الاقتصاد الرمادي داخل المؤسسات العراقية
يعاني الاقتصاد العراقي منذ عقود اختلالات هيكلية متراكمة، ترتبط بدرجة كبيرة بطبيعة النموذج الاقتصادي القائم على الريع النفطي. كما ترتبط بضعف قدرة القطاعات الإنتاجية غير النفطية على توليد الإيرادات العامة وفرص العمل والقيمة المضافة، بمستويات تتناسب مع حجم السكان والقوى العاملة.
وتشير أحدث تقييمات صندوق النقد الدولي إلى أن الإيرادات النفطية ما تزال تمثل أكثر من 90% من الإيرادات الحكومية. كما تبقى القاعدة الضريبية غير النفطية محدودة، مقارنة باقتصادات المنطقة.
ولا تقتصر مشكلة الاعتماد على النفط على تقلب الإيرادات مع أسعار النفط وكميات التصدير. بل تمتد إلى تشكيل نمط من العلاقة بين الدولة وسوق العمل، تصبح فيه الحكومة رب العمل الأكبر ومصدر الدخل المباشر لشريحة واسعة من المجتمع.
وبهذا المعنى، لا تتحول الإيرادات النفطية بالكامل إلى أصول إنتاجية واستثمارات ترفع الطاقة الاقتصادية المستقبلية. بل يُعاد توزيع جزء كبير منها عبر الرواتب والتقاعد والتحويلات والإنفاق التشغيلي.
وقد حذر صندوق النقد الدولي، في مشاوراته مع العراق لعام 2025، من أن سياسات التوظيف العام الحالية والكلفة الناتجة عنها لا يمكن النظر إليها بوصفها مساراً مالياً مستداماً، خصوصاً مع محدودية الإيرادات غير النفطية.
كما ارتفع سعر النفط اللازم لتحقيق التعادل في المالية العامة العراقية، بحسب الصندوق، من نحو 54 دولاراً للبرميل عام 2020 إلى قرابة 84 دولاراً عام 2024. ويعكس ذلك تصاعد حساسية الموازنة تجاه أي صدمة نفطية خارجية.
ومن داخل هذا البناء الريعي تظهر أشكال لما يمكن تسميته بـ الاقتصاد الرمادي داخل المؤسسات. أي النشاط الاقتصادي أو المالي الذي يجري داخل الإطار الرسمي للدولة، لكنه لا يحقق الكفاءة الاقتصادية أو الغرض المؤسسي الذي خُصصت له الموارد.
ومن أهم مظاهره البطالة المقنّعة، والوظائف غير المنتجة، والهدر الإداري، والمشروعات المتلكئة، واستغلال الإجراءات البيروقراطية. ويصل ذلك إلى أنماط الفساد المالي التي تستخدم المؤسسة الرسمية نفسها غطاءً لنقل الموارد العامة إلى مصالح خاصة.
وتكتسب حملات الإنفاذ القضائي وملاحقة الأموال غير المشروعة، ومنها ما عُرف خلال عام 2026 بـ«صولة الفجر»، أهمية اقتصادية تتجاوز بعدها الجنائي. فهي تتيح قراءة أحد المسارات التي تتحول عبرها الموارد العامة من دورة مالية رسمية إلى ثروة نقدية أو عينية مكتنزة خارج القنوات المصرفية والإنتاجية.
أولاً: البطالة المقنّعة وتراجع الإنتاجية الحدية للعمل
تُعرّف البطالة المقنّعة اقتصادياً بأنها الحالة التي يكون فيها عدد العاملين المستخدمين في نشاط أو مؤسسة أكبر من العدد الذي يتطلبه مستوى الإنتاج الفعلي. وفي هذه الحالة، تصبح الإنتاجية الحدية للعمل منخفضة جداً أو قريبة من الصفر.
وفي الحالات الأكثر اختلالاً، يمكن أن يؤدي التضخم البشري والتنظيمي إلى خفض الإنتاجية الكلية بدلاً من زيادتها. ويحدث ذلك بسبب ازدواج الاختصاصات، وتعقيد سلسلة اتخاذ القرار، وارتفاع كلفة التنسيق والرقابة.
وينطبق المفهوم بصورة خاصة عندما تتم إضافة وظائف إلى الجهاز الإداري، من دون توسع متناسب في حجم الخدمات أو تحسين واضح في جودتها.
وهنا ينبغي التفريق بين التوظيف العام الضروري في قطاعات مثل التعليم والصحة والأمن والخدمات الأساسية، وبين التوسع الوظيفي الذي لا يستند إلى تحليل الاحتياجات الفعلية، أو إلى توصيف وظيفي وقياس للعبء والإنتاجية.
لقد أشار البنك الدولي في دراسات سابقة عن الإنفاق العام العراقي إلى وجود تضخم وظيفي واضح في أجزاء من الجهاز العام والمؤسسات المملوكة للدولة.
وفي تقييم يتعلق بالشركات العامة، أشار إلى أن العراق كان يضم 176 شركة مملوكة للدولة يعمل فيها أكثر من 550 ألف شخص. كما وردت تقديرات بأن العمالة الزائدة في عدد من هذه الشركات تراوحت بين 30% و50%.
وعلى الرغم من أن هذه الأرقام تعود إلى فترة سابقة، ولا يجوز إسقاطها آلياً على الوضع الراهن، فإنها توضح البعد الهيكلي الطويل الأمد للمشكلة.
كما وصف صندوق النقد الدولي في تقريره لعام 2024 فاتورة أجور القطاع العام العراقي بأنها من الأعلى إقليمياً.
وربط استمرار تضخمها بالتوظيف الإلزامي والسياسات التي توسع الالتزامات الدائمة للدولة.
المشكلة الاقتصادية في هذا النمط من الإنفاق لا تكمن في الراتب بحد ذاته.
فالراتب الحكومي يولد طلباً استهلاكياً، ويسهم في حماية دخول الأسر.
لكن المشكلة تنشأ عندما تتحول زيادة العمالة العامة إلى التزام مالي دائم، غير مقابل بزيادة في الإنتاجية أو الإيرادات أو مستوى الخدمة العامة.
وحين تمول كتلة الأجور أساساً من مورد نفطي متقلب، فإن الحكومة تحول إيراداً مرتبطاً بسعر عالمي متغير إلى التزام شهري ثابت يصعب خفضه سياسياً واجتماعياً.
وهذا يخلق ما يسمى في أدبيات المالية العامة بجمود الإنفاق.
إذ تتقلص قدرة الموازنة على إعادة تخصيص الأموال نحو الاستثمار والبنية التحتية أو مواجهة الصدمات.
ويتصل ذلك بمشكلة أعمق في سوق العمل. فحين تكون الوظيفة الحكومية أكثر استقراراً وجاذبية من العمل الخاص،
تتجه تفضيلات جزء واسع من الداخلين الجدد إلى سوق العمل نحو انتظار التعيين الحكومي، بدلاً من الاندماج في نشاط إنتاجي خاص.
وبمرور الوقت تنشأ حلقة مفرغة. فضعف القطاع الخاص يدفع الشباب إلى تفضيل الدولة،
وتوسع الدولة في التوظيف يزاحم القطاع الخاص على الموارد والمهارات ويؤجل الإصلاح، ثم يزداد الضغط الاجتماعي من أجل تعيينات إضافية.
وقد أشار البنك الدولي إلى أن القطاع العام ظل المصدر الرئيس للتوظيف في العراق لعقود.
بينما لم يتمكن القطاع الخاص من توليد فرص عمل كافية بالسرعة المطلوبة لاستيعاب النمو السكاني والقوى العاملة الشابة.
لذلك، فإن البطالة المقنّعة في الحالة العراقية ليست مجرد مشكلة إدارية.
بل هي تشوه مالي وإنتاجي في آن واحد؛ فهي ترفع الكلفة الثابتة للموازنة، وتخفض إنتاجية الدينار العام المنفق، وتؤثر في حوافز سوق العمل، وتحد من قدرة الحكومة على تحويل الإيرادات النفطية إلى استثمارات منتجة.
ثانياً: الفساد المقنّع داخل الاقتصاد الرمادي
إذا كانت الرشوة أو الاختلاس المباشر تمثل الصورة الظاهرة للفساد، فإن «الفساد المقنّع» أكثر تعقيداً.
فهو قد يتحرك داخل إجراءات تبدو قانونية في ظاهرها، بينما تترتب عليها نتائج اقتصادية غير كفؤة أو منافع خاصة على حساب المال العام.
ويمكن لهذا النوع من الفساد أن يظهر في تضخيم الاحتياجات الوظيفية، أو تمرير عقود بكلف أعلى من القيمة الاقتصادية الحقيقية، أو تجزئة المناقصات. كما قد يظهر في تأخير المعاملات بصورة متعمدة، أو خلق حلقات بيروقراطية إضافية تزيد قدرة الموظف أو المسؤول على التحكم في القرار.
1. الوظائف الوهمية والرواتب غير المستحقة
تمثل ظاهرة ما يُعرف عراقياً بـ«الفضائيين» نموذجاً مباشراً لتحول نظام الرواتب إلى قناة لتسرب الأموال العامة.
ويحدث ذلك سواء عبر أسماء وهمية، أو موظفين لا يؤدون عملاً فعلياً، أو حالات ازدواج غير قانونية.
ومن هنا لا ينبغي النظر إلى توطين الرواتب وأنظمة الدفع الإلكترونية بوصفها إجراءات مصرفية فقط. بل يجب النظر إليها أيضاً بوصفها أدوات للرقابة المالية.
وقد طور البنك المركزي العراقي خلال السنوات الماضية أنظمة الدفع والمقاصة الإلكترونية الخاصة برواتب المؤسسات الحكومية.
ويسمح ذلك بتكوين سجلات أكثر وضوحاً لحركة المدفوعات، وتقليل الاعتماد على تداول الرواتب نقداً.
وكلما تكاملت قواعد بيانات الموظفين مع الهوية الوطنية والبيانات البيومترية والرقم الوظيفي الموحد والحساب المصرفي،
تقل المساحة المتاحة للأسماء الوهمية والازدواج والتلاعب بقوائم الرواتب.
2. المشروعات المتلكئة
يمثل تعثر المشروعات العامة أحد أكبر أشكال تجميد رأس المال الحكومي.
وبدلاً من استخدام رقم «6000 مشروع بقيمة 300 مليار دولار» باعتباره حقيقة موحدة، فإن البيانات المنشورة تستلزم التمييز بين عدد المشروعات المتلكئة وقيمتها التعاقدية وكلفة الفساد أو الهدر التراكمية.
فقد نُقل عن هيئة النزاهة الاتحادية في عام 2023 رصد قرابة خمسة آلاف مشروع استراتيجي متلكئ خلال خمس سنوات، بقيمة تجاوزت 20 مليار دولار.
أما رقم 300 مليار دولار المتداول في بعض التقارير، فقد ارتبط بتقديرات أوسع للخسائر والفساد والمشروعات الوهمية والمتعثرة منذ عام 2003. ولا يصح اعتباره القيمة المباشرة لمجموعة واحدة محددة من المشروعات المتلكئة.
اقتصادياً، لا تتمثل كلفة المشروع المتلكئ فقط في المبلغ الذي أُنفق عليه. بل تشمل أيضاً كلفة الفرصة البديلة.
فالمدرسة أو المستشفى أو الطريق الذي يتأخر خمس سنوات يحرم المجتمع،
خلال تلك السنوات، من الخدمة والعائد الاقتصادي الذي كان يمكن أن ينتجه الأصل العام لو أُنجز في موعده.
3. التشابك البيروقراطي
كلما ارتفع عدد الموافقات والتواقيع والجهات المتدخلة في المعاملة، ارتفعت كلفة التعامل الاقتصادي. كما ازدادت فرص استخدام السلطة التقديرية بصورة غير سليمة.
ولهذا، فإن أحد أهم أبعاد الإصلاح لا يتمثل في مكافحة الرشوة بعد وقوعها فقط.
بل يتمثل أيضاً في إعادة هندسة الإجراء نفسه، بحيث يصبح أبسط وأقصر وأكثر قابلية للتتبع رقمياً.
ومن هذا المنظور، فإن البيروقراطية المفرطة ليست مجرد بطء إداري.
بل قد تتحول إلى تكلفة اقتصادية ترفع نفقات الاستثمار، وتؤخر المشاريع، وتزيد عدم اليقين، وتضعف قدرة القطاع الخاص على الدخول والمنافسة.
ثالثاً: صولة الفجر واسترداد الأموال
تبرز أهمية ما عُرف بـ«صولة الفجر» من كونها جمعت بين مسار قضائي وأمني وبين أثر مالي مباشر.
وتمثل هذا الأثر في ملاحقة الأموال والأصول المرتبطة بقضايا فساد وكسب غير مشروع.
ووفق ما نُشر في أغسطس/آب 2026 نقلاً عن بيانات مرتبطة بالحملة، بلغت المبالغ المستردة أو المضبوطة نحو 206 مليارات دينار عراقي.
كما بلغت 141 مليون دولار ونحو نصف طن من الذهب.
وقد قدرت تقارير لاحقة القيمة الإجمالية للنقد والذهب بنحو 482.6 مليار دينار، وفق الأسعار المستخدمة في تاريخ التقدير.
وتكمن الدلالة الاقتصادية لهذه الموجودات في طبيعتها، لا في قيمتها الاسمية وحدها.
فعندما تتحول أموال كبيرة إلى نقد مخزن في المنازل والمقار،
أو إلى ذهب ومقتنيات مرتفعة القيمة، فإنها تكون عملياً قد خرجت من دورة الوساطة المالية الرسمية.
فلا تظهر هذه الأموال كودائع مصرفية قابلة لإعادة الإقراض.
كما لا تُستخدم في تمويل استثمار منتج، ولا تؤدي وظيفة اقتصادية سوى حفظ القيمة وإخفاء الثروة.
ويمكن وصف هذا السلوك، من منظور تحليلي، بأنه شكل من «الاكتناز المرتبط بالفساد».
إذ تدفع الرغبة في تجنب الرصد المالي أصحاب الأموال غير المشروعة إلى الاحتفاظ بأصول سائلة أو شبه سائلة خارج الجهاز المصرفي.
وهذا يضيف بعداً نقدياً إلى المشكلة. فالفساد لا يؤدي فقط إلى خسارة الخزينة للمبلغ الأصلي،
بل يمكن أن يؤدي أيضاً إلى إضعاف كفاءة الوساطة المصرفية وزيادة حجم الاقتصاد النقدي خارج النظام الرسمي.
وتزداد أهمية هذه النقطة في اقتصاد يعمل البنك المركزي فيه على توسيع أنظمة الدفع الإلكتروني، وتقليل الاعتماد على النقد، وتطوير قنوات التحويل والمقاصة.
وبالتالي، فإن مكافحة الفساد المالي والتوسع في المدفوعات الرقمية والامتثال المصرفي ليست ملفات منفصلة.
بل هي أجزاء من عملية واحدة، هدفها زيادة قابلية حركة الأموال للتتبع.
كما ينبغي وضع قيمة الأموال المستردة في سياق الاقتصاد الكلي من دون المبالغة في أثرها.
فهي مبالغ مهمة من حيث العدالة واسترداد المال العام، لكنها لا تمثل بديلاً عن الإصلاح المالي الهيكلي.
ويظهر حجم الاقتصاد العراقي الخارجي، على سبيل المثال، في بيانات البنك المركزي التي سجلت صادرات كلية بنحو 100.99 مليار دولار عام 2024.
كما سجلت فائضاً في الحساب الجاري بلغ نحو 8.37 مليارات دولار.
ومن ثم، فإن القيمة الاستراتيجية لحملات الاسترداد لا تتمثل فقط في الأموال التي تعاد إلى الخزينة.
بل تتمثل أيضاً في رفع الكلفة المتوقعة للفساد وتغيير الحوافز داخل المؤسسات.
فإذا أصبح احتمال اكتشاف الثروة غير المشروعة وحجزها ومصادرتها مرتفعاً، تتغير حسابات المخاطر لدى الموظف أو المسؤول الذي يفكر في استغلال منصبه.
رابعاً: من الدولة الراعية إلى الدولة التنموية
إن معالجة البطالة المقنّعة والفساد المقنّع لا يمكن أن تقوم على حملات أمنية منفردة أو إجراءات تقشفية قصيرة الأجل.
بل تتطلب تغييراً مؤسسياً في طريقة إدارة الدولة للموارد البشرية والمالية.
1. أتمتة الإجراءات والحوكمة الإلكترونية
يجب الانتقال من رقمنة المعاملة الورقية إلى إعادة هندسة الإجراءات الحكومية بالكامل.
ويجب أن يتم ذلك بحيث تقل نقاط الاتصال المباشر بين الموظف والمواطن، ويصبح لكل معاملة سجل إلكتروني يحدد تاريخ تقديمها، والموظف المسؤول عنها، ومدة الإنجاز وأسباب التأخير.
كما ينبغي ربط أنظمة الدفع الحكومية والمشتريات والعقود والضرائب والجمارك والسجل العقاري والوظيفة العامة ضمن قواعد بيانات قابلة للتدقيق والمطابقة المتقاطعة.
فالتحول الرقمي الناجح لا يعني مجرد استبدال الورقة بشاشة.
بل يعني تقليص قدرة الفرد على تعطيل المعاملة، أو تغيير مسارها بصورة غير قابلة للتتبع.
2. إصلاح الخدمة المدنية وربط الموارد البشرية بالإنتاجية
ليس الهدف من معالجة البطالة المقنّعة تنفيذ تسريحات واسعة قد تخلق صدمة اجتماعية وسوقية.
بل الهدف هو الانتقال التدريجي إلى إدارة قائمة على الاحتياجات الفعلية والأداء.
ويستلزم ذلك إجراء تعداد وظيفي شامل، واعتماد الوصف الوظيفي، وتحديد المهارات المطلوبة لكل مؤسسة.
كما يستلزم إعادة توزيع العمالة الزائدة نحو القطاعات التي تعاني نقصاً حقيقياً، مع توسيع التدريب وإعادة التأهيل.
كما ينبغي ربط الترقية والمكافآت والأجر المتغير بمؤشرات أداء رئيسية KPIs قابلة للقياس.
وتشمل هذه المؤشرات زمن إنجاز الخدمة، وعدد المعاملات المنجزة، وجودة المخرجات، ورضا المستفيد، بدلاً من الاعتماد بصورة شبه مطلقة على مدة الخدمة والدرجة الوظيفية.
ويكتسب هذا الإصلاح أهمية مالية متزايدة، خصوصاً أن صندوق النقد الدولي ما يزال يضع ضبط التوظيف الحكومي وتقليص الضغوط الناتجة عن فاتورة الأجور ضمن أولويات الإصلاح المالي للعراق.
3. إنشاء إطار شفاف لإدارة الأموال والأصول المستردة
الأموال المستردة من الفساد يجب ألا تختفي داخل النفقات التشغيلية العامة، بحيث يصعب تحديد أثرها.
ويمكن إنشاء حساب أو صندوق فرعي واضح ضمن الخزينة العامة، تسجل فيه الأموال والأصول المصادرة نهائياً بعد اكتمال الإجراءات القضائية.
ويجب نشر تقارير دورية تبين قيمة الأموال المستردة، ونوع الأصول، والقضايا المرتبطة بها،
والمبالغ التي أصبحت نهائية وقابلة للتصرف، وكيفية تخصيصها، مع احترام متطلبات السرية القضائية.
ومن الناحية الاقتصادية، من الأفضل توجيه الجزء الممكن من هذه الموارد إلى أغراض ذات أثر تنموي طويل الأجل.
وتشمل هذه الأغراض دعم البنية الأساسية، وتمويل برامج تنمية القطاع الخاص،
وضمانات المشروعات الصغيرة والمتوسطة، والتحول الرقمي، بدلاً من تحويلها إلى إنفاق استهلاكي متكرر ينتهي أثره بمجرد الصرف.
الخاتمة: الاقتصاد الرمادي وحدود الدولة التنموية
إن مفهوم الاقتصاد الرمادي داخل المؤسسات يتيح فهماً أوسع لبعض اختلالات الاقتصاد العراقي.
فالمشكلة ليست دائماً نشاطاً يجري خارج الدولة، بل قد تتمثل في موارد وأموال ووظائف تعمل داخل هياكل رسمية، ولكن بكفاءة اقتصادية شديدة الانخفاض أو في اتجاه يتعارض مع المصلحة العامة.
وتلتقي البطالة المقنّعة والفساد المقنّع عند نقطة واحدة: انخفاض العائد الاقتصادي والاجتماعي من الموارد العامة.
فالأولى تحول جزءاً من الإنفاق النفطي إلى التزامات وظيفية لا يقابلها إنتاج مكافئ، والثانية تحول جزءاً من المال العام إلى منافع خاصة أو أصول مكتنزة خارج الدورة الاقتصادية.
وقد أظهرت عمليات استرداد الأموال المرتبطة بـ«صولة الفجر» أن الفساد لا يمثل مفهوماً محاسبياً مجرداً.
بل يمكن أن يتحول إلى نقد وذهب وعقارات وأصول تسحب فعلياً من قدرة الدولة والمجتمع على الاستثمار والتنمية.
ومن هنا، فإن الانتقال من «الدولة الراعية» إلى «الدولة التنموية» لا يعني انسحاب الدولة من مسؤولياتها الاجتماعية.
بل يعني إعادة تعريف دورها: من دولة توزع الريع والوظائف، إلى دولة تستثمر الموارد، وتقيس الإنتاجية،
وتحمي المال العام، وتدعم القطاع الخاص، وتبني مؤسسات لا تعتمد كفاءتها على الأشخاص بقدر اعتمادها على الأنظمة والشفافية والمساءلة.
وبقدر ما ينجح العراق في تقليص المسافة بين ما تنفقه الدولة وما تنتجه المؤسسة العامة فعلياً،
وبين ما تخصصه الموازنة وما يصل فعلياً إلى المواطن والمشروع والخدمة، سيكون قادراً على تحويل موارده النفطية من أداة لتمويل الاختلالات إلى قاعدة لبناء اقتصاد أكثر إنتاجية وتنوعاً واستدامة.


