حين يبدأ الكبار بتخزين الوقود.. اعلموا أن العالم يستعد لشيء أكبر

حين يبدأ الكبار بتخزين الوقود.. اعلموا أن العالم يستعد لشيء أكبر
تكشف تحركات القوى الكبرى لتأمين الوقود عن تصاعد مخاطر اضطراب إمدادات الطاقة والتجارة العالمية. ويواجه العراق تحديات مضاعفة تستدعي بناء احتياطيات استراتيجية، وتنويع منافذ التصدير، وتعزيز الأمن الغذائي والاقتصادي، وتحويل مفهوم السيادة من الشعارات إلى الجاهزية المؤسسية...

لا يفرح العراقي كثيراً وهو يسمع عن ارتفاع سعر برميل النفط الخام في الأسواق العالمية خلال الأيام القادمة، فليس كل ارتفاع في أسعار النفط يعني مكسباً للعراق، خصوصاً عندما تكون طرق التصدير مهددة والإمدادات مضطربة. وربما يجد العراقي نفسه أمام خطر اقتصادي ومعيشي أكبر مما يتصور، خطر يبدو أن الطبقة السياسية الجاثمة على صدره لا تدرك أبعاده كما ينبغي، وهي منشغلة بالاحتفالات بيوم السيادة، كلٌّ على طريقته!

الخطر الحقيقي الذي يهدد العراق والمنطقة والعالم يبدأ عندما تتوقف الدول الكبرى عن التفكير في الأسعار وحدها، وتبدأ بالتفكير في مخازنها واحتياطياتها من الطاقة.

انظروا إلى ما يحدث:

بدأت الصين بتقييد صادراتها من الوقود قبل أن تسمح باستئناف جزء منها. وبدأت الولايات المتحدة بالضغط على حلفائها الأوروبيين، ولا سيما ألمانيا وفرنسا، للإفراج عن كميات من مخزونات الديزل الاستراتيجية. أما أوروبا، فقد وجدت نفسها أمام حسابات معقدة تتعلق بأمن الإمدادات وحماية مخزوناتها والاستعداد لفصل الشتاء، في وقت لم تعد فيه حركة الملاحة عبر مضيق هرمز إلى طبيعتها المستقرة.

هذه ليست أخباراً اقتصادية متناثرة، وإنما إشارات سياسية واقتصادية ينبغي أن تُقرأ مجتمعة من ذوي العقول، لأن ما يجري في أسواق الطاقة يكشف عن حجم القلق الذي تعيشه الدول الكبرى بشأن استمرار الإمدادات خلال المرحلة المقبلة.

الصين، التي تعرف جيداً معنى أن تكون الدولة رهينة لإمدادات الطاقة الخارجية، اتجهت مطلع تشرين الأول إلى تعليق شحنات من المنتجات النفطية، وألغت بعض صادرات البنزين ووقود الطائرات التي كان مقرراً تسليمها خلال الشهر الجاري، في إطار الحرص على حماية الإمدادات المحلية. ورغم استئناف الموافقات على بعض الصادرات بعد عطلة الأسبوع الذهبي، فإن بكين أصبحت تدير هذه الشحنات بحذر أكبر، وفق حسابات المخزون والإنتاج وحاجات السوق الداخلية.

واللافت أن الصين سبق أن استخدمت هذه الأداة في أوقات الأزمات، فهي تقلص الصادرات عندما ترى أن أمن الطاقة الداخلي يحتاج إلى أولوية، ثم تخفف القيود عندما تتحسن الظروف. وهنا تتجسد المعادلة الصينية ببساطة:

«أمّن بيتك أولاً، ثم انظر إلى السوق».

أما أمريكا، فتتحرك وفق منطق مصالحها، وتمارس ضغوطاً مباشرة على حلفائها الأوروبيين للإفراج عن جزء من الاحتياطيات الاستراتيجية للديزل، بهدف زيادة المعروض وكبح الأسعار. وقد وصل الأمر إلى التلويح بتقييد صادرات الديزل الأمريكية إذا لم تستجب بعض الدول الأوروبية لهذه المطالب.

وهذه الضغوط تكشف جانباً من التناقض في العلاقات الاقتصادية بين الحلفاء أنفسهم. فالولايات المتحدة تريد تخفيف الضغط عن سوق الوقود وأسعاره، بينما تخشى الدول الأوروبية استنزاف احتياطيات تحتاج إليها لمواجهة أي اضطراب جديد، خصوصاً مع اقتراب موسم الشتاء واستمرار المخاطر التي تهدد الإمدادات.

وهنا يصبح السؤال أكثر أهمية من سعر الوقود نفسه: لماذا بدأت الدول الكبرى تتعامل مع مخزوناتها الاستراتيجية باعتبارها أداة من أدوات إدارة الصراع الاقتصادي؟

الجواب أن الاحتياطيات لم تعد مجرد خزانات مخصصة للطوارئ، وإنما أصبحت وسيلة للتأثير في السوق وامتصاص الصدمات وتوفير الوقت أمام الحكومات عندما تتعرض سلاسل الإمداد للخطر. والدولة التي تمتلك مخزوناً كافياً تستطيع أن تتعامل مع الأزمة بهدوء أكبر، بينما تجد الدولة التي تفتقر إلى البدائل نفسها مضطرة إلى شراء احتياجاتها مهما ارتفعت الأسعار.

النفط ليس وحده في المعركة.

فالمشكلة أن كثيرين ينظرون إلى النفط باعتباره سلعة تنتهي قصتها عند محطة الوقود، بينما الحقيقة أن تأثيره يمتد إلى معظم مفاصل الحياة الاقتصادية.

فالديزل يدخل في تشغيل الشاحنات التي تنقل الغذاء، والمعدات المستخدمة في الزراعة، والآلات الصناعية، ووسائل النقل والخدمات اللوجستية. كما تؤثر أسعار الطاقة عموماً في تكاليف الشحن والإنتاج والتخزين، وقد تتزامن اضطرابات الإمدادات مع ارتفاع أقساط التأمين البحري وتكاليف النقل التجاري.

ولهذا فإن ارتفاع أسعار الديزل لا يعني أن صاحب المركبة سيدفع أكثر فقط، وإنما يعني أن كلفة إنتاج السلع ونقلها قد ترتفع أيضاً.

القمح قد يصبح أغلى، والخضروات أغلى، والنقل أغلى، والإنتاج أغلى، والشحن والتأمين أغلى.

وهنا تبدأ الأزمة الحقيقية:

النفط يتحول إلى وقود، والوقود يتحول إلى كلفة، والكلفة تنتقل إلى الأسعار، والأسعار تتحول في النهاية إلى ضغط على مائدة المواطن.

والأخطر أن هذه الزيادات لا تنتقل إلى جميع السلع بالنسبة نفسها، لكنها تتراكم عبر حلقات الإنتاج والتجارة والتوزيع. فقد يتحمل المنتج جزءاً منها، وينقل التاجر جزءاً آخر إلى المستهلك، ومع استمرار الأزمة يصبح من الصعب المحافظة على الأسعار السابقة.

أما مضيق هرمز، فهو العقدة الأخطر في معادلة الطاقة العالمية.

فعندما يدخل هذا المضيق في دائرة الصراع، فإن العالم لا يتعامل مع نقطة جغرافية عادية، وإنما مع أحد أهم الممرات البحرية لتجارة النفط والغاز. وقد كان يمر عبره قبل الحرب ما يقارب خُمس الاستهلاك العالمي للنفط، الأمر الذي يوضح حجم المخاطر الناتجة عن تعطّل الملاحة فيه. ورغم عودة بعض الشحنات عبر المضيق، فإن استمرار التهديدات والهجمات على السفن يبقي الإمدادات عرضة للاضطراب.

ولذلك فإن استمرار التوتر في هرمز لا يعني فقط احتمال ارتفاع سعر البرميل، وإنما يطرح على الدول أسئلة أصعب بكثير:

من يمتلك مخزوناً استراتيجياً كافياً؟ ومن لديه طرق بديلة للاستيراد والتصدير؟ ومن يستطيع تحمل ارتفاع تكاليف الطاقة؟ وأي الدول ستكون أكثر قدرة على حماية أسواقها إذا اشتد التنافس على الإمدادات؟

هنا يصبح الاحتياطي الاستراتيجي أهم من حركة الأسعار اليومية، وتصبح خزانات الوقود أكثر أهمية من التصريحات السياسية، وتصبح قدرة الدولة على الصمود الاقتصادي أهم من قدرتها على الحديث عن الصمود.

ومن النفط نصل إلى رغيف الخبز.

فأزمة الطاقة لا تعمل بمعزل عن الأمن الغذائي. المزارع يحتاج إلى الوقود، والمصنع يحتاج إلى الطاقة، والشاحنة تحتاج إلى الديزل، والسفينة تحتاج إلى الإمدادات، والميناء يحتاج إلى استمرار الحركة التجارية، والسوق يحتاج إلى انتظام هذه السلسلة حتى يصل الغذاء إلى المواطن.

وإذا تعطلت إحدى هذه الحلقات، تأثرت الحلقات الأخرى بدرجات متفاوتة. أما إذا امتد الاضطراب إلى الإنتاج والنقل والتجارة معاً، فلن تبقى القضية مجرد أزمة طاقة، وإنما قد تتحول إلى أزمة معيشية أشمل.

وهنا ستظهر آثارها بصورة أشد على الاقتصادات التي تعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد، والعراق نموذج واضح لذلك.

فالعراق، رغم كونه بلداً نفطياً، يعتمد على الخارج في توفير جانب واسع من احتياجاته الغذائية والصناعية والدوائية، ويحتاج إلى حركة تجارية مستقرة وعملات أجنبية لتمويل هذه الواردات. وعندما ترتفع تكاليف الشحن والتأمين والطاقة، تزداد فاتورة الاستيراد، وقد تنتقل الضغوط إلى أسعار السلع المحلية.

لكن مشكلة العراق أكثر تعقيداً، لأنه لا يتأثر بارتفاع تكاليف الاستيراد وحدها، وإنما يتعرض أيضاً لمخاطر تعطل تصدير النفط الذي يمثل المصدر الرئيس لإيرادات الدولة. ولذلك قد ترتفع الأسعار العالمية من دون أن تتمكن الخزينة العراقية من الاستفادة الكاملة منها إذا انخفضت الكميات المصدرة.

وهذه معادلة خطيرة ينبغي أن يفهمها المسؤولون جيداً: ليس المهم كم يبلغ سعر البرميل في الأسواق العالمية، وإنما كم يستطيع العراق أن يصدر فعلياً، وكم يحصل من إيرادات، وما مقدار الزيادة في تكاليف السلع والخدمات التي يحتاج إليها المواطن.

إن ارتفاع سعر النفط في ظروف الحرب لا يمثل بالضرورة فرصة اقتصادية، فقد يتحول إلى مؤشر على أزمة أوسع تضرب التجارة والإنتاج والأسواق.

والأزمات، يا أهل السيادة في العراق، لا تُدار بالمؤتمرات والندوات والاحتفالات والخطابات الحماسية، ولا بالتباهي بالشعارات وادعاء المقاومة، بينما تستمر الحسابات السياسية والمصالح والمناصب في السيطرة على القرار!

الأزمات تُدار بالاستعداد الحقيقي قبل وقوعها، وببناء احتياطيات استراتيجية من الغذاء والدواء والوقود، وتنويع مصادر الطاقة وطرق الإمداد والتصدير، وحماية الأسواق من المضاربة والاحتكار، وتقليل نقاط الضعف التي تجعل أي اضطراب خارجي يتحول إلى أزمة داخلية.

والعراق تحديداً يحتاج إلى التعامل مع أمن الطاقة باعتباره جزءاً من الأمن الاقتصادي والوطني، لا مجرد مسألة تتعلق بإنتاج النفط وبيعه. فامتلاك الاحتياطيات الكافية، وتطوير قدرات التكرير والخزن، وتوسيع منافذ التصدير، وتأمين سلاسل توريد السلع الأساسية، كلها متطلبات لا تقل أهمية عن زيادة الإنتاج النفطي.

أما انتظار الأزمة حتى تقع، ثم البحث عن حلول مؤقتة تحت ضغط الحاجة والخوف، فهو تكرار للأخطاء التي دفع العراقيون ثمنها مراراً.

«والسيادة يمكم يا جماعة السيادة!»

فما قيمة السيادة إذا كان البلد لا يمتلك القدرة الكافية على حماية إمداداته الأساسية؟ وما قيمة الشعارات إذا أصبح تأمين الغذاء والدواء والوقود رهناً بتطورات لا يستطيع التأثير فيها؟

العالم يدخل مرحلة يمكن وصفها بمرحلة «أنا أولاً».

وربما تكون هذه من أخطر الإشارات التي ينبغي الانتباه إليها. فعندما يكون العالم مستقراً، تتحدث الدول عن الأسواق المفتوحة والتجارة الحرة والتعاون الدولي وتبادل المصالح. لكن عندما تبدأ الأزمات الكبرى، تتغير الأولويات، وتنظر كل دولة أولاً إلى خزائنها واحتياطياتها وحاجات شعبها، ثم تتحرك لحماية مصالحها حتى لو تعارض ذلك مع مصالح حلفائها وشركائها التجاريين.

وما يجري اليوم في أسواق الطاقة يقدم مثالاً واضحاً على هذا السلوك. الصين تضع أمن إمداداتها في المقدمة، وأمريكا تضغط لتوفير الوقود وخفض أسعاره، وأوروبا تحاول الموازنة بين احتياجات السوق والمحافظة على احتياطياتها.

الجميع يحسب حساب الغد، والجميع يبحث عن أدوات تحمي اقتصاده إذا طالت الأزمة.

أما في العراق، فلا يزال بعض الساسة منشغلين بحديث المصالح والشعارات والاصطفافات، وكأن السيادة تتحقق بمجرد إعلانها، وكأن الأمن الاقتصادي يمكن ضمانه بالخطب والاحتفالات، بعيداً عن التخطيط والمسؤولية والاستعداد لمواجهة الاحتمالات الصعبة.

إن ما يحدث لا يعني بالضرورة أن الدول الكبرى تعرف موعد كارثة قادمة أو تمتلك معلومات سرية عن تطورات حتمية، لكنه يكشف أنها تتعامل مع احتمالات استمرار الاضطراب بجدية، وتستعد لسيناريوهات قد تكون أكثر كلفة إذا لم تُتخذ الإجراءات اللازمة في الوقت المناسب.

وهذا تحديداً ما ينبغي أن يدفع العراق إلى مراجعة حساباته. فالدولة التي تعتمد على النفط لتمويل موازنتها، وعلى الاستيراد لتأمين احتياجاتها، وعلى ممرات بحرية معرضة للتوتر لتصريف صادراتها، لا تستطيع أن تتعامل مع هذه التحولات باعتبارها أحداثاً بعيدة عنها.

فالمشكلة ليست في ارتفاع سعر النفط أو انخفاضه وحده، وإنما في قدرة الدولة على حماية اقتصادها ومواطنيها عندما تضطرب الأسواق وتُغلق الطرق وتشتد المنافسة على الموارد.

إن السؤال الذي ينبغي أن يشغل العراقي في هذه المرحلة ليس: كم سيصبح سعر برميل النفط؟

وإنما: ماذا يعرف الكبار عن مخاطر الغد، ولماذا يستعدون لها بينما لا نزال نحن منشغلين بالاحتفال بالسيادة والحديث عنها؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *