تتغنى بأتاتورك وتوقع اتفاق العار؟ درسٌ في السيادة لمن نسوا التاريخ

الاتفاق الإطاري ودرس السيادة بين سيفر ولوزان
قراءة سياسية تقارن الاتفاق الإطاري بمعاهدة سيفر، وتستحضر درس أتاتورك في رفض التنازلات وحماية السيادة الوطنية...

الاتفاق الإطاري وسؤال السيادة

لو كان أتاتورك، الذي استشهدت بعظمته وصموده خلال زيارتك الأخيرة لتركيا، على قيد الحياة اليوم يا فخامة الرئيس جوزيف عون، لما توقف عند حدود الاستنكار.

بل لكان أول من انقلب عليك، وشكّل حكومة وطنية جديدة ترفض هذا الاتفاق الإطاري المذل، وتمزق التنازلات التي وُقعت في واشنطن كما مزّق هو معاهدة سيفر.

ولعل هذا التناقض الصارخ يوجب عليك اليوم اتخاذ مستشار تاريخي حقيقي إلى جانبك، قبل الاستشهاد برموز لم تفهم جوهر مواقفهم.

ففي عام 1920، حاصرت القوى الغربية الدولة العثمانية المتهالكة، وفرضت عليها معاهدة سيفر.

وكانت تلك الوثيقة قد صُممت خصيصاً لتقسيم الأراضي، وتجريد البلاد من سلاحها وسيادتها، وتحويلها إلى مجرد محمية خاضعة للإرادة الخارجية.

لكن التاريخ لا يصنعه من يوقّعون شروط الاستسلام، بل من يملكون الشجاعة لرفضها. فقد لم يرَ أتاتورك في سيفر سوى خيانة وطنية، وتجريد للشعب من كرامته.

لذلك أعلن عصيانه على القرارات المذلة، ورفض الاعتراف بالشرعية المزيفة التي وُقعت تحت الضغط. ثم أسس حكومة وطنية في أنقرة خاضت حرب الاستقلال.

وبفضل تلك الإرادة الصلبة، أُجبر العالم على إلغاء سيفر والقبول بمعاهدة لوزان بشروط الأقوياء. وهكذا أثبت أتاتورك للعالم أن الأوطان لا تُفتدى بالتنازلات، بل بالتثبت بالحق والسيادة.

من سيفر إلى الاتفاق الإطاري

واليوم، يكرر التاريخ نفسه بصورة أشد مرارة، عندما تحتضن واشنطن توقيع ما سُمي بـ الاتفاق الإطاري بين حكومة الرئيس جوزيف عون وإسرائيل، برعاية أمريكية.

ومهما حاولوا تغليف هذا الاتفاق بعبارات «إعادة الاستقرار» أو «تنظيم الترتيبات الأمنية»، فإن جوهره يظل مكشوفاً لكل من يقرأ التاريخ.

فهو ليس إلا مقايضة للسيادة، وجعلاً للانسحاب الإسرائيلي الشكلي والجزئي مشروطاً بقيود أمنية وسياسية تفرضها القوى الخارجية.

كما أنه يمثل تجريداً لمكامن القوة، عبر القبول ببنود تهدف إلى تحييد مقومات الردع وتكبيل أيدي الدولة.

ويأتي ذلك خضوعاً للإملاءات، وتوقيعاً كطرف يُملى عليه الحل تحت وطأة الضغوط، تماماً كما جرى في سيفر.

جوزيف عون والتناقض مع درس أتاتورك

إن أبشع صور التناقض السياسي هي أن يستشهد جوزيف عون بشخصية تاريخية استثنائية مثل أتاتورك، ثم يتخذ قرارات تمثل النقيض الكامل لسيرته.

فبينما رفض أتاتورك الاتفاقات المذلة في أحلك ظروف بلاده، وبنى شرعيته على الرفض القاطع للتنازل، أثمرت المفاوضات اليوم عن توقيع صك يرهن قرار الوطن.

كما يقدم التنازلات للعدو تحت شماعة البحث عن السلام.

ولو كان أتاتورك حاضراً في هذا المشهد، لكان أعلن بطلان الاتفاق الإطاري، واستنهض الإرادة الوطنية لإسقاط مسار المفاوضات الإملائية.

فالتاريخ لا يذكر من يوقعون وثائق الخضوع إلا في صفحات الانكسار. أما من يقاومون الإملاءات ويحفظون كرامة أراضيهم، فهم وحدهم من يكتبون المستقبل.

ويبقى درس سيفر شاهداً على أن الاتفاقات المذلة لا تصنع استقراراً، بل تصنع الثورات التي تسقطها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *