قانون جرائم المعلوماتية في العراق .. حماية للمجتمع أم تقييد للحريات .. (٢)

قانون جرائم المعلوماتية في العراق .. حماية للمجتمع أم تقييد للحريات .. (٢)
يناقش النص مضامين مشروع قانون جرائم المعلوماتية في العراق، مركزاً على دقة التعريفات، وتناسب العقوبات، والتوازن بين حماية أسرار الدولة وحرية التعبير، وضرورة مراجعة مواده دستورياً وتشريعياً...

ماذا يتضمن مشروع القانون ؟ وأين تبدأ الأسئلة الصعبة ؟

لا خلاف على حاجة العراق إلى قانونٍ رصين لمكافحة الجرائم الإلكترونية ، في مقدمتها الابتزاز والاحتيال والاختراق وسرقة البيانات وانتهاك الخصوصية .. فالتطور التكنولوجي أوجد جرائم جديدة تستوجب المواجهة القانونية ، كما أنّ حماية أمن الدولة ووثائقها السرية أصبحت ضرورة لا تقبل التهاون .. لكنّ مشروعية الهدف لا تعني بالضرورة سلامة كل النصوص المقترحة ، فالقانون قد يكون ضرورياً في غايته ، لكنه يحتاج إلى مراجعة دقيقة في مواده وصياغاته وعقوباته ، حتى لا تتحوّل معالجة الجرائم الإلكترونية إلى مدخل لتقييد الحريات العامة أو التضييق على حرية التعبير والصحافة ..

ماذا يتضمن مشروع القانون ؟

بحسب النسخة المنشورة من المشروع ، تتوزع موضوعاته على حماية البيانات والأنظمة الإلكترونية ، ومواجهة الاختراق والاحتيال والابتزاز الإلكتروني ، والتصدي للأفعال التي تنتهك خصوصية الأفراد ، فضلاً عن أحكام تتصل بالمحتوى المنشور عبر الوسائل الإلكترونية وما يمسّ أمن الدولة ومعلوماتها ووثائقها .. وهذه جميعاً موضوعات تستحق التشريع والمعالجة ، لكنّ الإشكالية لا تكمن في وجود نصوص تجرّم هذه الأفعال ، بل في مدى دقة تحديدها ، ووضوح حدود المسؤولية الجنائية ، والتناسب بين الفعل المرتكب والعقوبة المقررة له ..

أين تبدأ الأسئلة الصعبة ؟

تبدأ أولاً من التعريفات والعبارات القانونية .. فكلما كانت النصوص واضحة ومحددة ، ضاقت مساحة التأويل والاجتهاد ، وتراجعت احتمالات إساءة استخدامها .. أما العبارات العامة والفضفاضة ، فقد تفتح الباب أمام تفسيرات تتجاوز الغاية التي شُرّع القانون من أجلها ..

وتبرز ثانياً مسألة العقوبات والتناسب ، إذ ينبغي التمييز بين الجرائم التي تستهدف أموال المواطنين وخصوصيتهم وتهدد أمنهم ، وبين الأفعال الأقل خطورة  ، فليس من العدالة أن تُعامل الأفعال المختلفة في طبيعتها ونتائجها بمعيار واحد ، أو أن تتحوّل العقوبة إلى وسيلة للترهيب بدل الردع ..

أما المسألة الثالثة ، فتتعلق بالتوازن بين حماية أسرار الدولة وحق المجتمع في المعرفة .. فلا خلاف على تجريم التجسس وسرقة الوثائق السرية وتسريب المعلومات التي تهدد الأمن الوطني ، لكن يجب التمييز بوضوح بين هذه الأفعال وبين نشر معلومات تكشف الفساد أو تتصل بالمصلحة العامة .. فحماية أسرار الدولة لا ينبغي أن تصبح غطاءً لحجب الحقائق أو ملاحقة من يكشفون التجاوزات ..

وهنا تبرز أهمية الالتزام بالدستور العراقي ، ولا سيما المادة (38) التي تكفل حرية التعبير والصحافة والإعلام ، والمادة (46) التي تنظم حدود تقييد الحقوق والحريات .. فالتشريع المطلوب هو الذي يحمي المجتمع من الجريمة ، من دون أن ينتقص من الحقوق الدستورية للمواطنين ..

إنّ جوهر القضية ليس الاختيار بين الأمن والحريات ، بل بناء قانون يحقّق الاثنين معاً .. وهذا يتطلب مراجعة المشروع قانون جرائم المعلوماتية في العراق .. فهل هو حماية للمجتمع أم تقييد لحرياتة ، والاستماع إلى المختصين في القانون والأمن والتكنولوجيا والإعلام ، والاستفادة من ملاحظات الصحفيين ومنظمات المجتمع المدني ، قبل الوصول إلى الصيغة النهائية ..

فالعراق بحاجة إلى قانون فعّال يردع الجريمة الإلكترونية ويحمي المواطنين ومؤسسات الدولة ، لكنه بحاجة بالقدر نفسه إلى ضمانات تمنع إساءة تطبيقه .. وبين هذين الهدفين تتحدد قيمة القانون ، وتتضح مسؤولية مجلس النواب في تشريع نصوص دقيقة وعادلة لا تترك الحريات رهينة التفسيرات المتباينة ..

وفي الجزء المقبل ، سننتقل من الإطار العام إلى مواد المشروع نفسها ، لنبحث ما تتضمنه من أحكام ، وما تحتاج إليه من تعديل أو ضبط ، وصولاً إلى صيغة تشريعية تحقق الحماية المطلوبة من دون المساس بالحقوق والحريات التي كفلها الدستور ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *