثاً عن وظيفة حكومية أكثر استقراراً.
استقرار تسليم الرواتب وسوق العمل
من هنا، فإن استقرار تسليم الرواتب وسلم الرواتب الجديد ليسا قضية تخص الموظفين وحدهم. بل هما جزء من مشروع وطني لإعادة تنظيم سوق العمل، وتحقيق التوازن بين القطاع العام والمختلط والخاص.
والأهم من ذلك هو رفع الإنتاجية، وتعزيز ثقة المواطن بمؤسسات الدولة.
يبقى السؤال الذي ينبغي أن يسبق إقرار أي سلم جديد: هل المطلوب معالجة أزمة مالية مؤقتة، أم بناء منظومة إدارية عادلة تمتد آثارها لعقود؟
التجارب الناجحة في الإدارة العامة تؤكد أن العدالة الوظيفية تبدأ من وضوح التشريع، ووحدة المعايير، وربط الحوافز بالإنتاج. ولا تبدأ من كثرة الاستثناءات، أو تعدد الامتيازات والمخصصات.
العراق اليوم أحوج ما يكون إلى هذه الرؤية، لأنها تمثل أساس الإصلاح الإداري، وتنعكس مباشرة على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
فلسفة الخدمة العامة وبناء الدولة
إن بناء الدولة لا يتحقق بقرارات مالية متفرقة. بل يتحقق بفلسفة واضحة لإدارة الخدمة العامة، تجعل من الوظيفة وسيلة لخدمة الوطن والمواطن، وتعد العدالة الوظيفية أساساً لبناء مجتمع أكثر استقراراً وإنصافاً.
لعل اللحظة الراهنة تمثل فرصة حقيقية لإطلاق حوار وطني حول فلسفة سلم الرواتب الجديد. وينبغي ألا يقتصر هذا الحوار على معالجة الواقع الحالي، بل يجب أن يؤسس لمنظومة خدمة عامة قادرة على تلبية احتياجات الدولة والمجتمع خلال العقود المقبلة.
فالإصلاح الحقيقي يبدأ من الفكر، ثم يتحول إلى تشريع، ثم إلى ممارسة تحقق العدالة والكفاءة معاً.
الخلاصة
لو تمعن صناع القرار والجهات التي طرحت سلم الرواتب الجديد في كل هذه الأبعاد، لأمكن صياغة منهج بناء مستدام.
فالانطلاق في هذا الملف يجب أن يرتكز على منهجية ونظرية واضحة، تعكس إدراكاً حقيقياً للأخطاء المتراكمة في البناء الإداري منذ التغيير وحتى اليوم.
لأن غياب الفلسفة والرؤية الواضحة لسلم الرواتب سيفقدنا بوصلة البناء والتغيير. كما سينعكس سلباً على هيكل القوى العاملة، العام والمختلط والخاص، ولن يثمر إلا عن استمرار غياب الأمان الوظيفي والمجتمعي، بفقدان الرضا والطموح.
وهو تماماً ما نعيشه في الوقت الراهن.


