العراق من دولةٍ مجاورة للحرب إلى جزءٍ من ساحتها: تداعيات التصعيد الإقليمي على السيادة العراقية

السيادة العراقية وتداعيات التصعيد الإقليمي
قراءة في تداعيات التصعيد الأمريكي الإيراني على العراق، بين الأجواء والقواعد الأمريكية والفصائل المسلحة ومعضلة السيادة الفعلية...

السيادة العراقية وتحوّل العراق إلى ساحة محتملة

في قراءة لتطورات التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، لا يمكن النظر إلى العراق بوصفه مجرد دولة مجاورة لمسرح المواجهة. بل يجب النظر إليه باعتباره إحدى أكثر الساحات تأثراً بأي انتقال جديد في مسار الحرب، وبما يفرضه ذلك من تداعيات مباشرة على السيادة العراقية.

فالعراق يمتلك موقعاً جغرافياً استثنائياً يجعله حلقة وصل بين الخليج وإيران وبلاد الشام. كما أن وجود المصالح والقواعد والقوات الأمريكية من جهة، وارتباط بعض الفصائل العراقية بمحور المقاومة من جهة أخرى، يجعله عرضة مباشرة لتداعيات أي تصعيد إقليمي.

ومن الناحية الاستراتيجية، فإن الحروب لا تبدأ دائماً بتوسع جغرافي مباشر. وإنما قد تتسع من خلال توسع بنك الأهداف وتعدد ساحات الرد.

وكلما طال أمد المواجهة الأمريكية الإيرانية، ازدادت احتمالية انتقالها من مواجهة ثنائية إلى صراع متعدد الساحات. وعندها تصبح المواقع العسكرية والمصالح والمنشآت الحيوية المرتبطة بأحد طرفي النزاع أهدافاً محتملة في دول أخرى.

وهنا تبرز خطورة الوضع العراقي بصورة أكبر من غيره.

السيادة الفعلية لا القانونية فقط

إن جوهر المشكلة بالنسبة إلى بغداد يتمثل في السيادة الفعلية، وليس السيادة القانونية فقط.

فالدولة العراقية تمتلك قانوناً ودستوراً ومؤسسات مسؤولة عن حماية أراضيها وأجوائها. لكن قدرة الدولة على فرض قرارها بصورة كاملة على المجالين الجوي والأمني تصبح موضع اختبار حقيقي، عندما تتحرك أطراف إقليمية ودولية داخل البيئة العراقية، أو تستخدمها في عمليات عسكرية متبادلة.

وتُعد الأجواء العراقية إحدى أبرز نقاط الضعف الاستراتيجية. فإذا أصبحت الأجواء العراقية مجالاً للعبور أو تنفيذ العمليات العسكرية من قبل أطراف خارجية، فإن بغداد تواجه معادلة شديدة التعقيد.

فمن جهة، هي مطالبة بالدفاع عن السيادة العراقية ومنع انتهاك أجوائها. ومن جهة أخرى، فإن أي محاولة لفرض السيطرة الكاملة على المجال الجوي، في ظل مواجهة إقليمية واسعة، قد تضع الدولة أمام مسؤوليات أمنية وسياسية وعسكرية كبيرة.

ويصبح ذلك أكثر حساسية، خصوصاً إذا كانت قدراتها الدفاعية لا تتناسب مع حجم التهديدات المحتملة.

القواعد الأمريكية ومعادلة الردع على الأرض

أما على مستوى الأرض، فإن وجود مواقع وقواعد ومصالح مرتبطة بالولايات المتحدة داخل العراق يجعل البلاد جزءاً من معادلة الردع الإقليمي بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

وفي المقابل، فإن امتلاك فصائل عراقية قدرات عسكرية، وإمكانية استخدامها للضغط على المصالح الأمريكية، يجعل الأراضي العراقية نفسها إحدى ساحات التأثير في المواجهة. ويحدث ذلك حتى لو لم تكن الحكومة العراقية طرفاً مباشراً في الحرب.

وهنا تظهر المعضلة الأساسية. فكلما ارتفع مستوى التصعيد، تقل المساحة المتاحة أمام الحكومة العراقية للحفاظ على سياسة النأي بالنفس.

فاستمرار الضربات والردود المتبادلة قد يدفع أطراف النزاع إلى توسيع تعريف الأهداف. وقد تتحول مواقع أو مصالح داخل العراق من عناصر هامشية في الصراع إلى عناصر أساسية في استراتيجية الضغط المتبادل.

والأخطر من ذلك أن استمرار التصعيد قد يؤدي إلى انتقال العراق من مرحلة التأثر بالحرب إلى مرحلة الانخراط غير المباشر فيها.

وهذه النقلة تحمل تداعيات كبيرة على الأمن الداخلي، والاستقرار السياسي، والاقتصاد، والطيران المدني، وحركة الاستثمار، والعلاقات الخارجية. كما قد تزيد الضغوط على الحكومة العراقية لاتخاذ مواقف أكثر وضوحاً تجاه أحد طرفي الصراع.

العراق كعنصر مؤثر في المعادلة الإقليمية

في الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل أن العراق قد يتحول إلى عنصر مؤثر في المعادلة الإقليمية، وليس مجرد ساحة تستقبل تداعياتها.

فالموقع الجغرافي، والحدود مع إيران، والقرب من الخليج، ووجود المصالح الأمريكية، إضافة إلى القدرات التي تمتلكها بعض القوى المسلحة، تجعل العراق ذا أهمية كبيرة في حسابات الردع والضغط لدى أطراف الصراع.

لذلك، فإن الحديث عن أن العراق قد يشكل خطراً على المصالح الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة يجب أن يُفهم ضمن المعادلة الاستراتيجية الأوسع.

فالمسألة لا تتعلق بالأراضي العراقية وحدها، وإنما بموقع العراق داخل شبكة الجغرافيا العسكرية والسياسية للشرق الأوسط.

وفي حال تحولت الأراضي العراقية إلى منصة للضغط أو الرد، فإن ذلك سيجعل بغداد أمام معادلة صعبة. وتتمثل هذه المعادلة في حماية السيادة العراقية، والحفاظ على الأمن الداخلي، ومنع استخدام العراق في عمليات عسكرية ضد دول أخرى.

تعقيد قرار الحرب والسلم داخل العراق

لكن، في المقابل، فإن تحميل الدولة العراقية وحدها مسؤولية كل ما يجري داخل أراضيها لا يعكس كامل تعقيدات المشهد.

فهناك تداخل بين مؤسسات الدولة، والقوى السياسية، والقوى المسلحة، والمصالح الدولية. وهذا التداخل يجعل قرار الحرب والسلم أكثر تعقيداً من مجرد قرار حكومي منفرد.

لذلك، فإن كل مرحلة جديدة من التصعيد الأمريكي الإيراني ستضع السيادة العراقية أمام اختبار جديد.

فإذا اتسعت الحرب، ستزداد الضغوط على بغداد لضبط أراضيها وأجوائها، ومنع استخدامها من أي طرف. وفي الوقت نفسه، ستزداد صعوبة تنفيذ هذا الدور ما لم تمتلك الدولة أدوات الردع والسيطرة الكافية.

الخطر الأكبر على العراق

إن أكبر خطر على العراق ليس فقط أن يصبح هدفاً في الحرب. بل أن يتحول تدريجياً إلى ساحة ثابتة من ساحات الصراع الإقليمي.

فالسيادة لا تُقاس فقط بامتلاك الحدود والاعتراف الدولي. وإنما تُقاس بقدرة الدولة على اتخاذ قرارها الأمني والعسكري، وحماية أجوائها وأراضيها، ومنع تحويلها إلى منصة للصراع بين القوى الإقليمية والدولية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *