بعد انسحاب قوات التحالف الدولي: السيادة العراقية أمام امتحانها الأصعب ..

بعد انسحاب قوات التحالف الدولي السيادة العراقية أمام امتحانها الأصعب ..
يمثل انتهاء مهمة التحالف بداية لاختبار السيادة العراقية، التي تتطلب توحيد القرار الأمني وحصر السلاح، وتعزيز القدرات الدفاعية، وبناء علاقات خارجية متوازنة، وتحويل الثروة إلى تنمية واقتصاد متنوع يجعل الاستقلال السياسي أكثر استدامة...

في الأول من تشرين الأول 2026 ، يطوي العراق صفحة طويلة ارتبطت بوجود قوات التحالف الدولي على أراضيه ، ويفتح صفحة جديدة يتحمل فيها مسؤولية أمنه وقراره وسيادته بصورة كاملة .. إنها لحظة وطنية مهمة ، ليس لأنها تعلن نهاية مهمة عسكرية فحسب ، بل لأنها تضع العراق أمام استحقاق أكبر ، ماذا سيفعل بسيادته بعد أن أصبح القرار مسؤولية عراقية كاملة ؟

إن انتهاء مهمة التحالف لا ينبغي أن يُنظر إليها باعتبارها خاتمة لمرحلة فقط ، بل باعتبارها بداية لمرحلة جديدة عنوانها الدولة .. دولة تمتلك قرارها ، وتحمي حدودها ، وتصون أجواءها ، وتفرض قانونها ، وتحدد علاقاتها الخارجية وفق مصالحها الوطنية ، وتضع إمكاناتها وثرواتها في خدمة مستقبل شعبها ..

السيادة ليست مجرد خروج القوات الأجنبية .. السيادة تبدأ من امتلاك الدولة قرارها ، لكنها لا تنتهي عند ذلك . فالدولة ذات السيادة هي التي يكون فيها قرار الحرب والسلم بيد مؤسساتها الدستورية ، ويكون السلاح خاضعاً للقانون ، وتكون الحدود والأجواء والمياه الإقليمية تحت حماية مؤسساتها ، ولا تتحول أراضيها إلى ساحة لتصفية الحسابات أو منصة تهدد أمن العراق أو أمن جيرانه .. ولهذا فإن اليوم الأول بعد انسحاب قوات التحالف يمثل بداية اختبار حقيقي لقدرة الدولة العراقية على إدارة شؤونها الأمنية والسياسية بعيداً عن أي وصاية أو اعتماد دائم على الآخرين ..

امتحان السلاح وقرار الدولة ..

ولعل أكثر استحقاقات هذه المرحلة حساسية هو الانتقال من مبدأ حصر السلاح بيد الدولة إلى ترجمته واقعاً عملياً ، وفق الدستور وخارطة الطريق التي حددتها الحكومة ، وبسقف زمني لا يتجاوز 30 حزيران 2027 .. وهذا الاستحقاق لا ينبغي أن يتحول إلى معركة بين الدولة وأي طرف عراقي ، بل إلى مسار وطني هدفه توحيد المرجعية الأمنية والعسكرية ، بحيث يكون للعراق جيش وقوات أمنية ، وقرار أمني واحد ، ومرجعية دستورية واحدة .. لقد قاتل العراقيون الإرهاب وقدموا تضحيات جسيمة في أصعب مراحل تاريخهم الحديث ، ومن الإنصاف أن تتحول تلك التضحيات إلى دولة أكثر قوة واستقراراً ، لا إلى استمرار لحالة استثنائية فرضتها ظروف الحرب ..

سيادة تحتاج إلى دولة قوية ومقتدرة ..

دولة قادرة على حماية حدودها وأجوائها ومياهها ، وبناء مؤسساتها الأمنية والعسكرية ، وتطوير قدراتها الدفاعية ، وامتلاك الوسائل التي تمنع أي طرف من انتهاك أراضيها أو استخدام أراضيها للإضرار بالآخرين .. كما أنّ علاقات العراق الخارجية في هذه المرحلة يجب أن تقوم على قاعدة واضحة ، العراق دولة ذات سيادة ، لا يكون تابعاً لمحور ، ولا ساحة لصراع الآخرين ، ولا طرفاً في عداء لا يخدم مصالحه الوطنية .. إنّ الدولة القوية ليست الدولة التي تعادي الآخرين ، وإنما الدولة التي تعرف مصالحها ، وتحمي قرارها ، وتحترم سيادة غيرها ، وتطالب الآخرين باحترام سيادتها .

التنمية الوجه الآخر للسيادة ..

وهنا نصل إلى الوجه الآخر للسيادة ، وربما إلى الاختبار الذي يمس حياة العراقيين بصورة مباشرة .. التنمية .. فلا معنى لسيادة لا يشعر بها المواطن في أمنه ، ولا في معيشته ، ولا في خدماته ، ولا في مستقبله .. العراق الذي أنهكته الحروب والإرهاب والتدخلات الخارجية ، آن له أن ينتقل من دولة تنشغل بإدارة الأزمات إلى دولة تنشغل ببناء المستقبل .. وما دام العراق قد دخل مرحلة جديدة من الاستقلال في قراره الأمني ، فإن عليه أن يبدأ المرحلة نفسها في اقتصاده .. ثروات العراق يجب أن تتحول إلى كهرباء مستقرة ، وصناعة منتجة ، وزراعة متطورة ، وغاز مستثمر ، وبنية تحتية حديثة ، وفرص عمل حقيقية ، وخدمات تليق بالمواطن .. والنفط الذي كان لعقود المصدر الأساسي لإيرادات الدولة يجب أن يكون قاعدة لبناء اقتصاد متنوع ، لا سبباً لاستمرار الاقتصاد الريعي .. السيادة الاقتصادية لا تعني الانغلاق عن العالم ، بل تعني أن يكون العراق قادراً على إدارة ثرواته وموارده بما يخدم مصالحه ، وأن تكون علاقاته الاقتصادية والاستثمارية قائمة على الشراكة والمصلحة المتبادلة ، وأن لا تبقى حاجاته الأساسية رهينة لأي طرف خارجي .. ولهذا فإن معركة التنمية ليست ملفاً اقتصادياً منفصلاً عن مشروع السيادة ، إنها جزء منه ، فكل مصنع يُبنى ، وكل وحدة غاز تُستثمر ، وكل مشروع زراعي منتج ، وكل فرصة عمل تُخلق ، وكل دينار عام يُحمى من الهدر والفساد ، هو في النهاية لبنة في بناء دولة أكثر استقلالاً وقدرة على اتخاذ قرارها ..

اليوم الأول .. ومسؤولية المرحلة الجديدة

العراق اليوم أمام فرصة تاريخية .. فقد خرج من مرحلة طويلة كانت فيها الحرب والإرهاب والتحديات الأمنية تفرض نفسها على أولويات الدولة ، وبدأ مرحلة ينبغي أن يتقدم فيها البناء على الهدم ، والتنمية على الأزمات ، والمؤسسات على الاستثناءات ..

وهذه المرحلة تحتاج إلى دولة قوية بمؤسساتها ، موحدة بقرارها ، واثقة بعلاقاتها، وقادرة على حماية أمنها وسيادتها ، وفي الوقت نفسه قادرة على تحويل مواردها إلى تنمية وفرص ومستقبل .. إنّ الأول من تشرين الأول ليس يوماً للاحتفال بانسحاب قوات التحالف فحسب ، بل يوم لتذكير أنفسنا بأن السيادة مسؤولية مستمرة .. فالانسحاب يطوي صفحة ، أما بناء الدولة فيبدأ من اليوم .. السيادة دولة نعيش في ظلها ، ونشعر بقرارها وهيبتها ، ونلمس آثارها في أمننا واقتصادنا وحياتنا ومستقبل أبنائنا .. وهذا هو الامتحان الأصعب للعراق بعد انسحاب قوات التحالف .. أنّ يحوّل سيادته من عنوان سياسي إلى دولة حقيقية ، ومن قرار أمني إلى استقرار ، ومن ثروة إلى تنمية ، ومن مرحلة الحروب إلى مرحلة البناء والازدهار ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *