فشلُ التجربة وتشويهُ العقيدة

فشلُ التجربة وتشويهُ العقيدة
ينتقد النص تجربة الإسلام السياسي الشيعي في العراق، معتبرًا أن الفساد وسوء الإدارة شوّها صورة الدين والمذهب، وأدّيا إلى خلط الناس بين العقيدة وسلوك الأحزاب، مع التأكيد على التمييز بين الإسلام الأصيل ومن استغل شعاراته لتحقيق السلطة والمصالح...

لم يعد فشلُ الأحزاب والتيارات التي حكمت العراق باسم الإسلام السياسي الشيعي أمرًا خاضعًا للنقاش، بل أصبح واقعًا يراه الناس بوضوحٍ لا يقبل التأويل.

فالشعارات التي رُفعت طوال السنوات الماضية لم تكن ـ عند كثيرٍ ممن تصدّروا المشهد ـ سوى أدواتٍ لاستقطاب جماهيرٍ عاشت على الأمل، وكانت تهتف بحماسةٍ وعاطفة:

«ماكو ولي إلا علي، ونريد حاكم جعفري».

غير أن ما حدث بعد ذلك كشف حجم الهوّة بين الشعار والحقيقة، وبين ادّعاء الانتماء إلى نهج الإمام علي بن أبي طالب وبين التطبيق العملي على أرض الواقع.

لقد أُريد لهذه التجربة أن تُقدَّم بوصفها صورةً ممثلةً للطائفة الشيعية وللفكر الإسلامي، حتى إذا غرقت في الفساد والفشل والانقسامات، قيل للناس: هذا هو نتاج الحكم الشيعي، وهذه هي نتيجة الإسلام السياسي.

وكان لهذا المسار هدفان واضحان:

الأول: إقناع القاعدة الشعبية الشيعية بأنها عاجزة عن إنتاج قياداتٍ صادقةٍ ونزيهة، مع أن جميع أطياف الشعب العراقي كانت مشاركةً في هذا الفشل، من سنةٍ وكردٍ وغيرهم.

والثاني: تحميل المذهب الشيعي نفسه تبعات الإخفاقات السياسية والإدارية والأخلاقية التي صنعتها شخصياتٌ وأحزاب لا تمثل حقيقة الدين، مهما رفعت من شعاراته.

ولم تتوقف آثار هذه التجربة عند حدود السياسة، بل امتدّت إلى الجانب الديني والعقائدي، خصوصًا لدى الفئات التي لا تمتلك وعيًا دينيًا عميقًا، ولا تعرف من الإسلام إلا المظاهر والعناوين العامة.

ومن هنا ظهرت جماعاتٌ منحرفة، وتياراتٌ مشبوهة، وأفكارٌ دخيلة أخذت تتسلل إلى المجتمع تحت عناوين متعددة، مستفيدةً من حالة الإحباط وفقدان الثقة التي أصابت كثيرًا من الناس.

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا:

كيف وصلت الأمور إلى هذا الحد، وفي الأمة مراجع كبار، وعلماء عدول، ومثقفون لا يتوقفون عن التوعية والتنبيه والتحذير؟

إن المشكلة الحقيقية لم تكن في الدين نفسه، وإنما في غياب الوعي، وفي الخلط بين الإسلام بوصفه عقيدةً إلهيةً سامية، وبين سلوك بعض من ادّعوا تمثيله وهم أبعد ما يكونون عن روحه وعدالته وأخلاقه.

فبعض الناس لم يعد يفرّق بين الدين وبين الحاكم، ولا بين العقيدة وبين الحزب، حتى ظن أن فساد السياسي يعني فساد الفكرة نفسها، وأن سقوط التجربة يعني سقوط المبدأ.

ومن هنا نشأت حالةٌ خطيرة من النفور الديني والأخلاقي عند بعض الفئات، إذ قالوا في أنفسهم:

إذا كان هؤلاء الذين يرفعون رايات الإسلام ويتحدثون باسم الإمام علي بن أبي طالب قد أوصلوا البلاد إلى هذا الواقع، فلا حاجة لنا بهذا الإسلام الذي يقدّمونه.

لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير.

فهناك فرقٌ شاسع بين من يجعل اسم الإمام علي بن أبي طالب شعارًا يرفعه للوصول إلى السلطة، وبين من يحمل فكر الإمام عقيدةً وموقفًا وعدلًا وتضحيةً ومسؤولية.

وهناك فرقٌ بين الإسلام المحمدي الأصيل الذي يقوم على العدل والكرامة والوعي، وبين تجارب سياسية استهلكت الدين في صراعات المصالح والنفوذ.

ومن أراد أن يميّز بين الحقيقة والادعاء، فعليه أن ينظر بعين الإنصاف، وأن يقارن بين المشاريع التي حافظت على هويتها العقائدية والسياسية رغم كل الضغوط، ولعل الجمهورية الإسلامية الإيرانية خيرُ دليلٍ على ذلك، في مقابل تجارب تحولت فيها الشعارات إلى وسيلةٍ للبقاء في السلطة لا أكثر.

أما أنا، فسيبقى فكري وعقيدتي هو الانتظار، وأن أعمل بما أستطيع عليه وفق ما أؤمن به، وأن أقول ما أراه حقًا دون خوفٍ أو مجاملة.

وأسأل الله أن يحسن عاقبتنا، وعاقبة كل أذنٍ واعيةٍ تميّز بين الحقيقة والخيال، وبين الدين الحق وبين من تاجروا باسمه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *