العراق اليوم أمام فرصة لا يجوز أن تضيع .. فالمشروع الذي طرحه رئيس مجلس الوزراء السيد علي فالح الزيدي في نيويورك لا ينبغي أن يبقى مجرد خطاب أمام المجتمع الدولي ، بل يجب أن يتحول إلى مشروع دولة يُبنى داخل العراق ، وتُقاس نتائجه بقدرة الدولة على فرض القانون وحماية سيادتها واستعادة هيبتها .. الزيدي قالها بوضوح ، الدولة هي صاحبة القرار في السلم والحرب ، والسلاح وأدوات القوة يجب أن تكون بيد مؤسساتها الدستورية ، وأن استعادة هيبة القانون وتقوية مؤسسات الدولة تمثلان أساسًا لبناء دولة المؤسسات وحماية السيادة .. وهذه ليست عبارات سياسية عابرة ، بل هي الطريق الذي يحتاج العراق إلى أن يسلكه إذا أراد الانتقال من دولة تتعدد فيها مراكز القوة إلى دولة واحدة يكون فيها القرار الوطني صادرًا عن مؤسساتها الدستورية ..
وهنا تبدأ المعركة الحقيقية ..
فلا يمكن أن تكون هناك دولة قانون إذا كان النفوذ السياسي قادرًا على تعطيل القانون ، ولا يمكن أن تكون هناك دولة مؤسسات إذا تحولت بعض مؤسسات الدولة إلى ساحات للمحاصصة والمصالح الحزبية ، ولا يمكن أن تكون هناك سيادة مكتملة إذا بقيت قوة السلاح خارج القرار الرسمي للدولة .. ولا يمكن كذلك أن نتحدث عن دولة قوية بينما يبقى الفساد قادرًا على اختراق مؤسساتها ، أو يستطيع الفاسد حماية نفسه بنفوذه السياسي ، أو تتحول الوظيفة العامة إلى امتياز سياسي بدل أن تكون مسؤولية وطنية .. لذلك فإنّ دعم حكومة الزيدي في هذه المرحلة لا ينبغي أن يكون دعمًا لشخص رئيس الوزراء ، وإنما دعمًا لمشروع استعادة الدولة الذي أعلنته الحكومة ، وبدأت تضع له مسارات تنفيذية في الأمن والاقتصاد والإصلاح المؤسسي ومكافحة الفساد .. فالبرنامج الحكومي نفسه يضع تعزيز سيادة الدولة والأمن الوطني ، والإصلاح الاقتصادي والمالي ، والحوكمة والإصلاح المؤسسي ومكافحة الفساد ضمن أولوياته ، ويتحدث عن توحيد القرار الأمني وربط الموارد والقدرات بمنظومة الدولة الرسمية .. وهذا تحديدًا ما يحتاجه العراق اليوم ..
نحن لا نحتاج إلى حكومة تُرضي الجميع ، بل إلى حكومة تستطيع أن تحمي قرارها وتنفذ برنامجها ضمن الدستور والقانون .. ولا نحتاج إلى دولة قوية على المواطن وضعيفة أمام أصحاب النفوذ ، بل إلى دولة يكون فيها القانون معيار التعامل مع الجميع ، من أصغر موظف إلى أعلى مسؤول .. ولا نحتاج إلى مكافحة فساد تتوقف عند موظف صغير أو مسؤول هنا وهناك ، بينما تبقى المنظومة التي أنتجت الفساد بمنأى عن المساءلة ..
المعركة الحقيقية هي أن يصبح القانون أقوى من الفاسد ، والمؤسسة أقوى من الحزب ، وقرار الدولة أقوى من النفوذ .. ومن هنا تأتي أهمية أن تستكمل حكومة الزيدي مشروعها دون تردد ، وأن تجد في القوى السياسية الوطنية شريكًا في بناء الدولة ، لا طرفًا يحاول تعطيلها كلما اقتربت من منطقة المصالح والنفوذ .. وحصر السلاح بيد الدولة ليس ملفًا منفصلًا عن دولة القانون والسيادة ، إنه أحد أركانها الأساسية .. وقد أعلنت الحكومة أنّ إجراءاتها في هذا الاتجاه تستند إلى القانون والمصلحة الوطنية ، فيما أكدت في المحافل الدولية أن قرار السلم والحرب يجب أن يكون بيد مؤسسات الدولة .. وهذا الملف يحتاج إلى عقل الدولة ، وإلى الحوار ، وإلى التدرج ، لكنه يحتاج قبل كل شيء إلى ثبات القرار .. فالدولة التي تتراجع أمام الضغوط تفقد هيبتها ، والدولة التي تتردد في تطبيق القانون تفتح الباب أمام نفوذ أقوى منها .. أما الدولة التي تطبق القانون بعدالة ، وتحمي مواطنيها ، وتحفظ حقوق الجميع ، وتضع السلاح تحت سلطتها ، وتحارب الفساد بلا انتقائية ، فهي الدولة التي يمكن أن تستعيد ثقة شعبها واحترام العالم .. وهنا لا بد من القول إن حكومة الزيدي لا تستطيع أن تنجز هذا المشروع وحدها ..
إنّ بناء دولة القانون والسيادة مسؤولية الدولة بكل مؤسساتها ، الحكومة ، ومجلس النواب ، والقضاء ، والقوى السياسية ، والمؤسسات الأمنية ، والمؤسسات الدينية والمرجعية ، والمجتمع . وكل طرف يتراجع عن مسؤوليته في هذه المعركة سيجعل الحكومة وحدها في مواجهة تركة ثقيلة تراكمت طوال سنوات .. ولذلك فإنّ المرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة إسناد مشروع الدولة .. إسناد الحكومة عندما تتخذ قرارًا صحيحًا ، ومحاسبتها عندما تخطئ ، وتصحيح مسارها عندما تتعثر ، ولكن دون السماح بتحويل النقد إلى وسيلة لتعطيل الدولة أو إضعاف مؤسساتها ..
العراق لا يحتاج اليوم إلى صراع جديد بين العراقيين ، وإنما يحتاج إلى اتفاق وطني واضح على قاعدة واحدة ، لا سلطة فوق سلطة الدولة ، ولا قانون فوق القانون ، ولا سلاح خارج مؤسساتها ، ولا نفوذ فوق الدستور .. عندها فقط يصبح الحديث عن السيادة حديثًا عن واقع نعيشه ، لا شعارًا نحتفل به ..


