من بيرسي كوكس إلى بول بريمر… والخاتمة توم باراك: هل تغيّرت الأسماء فقط؟

النفوذ الأجنبي في العراق من بيرسي كوكس إلى بول بريمر وتوم باراك
مقال رأي تاريخي سياسي يقارن بين بيرسي كوكس وبول بريمر وتوم باراك، ويطرح سؤالاً جوهرياً حول النفوذ الأجنبي في العراق: هل تغيّرت الأسماء فقط، أم بقي جوهر الوصاية قائماً بوسائل جديدة؟...

من لا يقرأ التاريخ جيداً يصعب عليه فهم ما يجري في العراق اليوم.

فالتاريخ لا يكرر نفسه بحذافيره، لكنه كثيراً ما يعيد إنتاج أنماط متشابهة بأدوات وأسماء مختلفة.

ولهذا، فإن النظر إلى علاقة العراق بالقوى الأجنبية لا ينبغي أن يبقى أسير اللحظة الراهنة وحدها،

بل يجب أن يمتد إلى البدايات التي تشكلت فيها الدولة العراقية الحديثة،

وإلى المحطات التي أعادت رسم موقع العراق داخل معادلات النفوذ الإقليمي والدولي.

بيرسي كوكس وبدايات النفوذ البريطاني

عندما طالب العراقيون بالاستقلال عام 1920، انتهى الأمر بتأسيس المملكة العراقية وتنصيب الملك فيصل الأول.

ورغم ذلك، بقي النفوذ البريطاني حاضراً بقوة من خلال منصب المندوب السامي البريطاني،

ولا سيما في عهد السير بيرسي كوكس، الذي كان يتمتع بصلاحيات واسعة جعلته أحد أبرز صناع القرار في العراق خلال سنوات الانتداب.

وبحسب قراءة تاريخية لهذا الدور، لم يكن كوكس يعمل من أجل بناء دولة عراقية مستقلة بالمعنى الكامل،

بقدر ما كان يعمل على ضمان المصالح الاستراتيجية للإمبراطورية البريطانية في المنطقة.

لذلك، جاءت كثير من السياسات والقرارات في تلك المرحلة منسجمة مع المصالح البريطانية قبل أي اعتبار آخر،

حتى وإن اتخذت شكلاً عراقياً أو مرّت عبر مؤسسات محلية ناشئة.

من الانتداب البريطاني إلى الوصاية الأمريكية

بعد عام 2003، تكرر مشهد آخر في العراق، ولكن بأسماء وأدوات مختلفة.

فقد تولى بول بريمر رئاسة سلطة الائتلاف المؤقتة، وكان الحاكم الفعلي للبلاد خلال تلك المرحلة،

حيث امتلك صلاحيات واسعة في إدارة الدولة، وإصدار القرارات، وإعادة تشكيل مؤسسات العراق.

والمفارقة أن العراقيين انتقلوا من مرحلة كان فيها السير بيرسي كوكس يمثل النفوذ البريطاني الأعلى في العراق،

إلى مرحلة كان فيها بول بريمر يمثل النفوذ الأمريكي الأعلى في البلاد، مع اختلاف الأزمنة والمسميات والذرائع السياسية.

ففي الحالة الأولى كان العنوان هو الانتداب وبناء الدولة، وفي الحالة الثانية كان العنوان هو إسقاط النظام وإعادة الإعمار وبناء الديمقراطية.

لكن السؤال الجوهري بقي قائماً: أين تقف الإرادة العراقية الفعلية داخل هذه المعادلات؟

استقلال شكلي أم نفوذ متجدد؟

في تقديري، فإن ما أعقب عام 2003 لم يؤدِّ إلى استقلال كامل بالمعنى العملي للكلمة،

بل إلى شكل جديد من أشكال النفوذ الخارجي.

فكما كان العراق يمتلك حكومة ومؤسسات وطنية في ظل النفوذ البريطاني،

أصبح يمتلك اليوم حكومة ومؤسسات وطنية في ظل نفوذ أمريكي ما زال حاضراً في ملفات أساسية تمس الدولة العراقية.

وهذا لا يعني إنكار وجود مؤسسات عراقية أو قوى وطنية أو مساحات قرار محلية،

لكنه يعني أن القرار العراقي في ملفات كبرى لا يزال يتأثر، بدرجات متفاوتة،

بإرادات خارجية وبحسابات دولية لا تنبع دائماً من المصلحة العراقية الخالصة.

ملفات تكشف حدود السيادة

من وجهة نظري، ما زالت كثير من القرارات الكبرى تتأثر بالإرادة الأمريكية بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

فملف الكهرباء، وإدارة العوائد المالية العراقية ضمن النظام المالي العالمي المرتبط بالولايات المتحدة،

والوجود العسكري الأجنبي، والتدخلات السياسية في بعض المحطات المفصلية،

كلها مؤشرات تجعلني أعتقد أن العراق لم يصل بعد إلى مرحلة الاستقلال الكامل في قراره السياسي والاقتصادي والأمني.

ولا يمكن فصل هذه الملفات عن طبيعة العلاقة غير المتكافئة بين بغداد وواشنطن،

ولا عن حاجة الدولة العراقية إلى بناء استقلال فعلي في إدارة المال والطاقة والأمن والعلاقات الخارجية.

دور المرجعية والقوى الوطنية

لولا مواقف المرجعية الدينية وبعض القوى الوطنية المخلصة،

لكان هذا النفوذ أكثر وضوحاً وتأثيراً مما هو عليه اليوم.

فقد شكلت المرجعية، في محطات حساسة، عامل توازن وضغط وطني،

وسعت إلى حماية الإرادة الشعبية من التحول إلى مجرد هامش داخل مشاريع خارجية كبرى.

كما أن بعض القوى العراقية الوطنية، رغم اختلاف اتجاهاتها، حاولت أن تضع حدوداً للتدخل الخارجي،

وأن تذكّر بأن الدولة لا تُبنى بمجرد وجود المؤسسات، بل بامتلاك القرار المستقل والقدرة على حماية السيادة.

توم باراك والسؤال المتجدد

مؤخراً، عاد هذا الموضوع إلى الواجهة مع تعيين توم باراك مبعوثاً رئاسياً أمريكياً خاصاً في المنطقة،

ولا سيما في ملفي العراق وسوريا.

فالسفير شيء، والمبعوث الرئاسي الخاص شيء آخر. السفير يمثل العمل الدبلوماسي التقليدي،

أما المبعوث الخاص فيتحرك غالباً داخل ملفات حساسة ومباشرة، تتصل بالترتيبات السياسية والأمنية والاستراتيجية.

وهذا يدفع إلى التساؤل عن طبيعة الأدوار التي تمارسها الولايات المتحدة في العراق والمنطقة،

وعن الحدود الفاصلة بين العمل الدبلوماسي الطبيعي وبين ممارسة النفوذ السياسي المباشر.

هل تغيّرت الأسماء فقط؟

من هنا، أجد نفسي أستحضر تجربة السير بيرسي كوكس وتجربة بول بريمر،

وأطرح السؤال نفسه: هل تغيّرت الأسماء فقط، أم أن جوهر العلاقة ما زال قائماً وإن اختلفت الوسائل؟

قد يختلف معي كثيرون، وهذا أمر طبيعي في قراءة التاريخ والسياسة.

لكنني شخصياً لا أعتقد أن العراق يتمتع اليوم باستقلال كامل في قراره السياسي والاقتصادي والأمني.

ما زلت أرى أن النفوذ الخارجي يؤدي دوراً مؤثراً في رسم مساراته الكبرى،

وأن العراق بحاجة إلى مراجعة عميقة لطبيعة علاقته بالقوى الدولية، لا من موقع العداء الانفعالي، بل من موقع بناء دولة قادرة على امتلاك قرارها.

خاتمة

من بيرسي كوكس إلى بول بريمر، ومن بريمر إلى توم باراك، تبدو الأسماء مختلفة،

لكن السؤال العراقي القديم ما زال حاضراً: من يملك القرار النهائي في بغداد؟

إن السيادة لا تُقاس بالشعارات، ولا بوجود حكومة وبرلمان ومؤسسات فقط،

بل بقدرة الدولة على إدارة مواردها، وضبط أمنها، وتحديد خياراتها الخارجية، بعيداً عن الإملاءات والضغوط.

ولهذا فإن السؤال المطروح اليوم ليس سؤالاً تاريخياً فحسب، بل سؤال حاضر ومستقبل: هل خرج العراق فعلاً من زمن الوصاية، أم أنه انتقل من شكل قديم من النفوذ إلى شكل جديد أكثر نعومة وتعقيداً؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *