سيادة العراق في ظل التصعيد الإقليمي
في ظل التصعيد المتواصل الذي تشهده منطقة الشرق الأوسط، وما يرافقه من صراع متزايد بين الولايات المتحدة وإيران، تجد الدول الواقعة في ساحات هذا الصراع نفسها أمام معادلة بالغة التعقيد. ويأتي العراق في مقدمة هذه الدول، إذ تبدو قدرة الحكومة العراقية على النأي بنفسها عن أي مواجهة إقليمية محدودة، مهما حاولت اعتماد سياسة تقوم على تجنيب البلاد ويلات الحرب.
فالعراق، بحكم موقعه الجغرافي والسياسي والعسكري، لا يستطيع أن يكون مجرد متفرج على صراع تدور أحداثه من حوله. بل إن تطورات المواجهة قد تجعل من أراضيه وأجوائه جزءاً من مسرحها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة. ومن هنا، تصبح سيادة العراق أمام اختبار فعلي، لأن عدة عوامل تجعل من الصعب عليه تحقيق الحياد الكامل في هذا الصراع.
القوات الأمريكية وتعقيد سيادة العراق
أولاً: وجود القوات والقواعد الأمريكية في العراق.
إن وجود قوات ومنشآت عسكرية أمريكية على الأراضي العراقية يجعل العراق مرتبطاً بصورة مباشرة بالتطورات الأمنية والعسكرية بين واشنطن وطهران. فهذه المنشآت قد تتحول، في حال اتساع نطاق المواجهة، إلى أهداف أو نقاط انطلاق لعمليات عسكرية. وهذا يضع العراق في موقف بالغ الحساسية، حتى وإن لم تكن الحكومة العراقية طرفاً مباشراً في الحرب.
ثانياً: مسألة اختراق الأجواء العراقية.
إن استخدام الأجواء العراقية في أي عمليات عسكرية إقليمية يضع سيادة العراق أمام اختبار حقيقي. فالحفاظ على السيادة لا يقتصر على السيطرة على الأرض، بل يشمل أيضاً حماية المجال الجوي، ومنع استخدامه في عمليات تستهدف دولاً أخرى.
ثالثاً: احتمال انتقال الضربات إلى داخل الأراضي العراقية.
إن اتساع رقعة الصراع قد يجعل الأراضي العراقية عرضة لهجمات تستهدف مواقع أو جماعات مرتبطة بأحد أطراف المواجهة. وهذا يعني أن العراق قد يجد نفسه أمام واقع أمني لا يملك السيطرة الكاملة على تداعياته، خصوصاً إذا نُفذت ضربات داخل أراضيه دون موافقة حكومته.
رابعاً: وجود مقاومة عراقية مسلحة تمتلك القدرة على الرد.
يمثل وجود المقاومة العراقية عاملاً آخر يزيد من تعقيد المشهد. فالمقاومة لديها المبررات السياسية والقانونية والأمنية للرد على الوجود العسكري الأمريكي. وفي المقابل، ترى الحكومة العراقية أن أي عمليات عسكرية تنطلق من الأراضي العراقية قد تعرض البلاد لمزيد من التدخلات والضربات، وتضع سيادتها أمام تحديات أكبر.
المعضلة العراقية بين الحياد والمواجهة
هنا تكمن المعضلة العراقية الحقيقية. فالحكومة تريد تجنيب العراق الحرب، لكن البيئة الأمنية والسياسية المحيطة به قد لا تمنحه فرصة حقيقية للحياد.
فالعراق يقف بين طرفين متصارعين، وفي الوقت نفسه يواجه ضغوطاً داخلية وخارجية تجعل أي قرار تتخذه بغداد ذا تبعات كبيرة. فإذا حاولت الحكومة منع استخدام الأراضي والأجواء العراقية في الصراع، فقد تواجه اعتراضات من قوى داخلية ترى أن مواجهة الوجود الأمريكي حق مشروع.
أما إذا عجزت عن منع ذلك، فقد يتحول العراق إلى ساحة مواجهة مفتوحة. لذلك، لم يعد السؤال فقط: هل يريد العراق الدخول في الحرب؟ بل أصبح السؤال الأكثر واقعية: هل تستطيع حكومة العراق منع الحرب من الوصول إلى أراضيه وأجوائه؟
وبين الرغبة في الحفاظ على سياسة النأي بالنفس، وواقع وجود قوات أجنبية، وتشابك المصالح الإقليمية، وقدرة المقاومة على الرد، يبدو العراق فعلاً في عين العاصفة.
حماية سيادة العراق ومنع تحويله إلى ساحة حرب
إن حماية العراق من الانجرار إلى حرب إقليمية لا تتطلب موقفاً سياسياً فقط. بل تحتاج إلى قدرة فعلية على حماية سيادة العراق، وضبط استخدام الأراضي والأجواء العراقية، وإدارة العلاقة مع جميع الأطراف.
كما تحتاج هذه الحماية إلى منع تحويل العراق إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى المتصارعة. فالمسألة لا تتعلق بالرغبة في الحياد وحدها، بل تتعلق بالقدرة على فرض هذا الحياد في بيئة مشتعلة.
وفي نهاية المطاف، يبقى العراق هو الطرف الذي عليه أن يحسم موقفه من هذا الصراع. ويتم ذلك من خلال رفض الاحتلال والقوى الأجنبية التي لا انتماء لها في المنطقة سوى السيطرة عليها ونهب خيراتها.
وعليه أيضاً أن يستعد لمحاربة هذه القوى حماية لأمنه وسيادته ومصالح شعبه. كما يجب أن يمنع الاحتلال الأمريكي من تحويل أرضه وسمائه إلى ساحة حرب مفروضة عليه، وإن كان لا يريدها.


