الأصول العراقية بين مقديشو والمفتية
تكشف قصة المصفاة العراقية التي أُنشئت في الصومال خلال سبعينيات القرن الماضي، وما آلت إليه منشآت المفتية النفطية في البصرة لاحقاً، جانباً مهماً من تاريخ الصناعة النفطية العراقية. فهي لا تتعلق بمصفاتين أو منشأتين نفطيتين فحسب، بل تعكس تحولات عميقة في قدرة الدولة العراقية على بناء الأصول العراقية الصناعية، وإدارتها، وحمايتها، والمحافظة على حقوقها الاقتصادية داخل البلاد وخارجها.
ففي مرحلة كان العراق يتوسع فيها في بناء قدراته النفطية الوطنية، لم يقتصر نشاط المؤسسات والكوادر العراقية على تنفيذ المشاريع داخل الحدود. بل امتد إلى التعاون الفني والاستثماري مع دول أخرى.
وتعد المصفاة العراقية في الصومال واحدة من أبرز الشواهد على تلك المرحلة. إذ توثق وثائق دولية معاصرة للمشروع أن العراق والصومال أنشآ بصورة مشتركة مصفاة نفطية بالقرب من مقديشو، بطاقة تصميمية بلغت 500 ألف طن من المنتجات النفطية سنوياً. كما كانت المصفاة مقررة للدخول في التشغيل خلال يوليو/تموز 1978.
وأشار تقرير للبنك الدولي صدر في يونيو/حزيران 1978 إلى أن المنشأة تقع على مسافة تقارب 15 كيلومتراً جنوب مقديشو. كما أشار إلى أن تشغيلها كان سيعتمد، في بدايته، على خبرات فنيين عراقيين، بالتوازي مع تدريب كوادر صومالية في العراق.
وهذه المعلومة ذات دلالة تتجاوز البعد التاريخي. إذ تبين أن المشاركة العراقية لم تكن مجرد مساهمة مالية أو توريد معدات، بل ارتبطت أيضاً بنقل التكنولوجيا والخبرة التشغيلية وبناء القدرات البشرية. وهذه عناصر تعد اليوم جوهر أي استثمار دولي ناجح في قطاع الطاقة.
وتعادل الطاقة التصميمية البالغة 500 ألف طن سنوياً، بحسب طبيعة المزيج النفطي وكثافة المنتجات، مستوى يقارب عشرة آلاف برميل يومياً. وهو الرقم الذي يرد في عدد من المصادر التاريخية التي تناولت المشروع.
وتؤكد دراسات تاريخية عن قطاع الطاقة الصومالي أن العراق ساعد بالفعل في بناء مصفاة بطاقة تقارب 10 آلاف برميل يومياً، في أواخر سبعينيات القرن الماضي.
مشروع يتجاوز الاستثمار المالي إلى الحضور الاستراتيجي
يجب النظر إلى مشروع المصفاة في سياق العلاقات الاقتصادية العربية والدولية للعراق في سبعينيات القرن الماضي. فالاستثمار في مصفاة خارج البلاد لم يكن بالضرورة استثماراً مالياً قصير الأجل، هدفه تحقيق عائد نقدي مباشر فقط. بل كان أداة تجمع بين الاقتصاد والسياسة والطاقة.
فإنشاء مصفاة في دولة تطل على أحد أهم الممرات البحرية في منطقة القرن الأفريقي كان يمنح العراق حضوراً اقتصادياً وفنياً خارج حدوده. كما كان يفتح سوقاً للنفط الخام العراقي وللخبرات الهندسية العراقية، ويخلق روابط تجارية طويلة الأمد مع الدولة المضيفة.
وتبين وثائق البنك الدولي لعام 1978 أن تصميم المنظومة لم يكن منفصلاً عن البنية اللوجستية لميناء مقديشو. فقد كان مخططاً نقل الخام إلى المصفاة وتصدير جزء من المنتجات المكررة عبر الميناء. وفي ذلك الوقت، كان الاستهلاك المحلي الصومالي من المنتجات النفطية يقدر بنحو 200 ألف طن سنوياً فقط.
وبما أن الطاقة التصميمية للمصفاة كانت 500 ألف طن سنوياً، فهذا يعني أن المشروع كان يمتلك، نظرياً، قدرة إنتاجية تزيد على حجم الطلب المحلي آنذاك. وهذا ما يفسر الإشارة في الوثائق إلى إمكانية تسويق الفائض خارج الصومال بمساعدة العراق.
وهنا تظهر الأهمية الاقتصادية الحقيقية للمشروع. فلم يكن الهدف مجرد إنشاء وحدة تكرير لتغطية الاستهلاك المحلي، بل إقامة حلقة متكاملة نسبياً من استيراد الخام، وتكريره، وتسويق المنتجات، ونقلها بحرياً.
كما أن قيام العراق بإرسال فنيين لتشغيل المنشأة وتدريب الموظفين الصوماليين يمثل نموذجاً مبكراً لما يعرف حالياً بتصدير الخدمات الهندسية والفنية. وهذه الخدمات أصبحت في الاقتصادات الحديثة قطاعاً قائماً بذاته، يحقق إيرادات من التصميم والتنفيذ والإشراف والصيانة والتشغيل وإدارة المشاريع، وليس من بيع النفط الخام وحده.
التمويل والشراكة العراقية الصومالية
تتناقل المصادر المتعلقة بالمشروع أن المصفاة أُنشئت وفق شراكة متساوية بين العراق والصومال. كما تشير إلى أن العراق تكفل بتمويل جانب الإنشاء بالعملات الأجنبية، على أن تسدد الحكومة الصومالية حصتها البالغة 50% من الكلفة على مدى ثلاث سنوات من بدء التشغيل، وبفائدة رمزية.
وقد أعيد تداول هذه التفاصيل في تقارير اقتصادية صدرت عام 2025، عند إعادة فتح ملف المصفاة.
ويحتاج الرقم المتداول، الذي يقدر كلفة المشروع بنحو ثمانية ملايين دينار عراقي، إلى الرجوع إلى أصل الاتفاقية العراقية الصومالية المنشورة في الوقائع العراقية. وذلك للتأكد من تعريف الكلفة، وما إذا كانت تشمل جميع مكونات المشروع أو جزءاً منها.
لذلك، من الأدق عدم تحويل هذا الرقم إلى قيمة دولارية معاصرة، أو بناء مقارنات مالية عليه، من دون الرجوع إلى الوثيقة الأصلية وسعر الصرف الرسمي المطبق تحديداً في تاريخ الالتزام المالي.
فالقيمة الاقتصادية الحقيقية لأي استثمار تاريخي لا تقاس فقط بضرب كلفته الاسمية بسعر صرف تلك الفترة. بل تتطلب النظر إلى القوة الشرائية، وتكاليف المعدات الرأسمالية، وأسعار الطاقة، وحصة الاستثمار من الإنفاق العام، والقيمة البديلة للأموال في وقت التنفيذ.
ومع ذلك، يبقى واضحاً أن إقامة منشأة تكريرية كاملة خارج العراق، وتشغيلها بكادر عراقي والمشاركة في إدارتها، كان مشروعاً استراتيجياً لا مجرد منحة مالية.
التشغيل ثم الانقطاع وأثر المخاطر الجيوسياسية
تظهر الوثائق المتاحة أن المصفاة كانت مهيأة للدخول في التشغيل عام 1978. بينما تشير المصادر التاريخية الخاصة بقطاع الطاقة الصومالي إلى أن الإمدادات العراقية من النفط الخام تعرضت للانقطاع أو الاضطراب، عقب اندلاع الحرب العراقية الإيرانية عام 1980.
وهنا تبرز إحدى أهم قواعد الاستثمار الدولي في المشاريع الاستراتيجية. فقيمة الأصل لا تتحدد فقط بجودته الفنية، بل أيضاً باستدامة سلاسل التوريد، والاستقرار السياسي، وقدرة الشركاء على الوفاء بالتزاماتهم.
فمصفاة تعتمد على استيراد الخام من بلد بعيد تحتاج إلى انتظام الإمدادات، وأسعار نقل مناسبة، واتفاقيات طويلة الأجل، وقدرة على الوصول إلى الموانئ والتمويل. وأي حرب أو تغيير سياسي أو اضطراب أمني قد يحول المنشأة من أصل منتج إلى أصل متعطل، مهما كانت جودتها الهندسية.
وتشير المصادر التاريخية إلى أن المصفاة عادت، في مرحلة لاحقة من ثمانينيات القرن الماضي، إلى تلبية جزء من احتياجات السوق الصومالية. إلا أن إمدادات الخام العراقي ظلت غير منتظمة.
ثم دخل الصومال، منذ بداية التسعينيات، في مرحلة انهيار سياسي وأمني واسعة. وقد انعكس ذلك، بطبيعة الحال، على البنية التحتية الاقتصادية للدولة.
أما الرواية التي تشير إلى أن الحكومة الصومالية قامت بـ«تأميم» المصفاة في مطلع الثمانينيات، فهي تحتاج إلى توثيق تاريخي وقانوني إضافي قبل اعتمادها بصفتها واقعة نهائية. إذ إن المصادر المتاحة بصورة موثوقة تؤكد تعطل الإمدادات وتغير ظروف التشغيل، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات جميع التفاصيل القانونية المتعلقة بانتقال الملكية.
وهذه نقطة مهمة جداً عند الحديث اليوم عن استرجاع حقوق العراق. فالوضع القانوني للأصل يختلف جذرياً، بحسب ما إذا كانت ملكيته قد انتقلت باتفاق، أو بالتأميم، أو بالتسوية، أو بقيت حصة العراق قائمة قانوناً.
عودة مصفاة مقديشو إلى الواجهة عام 2025
بعد عقود من الغياب عن النقاش الاقتصادي العراقي، عاد ملف المصفاة إلى التداول عام 2025. وجاء ذلك بالتزامن مع القمة العربية التي استضافتها بغداد في مايو/أيار من ذلك العام.
وتناولت تقارير عراقية ودولية أن الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود أثار موضوع المصفاة العراقية القديمة مع الجانب العراقي. كما أشارت إلى أن الجانب الصومالي أبدى اهتماماً بإعادة تأهيلها وتشغيلها ضمن تعاون اقتصادي جديد بين البلدين.
وهذه المسألة لا ينبغي التعامل معها عاطفياً أو بوصفها مجرد «اكتشاف أصل منسي». بل يجب تحويلها إلى ملف قانوني وفني واقتصادي متكامل.
فالخطوة الأولى تتمثل في تحديد الوضع القانوني للمصفاة، وحصة العراق الأصلية، وما طرأ عليها من اتفاقيات أو إجراءات لاحقة.
والخطوة الثانية هي تقييم الحالة الفنية الفعلية للأرض والمنشآت والخزانات ووحدات المعالجة والمرافق والميناء وخطوط الأنابيب.
أما الخطوة الثالثة، فتتمثل في إعداد دراسة جدوى اقتصادية حديثة. فإعادة تأهيل مصفاة صُممت قبل نحو نصف قرن لا يمكن تقريرها اعتماداً على قيمتها التاريخية فقط.
لذلك، يجب مقارنة كلفة إعادة التأهيل بكلفة إنشاء مصفاة جديدة، مع الأخذ في الحسبان معايير السلامة والبيئة، ونوعية المنتجات الحديثة، ومواصفات الوقود المطلوبة.
فاسترداد حق العراق لا يعني بالضرورة إعادة تشغيل الأصل بالشكل نفسه. بل قد يكون الحق العراقي حصة ملكية، أو تعويضاً مالياً، أو حقاً تعاقدياً، أو أرضاً، أو أصولاً قابلة لإعادة الاستثمار.
الأصول العراقية في الخارج وملف الحقوق المنسية
إن قضية مصفاة الصومال تفتح ملفاً أوسع بكثير من منشأة واحدة. وهو ملف الاستثمارات والأصول العراقية الخارجية التي تكونت خلال عقود سابقة.
وهنا تبرز ضرورة إنشاء سجل سيادي موحد للأصول العراقية في الخارج. ويجب أن يتضمن هذا السجل العقارات، والشركات، والمصانع، والمستودعات، والموانئ، وخطوط الأنابيب، والحصص الاستثمارية، والديون، والحقوق التعاقدية.
فالذاكرة الإدارية ليست بديلاً عن السجل القانوني.
ولا ينبغي أن يتوقف مصير أصول بملايين أو مئات الملايين من الدولارات على معرفة موظف سابق، أو وثيقة محفوظة في أرشيف شخصي. فالدولة الحديثة تحتاج إلى قاعدة بيانات مركزية تضم أصل التملك، وقيمته الدفترية، ووضعه القانوني، والجهة العراقية المالكة، والدولة المضيفة، وأي نزاعات أو التزامات مرتبطة به.
وإذا ثبتت للعراق حقوق قائمة في بعض هذه الأصول، فإن الخيارات لا تنحصر في استرجاعها مادياً. بل يمكن إعادة هيكلتها، أو إدخال شركاء، أو تحويلها إلى مشاريع مشتركة، أو المطالبة بالتعويض عنها وفق الأطر القانونية ذات الصلة.
المفارقة الداخلية ومجمع المفتية النفطي في البصرة
في مقابل هذا التاريخ من تنفيذ مشروع نفطي عراقي خارج الحدود، تقدم قصة المفتية في البصرة صورة مختلفة ومؤلمة عن إدارة بعض الأصول النفطية داخل البلاد.
وتؤكد بيانات وزارة النفط العراقية أن منطقة المفتية كانت تضم مستودعات نفطية ومنصات لتحميل المنتجات النفطية، ومنشآت تابعة للوزارة، ومقاراً مرتبطة بقطاع توزيع المنتجات.
وفي مارس/آذار 2017، أعلنت وزارة النفط المباشرة بمرحلة من مشروع يتعلق بموقع المفتية. ثم أعلنت في يونيو/حزيران من العام نفسه استمرار أعمال تفكيك الخزانات والأنابيب، ورفع آلاف الأطنان من المواد والأنقاض من الموقع.
وتكتسب هذه البيانات الرسمية أهمية لأنها تثبت أن عمليات التفكيك لم تكن مجرد رواية شعبية عن اختفاء منشأة نفطية. بل إن الوزارة نفسها أعلنت وجود أعمال تفكيك ونقل وإزالة في الموقع.
لكن توصيف ما جرى بأنه فساد، أو سرقة، أو هدر متعمد، ينبغي أن يستند إلى نتائج تحقيق قضائي أو رقابي نهائية، لا إلى الانطباعات وحدها.
وقد ظهرت بالفعل في السنوات التالية شكاوى وتقارير صحفية عن شبهات ومخالفات مرتبطة بتفكيك وبيع أجزاء من مستودع المفتية. كما نشرت وسائل إعلام عراقية عام 2019 معلومات عن سرقة وثائق وأقراص، قيل إنها مرتبطة بالتحقيق في القضية.
ومن هنا، فإن القضية تستحق فتح ملف موثق يجيب عن أسئلة محددة. ما القيمة الدفترية والفنية للموجودات قبل التفكيك؟ من أصدر قرار إخراجها من الخدمة؟ كيف جرى تقييم المعدات والخزانات والحديد والأنابيب؟
وما الكميات التي أعيد استخدامها في منشآت أخرى؟وما الكميات التي بيعت؟وما آلية البيع؟وهل كانت هناك دراسة جدوى تقارن بين إعادة التأهيل والتفكيك؟
هذه هي الأسئلة التي تحول النقاش من الاستنكار العام إلى المساءلة الاقتصادية القابلة للقياس.
القيمة الاقتصادية للأصل ليست قيمة الخردة
تمثل قضية المفتية درساً أساسياً في اقتصاديات إدارة الأصول العراقية الحكومية.
فالقيمة الاقتصادية للمصفاة أو المستودع لا تساوي وزن الحديد الموجود فيه مضروباً بسعر الخردة. إذ يتكون الأصل الصناعي من الأرض، والموقع، وشبكات الأنابيب، والخزانات، والطاقة الكهربائية، والموانئ، والطرق، والكوادر، والتراخيص، والبنية التحتية المحيطة به.
وقد تكون قيمة استبدال الأصل أعلى مرات عديدة من حصيلة بيع مكوناته منفردة.
لذلك، فإن القرار الصحيح عند التعامل مع منشأة قديمة يجب أن يعتمد على ثلاثة تقديرات على الأقل. وهي كلفة إعادة التأهيل، والقيمة الممكن تحقيقها من استمرار التشغيل، وكلفة إنشاء بديل جديد.
فإذا كان إعادة التأهيل غير اقتصادي، يصبح التفكيك مبرراً من حيث المبدأ. ولكن يجب أن يتم وفق تقييم أصول مستقل، ومناقصة شفافة، وحصر كامل للمعدات القابلة لإعادة الاستخدام.
أما بيع معدات قابلة للتشغيل أو أرض استراتيجية على أساس قيمة الخردة وحدها، إذا حدث، فيمثل تدميراً للقيمة الرأسمالية العامة، حتى لو تمت عملية البيع بصورة محاسبية.
المفارقة بين مقديشو والمفتية
هنا تتجسد المفارقة.
قبل عقود، كان العراق يمتلك مؤسسات قادرة على المشاركة في إنشاء وتشغيل منشأة تكرير خارج حدوده، ونقل الخبرة، وتدريب الكوادر الأجنبية.
وفي المقابل، شهدت مرحلة لاحقة نقاشات حادة حول مصير منشآت قائمة داخل إحدى أهم المحافظات النفطية في البلاد. وتمحورت هذه النقاشات حول ما إذا كانت أصولها قد أديرت بطريقة تحافظ على قيمتها الاقتصادية.
ولا يعني ذلك أن كل منشأة قديمة يجب الإبقاء عليها إلى الأبد. فالمعدات الصناعية لها عمر اقتصادي، والتكنولوجيا تتغير، وقد تصبح بعض الوحدات غير مجدية أو غير مطابقة للمعايير الحديثة.
لكن الفارق كبير بين إخراج أصل من الخدمة بقرار اقتصادي مدروس، وبين تركه يتدهور ثم التعامل معه باعتباره خردة.
فالدولة التي تدير أصولها بصورة احترافية تعرف، قبل التفكيك، قيمة الأرض والمعدات، وكلفة الإحلال، والقيمة المتبقية، والبدائل الاستثمارية للموقع.
نحو سياسة وطنية لحماية الأصول العراقية
إن القصتين تقودان إلى نتيجة واحدة. فالعراق بحاجة إلى سياسة وطنية لإدارة أصوله الاستراتيجية داخل البلاد وخارجها.
أولاً، يجب تشكيل لجنة وطنية لحصر الأصول والاستثمارات العراقية الخارجية. وينبغي أن تضم وزارات المالية والنفط والخارجية والتخطيط والعدل، وديوان الرقابة المالية، والجهات القانونية المتخصصة. وتكون مهمتها بناء سجل دقيق لكل أصل وحق اقتصادي عراقي خارج الحدود.
ثانياً، ينبغي فتح ملف مصفاة الصومال وفق ثلاثة مسارات متوازية. مسار قانوني لإثبات الملكية والحقوق، ومسار فني لتحديد حالة الأصل، ومسار اقتصادي لتقييم أفضل سيناريو لاستثماره.
ثالثاً، يجب وضع نظام موحد لإدارة الأصول الصناعية الحكومية داخل العراق. ويجب أن يمنع هذا النظام تفكيك أو بيع المنشآت ذات القيمة الاستراتيجية، قبل إجراء تقييم فني ومالي مستقل، ومقارنة قيمة البيع بقيمة الاستبدال وإمكانية إعادة الاستخدام.
رابعاً، ينبغي رقمنة أرشيف المشروعات النفطية العراقية القديمة، بما فيه العقود والخرائط والتصاميم ومحاضر التسليم والاتفاقيات الدولية. فالوثيقة التاريخية قد تتحول بعد خمسين عاماً إلى سند ملكية أو أساس لمطالبة بملايين الدولارات.
خامساً، من الضروري إعادة الاعتبار للشركات الهندسية الوطنية. فقصة مصفاة الصومال تثبت أن رأس المال الحقيقي للعراق لم يكن النفط وحده، بل المهندس والفني والشركة الوطنية القادرة على تحويل النفط إلى مشروع صناعي.
في الختام
إن قصة مصفاة مقديشو ومجمع المفتية لا ينبغي أن تبقى مجرد سرديتين عن زمنين مختلفين.
الأولى تكشف أن العراق امتلك، في مرحلة سابقة، القدرة على تحويل موارده النفطية إلى نفوذ اقتصادي وخبرة صناعية تمتد إلى خارج حدوده. كما تكشف أن الكوادر العراقية شاركت في بناء منشأة تكريرية صُممت بطاقة 500 ألف طن سنوياً، وكان مقرراً تشغيلها بخبرات عراقية. وهذه حقيقة موثقة في تقرير دولي معاصر للمشروع عام 1978.
أما الثانية، فتعيد طرح سؤال جوهري عن كيفية إدارة الموجودات الوطنية حين تتقادم أو تتغير الاحتياجات الاقتصادية.
فالخسارة ليست فقط أن نفقد مصفاة أو مستودعاً. بل أن نفقد الوثائق، والذاكرة المؤسسية، وحقوق الملكية، والخبرة الهندسية، والقيمة المتراكمة في الأصول العامة.
واليوم، مع عودة ملف مصفاة الصومال إلى الواجهة، تتاح للعراق فرصة لتحويل قصة تاريخية إلى سياسة اقتصادية عملية. ويعني ذلك حصر حقوقه الخارجية، وتقييمها، واسترجاع ما يمكن استرجاعه، وإعادة استثمار ما يمكن إحياؤه، وفي الوقت نفسه حماية ما تبقى من منشآته وأصوله داخل البلاد.
فالدولة التي لا تعرف قيمة ممتلكاتها القديمة قد تفقدها مرتين. مرة حين تتعطل، ومرة حين تنسى أنها تملكها.
والحفاظ على الإرث الصناعي العراقي لا يعني التمسك بالماضي. بل يعني تحويل ما بناه العراقيون في الماضي إلى حقوق وأصول وخبرات يمكن أن تخدم اقتصاد العراق في المستقبل.
المصادر والبيانات
- البنك الدولي – International Development Association، تقرير مشروع ميناء مقديشو الرابع، يونيو/حزيران 1978: وثّق إنشاء العراق والصومال المصفاة بصورة مشتركة على بعد نحو 15 كيلومتراً من مقديشو، وطاقة قدرها 500 ألف طن سنوياً، وخطة تشغيلها بفنيين عراقيين وتدريب الكوادر الصومالية في العراق.
- دراسة Somalia: A Country Study / قطاع الطاقة: استخدمت للتحقق من الطاقة التكريرية البالغة نحو 10 آلاف برميل يومياً، ومن اضطراب إمدادات النفط العراقي بعد اندلاع الحرب العراقية الإيرانية.
- وزارة النفط العراقية، 19 مارس/آذار و23 يونيو/حزيران 2017: بيانات رسمية عن منشآت المفتية وأعمال تفكيك الخزانات والأنابيب ونقل مكونات الموقع.
- تقارير عام 2025 المتعلقة بمصفاة الصومال: استخدمت لتوثيق إعادة طرح ملف المصفاة خلال الاتصالات العراقية الصومالية، وتفاصيل صيغة التمويل والشراكة المتداولة تاريخياً.
- تقارير صحفية عراقية عن ملف المفتية، 2019: استُخدمت حصراً لإثبات وجود تحقيقات وشكاوى وشبهات منشورة، لا لإثبات إدانة قانونية نهائية.
ملاحظة توثيقية: لم أعتمد بصورة جازمة رقم كلفة المشروع البالغ ثمانية ملايين دينار، ولا سعر الصرف التاريخي البالغ 3.5 دولارات للدينار، ولا واقعة «تأميم المصفاة» في أوائل الثمانينيات. فالمصادر المفتوحة التي أمكن التحقق منها لا تكفي وحدها لتثبيت هذه التفاصيل بدرجة الوثوق المطلوبة. والأفضل الرجوع إلى العدد 2370 من الوقائع العراقية لعام 1974، ونص الاتفاقية الأصلية، قبل اعتمادها في نسخة بحثية نهائية.


