الـسيادة الـعراقية حـين تـتحول الـكلمة إلـى مـجرد كـلمة فـارغة وسـيل مـن الـتنازلات

الـسيادة الـعراقية حـين تـتحول الـكلمة إلـى مـجرد كـلمة فـارغة وسـيل مـن الـتنازلات
السيادة ليست شعاراً أو احتفالاً، بل قدرة الدولة على اتخاذ قرارها عبر مؤسساتها وفق مصالحها الوطنية. ويتطلب اكتمالها مؤسسات قوية واقتصاداً أقل تعرضاً للضغط، وأجهزة أمنية قانونية، وسياسة خارجية مستقلة عن الإملاءات الخارجية...

مـا معنى “السيادة”؟

ليس هذا السؤال ترفاً لغوياً ولا محاولة للبحث عن تعريف في قاموس سياسي ثم إغلاق الكتاب، إنّه سؤال ينبغي أن يُـطرح أمام كل سياسي عراقي يرفع شعار “السيادة” ويتحدث عن استقلال القرار وكل حكومة تحتفل أمام الكاميرات بما تسميه “إستعادة السيادة” فـ “السيادة” في معناها السياسي والقانوني ليست قصيدة وطنية ولا صورة تذكارية ولا احتفالاً سنوياً ولا كلمة تُـقال في خطاب رسمي ..

“السيادة” ببساطة شديدة: هي أن تكون الدولة صاحبة القرار في شؤونها وأن تكون إرادتها السياسية نابعة من مؤسساتها ومصالح شعبها لا من إرادة أمريكية، و(ميثاق الأمم المتحدة) واضح في هذا المجال فهو يقرر مبدأ المساواة السيادية بين الدول ويحمي استقلالها السياسي وسلامتها الإقليمية ويؤكد حقها في اختيار أنظمتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

فإذا كان هذا هو معنى “السيادة” في القانون الدولي فماذا بقي منها عندما يصبح القرار الوطني بحاجة إلى مباركة الإدارة الأمريكية حصراً؟

“السيادة” ليست أن تقول: “نحن دولة ذات سيادة” وإنما هي أن تستطيع التصرف كدولة ذات “سيادة” وهنا تكمن المشكلة العراقية، إذ أصبحت كلمة “السيادة” في بعض الخطاب السياسي العراقي لافتة متهرئة جوفاء تُـرفع في المناسبات بينما المطلوب هو: أن تتحول إلى سلوك سياسي، فما قيمة أن نقول إن العراق دولة ذات “سيادة” إذا كان السياسي العراقي يشعر أن الطريق إلى موقعه السياسي يمر عبر الإرادة الأمريكية؟

ما قيمة الحديث عن القرار الوطني المستقل إذا كان بعض أصحاب القرار يهرعون إلى أمريكا طلباً للقبول أو الدعم أو التزكية؟

ما معنى “السيادة” إذا أصبحت أمريكا طرفاً رئسياً مقرراً في تشكيل الحكومات أو في رسم حدود المقبول والمرفوض، أو في تحديد مَـن ينبغي أن يكون قريباً ومَـن ينبغي أن يكون بعيداً؟

هل “السيادة” أن تأتي التعليمات من أمريكا فتنفذها الطبقة السياسية حرفياً؟

لنكن أكثر صراحة: هل من “السيادة” أن ينتظر السياسي العراقي إشارة من الإدارة الأمريكية حتى يعرف ماذا يفعل؟ هل من “السيادة” أن تتحول التغريدة الصادرة من الأرعن (ترامب) إلى حدث سياسي في بغداد يهز أطراف وأرداف الإطار التنسيقي “أبو السيادة”؟ هل من “السيادة” أن يصبح تصريح مسؤول في واشنطن أكثر تأثيراً في المشهد العراقي من تصريح المؤسسة الدستورية العراقية؟ هل من “السيادة” أن يتنفس بعض السياسيين الصعداء عندما تصل شحنات الدولار من أمريكا مقابل بيع النفط العراقي بالقطارة وبالشروط الأمريكية؟

وماذا عن حديث “المصالح” و”المشاعر” و “السيادة”؟ هناك سؤال آخر أكثر حساسية إذ يقول بعض السياسيين: السياسة مصالح وليست مشاعر، نعم السياسة مصالح، لكن هل كل شيء قابل لأن يتحول إلى صفقة؟ هل تستطيع الدول أن تتعامل مع القضايا العقائدية والوجودية وكأنها مجرد بنود في عقد تجاري؟ هل يمكن أن نقول لشعبٍ ما إن موقفنا من قضية تؤمنون بها لم يعد مهماً لأن “المصلحة” اقتضت غير ذلك؟

إن المشكلة ليست في الاعتراف بالمصلحة، المشكلة في تعريف المصلحة نفسها، فالمصلحة الوطنية ليست فقط ما يحقق مكسباً سياسياً عاجلاً للحكومة أو الحزب أو الزعيم، المصلحة الوطنية تتصل بالأمن، والكرامة، والاستقلال، والهوية، والقضية الفلسطينية، وعلاقات العراق الإقليمية، وموقفه من قضايا العالم الإسلامي، ومصالح أجياله المقبلة ..

السياسة تحتاج إلى الواقعية نعم، لكن الواقعية لا تعني أن يتحول الإنسان إلى كائن بلا مبادئ، ولا أن تصبح الدولة مستعدة للتنازل عن كل شيء مقابل البقاء في السلطة.

ثم هل أصبحت المقاومة التي تبجح بها البعض ردحاً طويلاً من الزمن “يردح بها” منصباً حكومياً؟ هنا يصل السؤال إلى أكثر نقاطه حساسية: هل أصبحت المقاومة منصباً حكومياً حتى نقدم من أجلها التنازلات عن القيم والمبادئ والعقيدة وحتى بعض الأموال؟ وماذا عن دماء الشهداء؟ ماذا عن الضحايا والخسائر؟ ماذا عن الوقت الذي أضنى العراقيين طويلاً؟

أما كان من الأفضل أن تجلسوا مع الأمريكي من البداية وتتفاوضوا وتتقاسموا مع الآخرين “الكعكة” وترحموا الناس من مقاومتكم التي لم تكن مقاومة؟

“لو كوّنتم أنفسكم مادياً من المقاومة وهسة تريدون تحفظون مصالحكم بالتنازلات لأمريكا؟”

هذه الأسئلة ليست ترفاً،  إنها جوهر “السيادة” التي تتحدثون عنها وتحتفلون بها أمام الناس زوراً وبهتانا ..

“السيادة” تبدأ من الداخل قبل أن تُـعلن في الخارج “السيادة” لا تبدأ من البيت الأبيض الأمريكي أبداً ولا تبدأ من قائمة طويلة من التنازلات المذلة .. “السيادة” تبدأ من العراق .. تبدأ من قرار سياسي عراقي مستقل .. تبدأ من مؤسسات دولة قادرة .. تبدأ من اقتصاد لا يُـستعمل لإخضاع القرار .. تبدأ من جيش وأجهزة أمن تعمل وفق القانون .. تبدأ من حكومة تعرف مصالح العراق .. تبدأ من سياسي لا يرى نفسه ممثلاً للإرادة الأمريكية داخل العراق وإنما ممثلاً للعراق أمام العالم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *