الحكومة العراقية وفرض السيادة في ضوء التجاذبات الإقليمية

الحكومة العراقية وفرض السيادة في ضوء التجاذبات الإقليمية
لا يتحقق حصر السلاح بالشعارات وحدها، بل ببناء دولة قادرة على حماية أراضيها وأجوائها ومؤسساتها، وإنهاء الاعتماد الأمني الخارجي، وتعزيز قدراتها الدفاعية، وضمان أن يكون قرار الحرب والسلم والسياسة الخارجية عراقياً مستقلاً...

تجد الحكومة العراقية نفسها أمام اختبار بالغ التعقيد في مسألة فرض سيادة الدولة واحتكارها للقوة، في وقت تتقاطع فيه على الساحة العراقية مصالح إقليمية ودولية متعارضة، وتزداد فيه تداعيات الحرب الإقليمية انعكاساً على الأمن العراقي وقدرة الدولة على حماية أراضيها ومؤسساتها.

فمن جهة، تبدو هناك رغبة واضحة لدى الحكومة في تثبيت مبدأ حصر السلاح واحتكار استخدام القوة بيد الدولة، باعتباره أحد أهم مرتكزات السيادة وأسس بناء الدولة الحديثة. وهذا التوجه، من حيث المبدأ، لا يتعلق فقط بالسلاح الموجود خارج المؤسسات الرسمية، وإنما يرتبط بصورة أوسع بقدرة الدولة على اتخاذ قراراتها الأمنية والعسكرية بصورة مستقلة، ومنع تحويل الأراضي العراقية إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.

غير أن تحقيق هذا الهدف يصطدم بإشكالية أكثر تعقيداً: كيف يمكن مطالبة القوى العراقية بحصر السلاح بيد الدولة، في الوقت الذي لا تزال فيه الدولة نفسها تواجه عجزاً أو حرجاً في التعامل مع انتهاكات تطال أراضيها ومواقعها الرسمية؟

وتبرز هنا العلاقة مع الولايات المتحدة بوصفها أحد أبرز عناصر الإشكالية. فالحكومة العراقية مطالبة بترسيخ احتكار الدولة للقوة، في وقت تواجه فيه التزامات أميركية يفترض أن تقود إلى إنهاء الوجود العسكري في العراق بحلول نهاية أيلول المقبل، فضلاً عن ضرورة ضمان عدم تكرار استهداف المواقع الرسمية العراقية، واحترام السيادة العراقية وعدم تحويل الأراضي العراقية إلى جزء من الصراع الإقليمي.

ولا تقف المشكلة عند الوجود العسكري وحده، بل تمتد إلى ملف التسليح والتجهيز. فالعراق، في ظل تصاعد المخاطر الأمنية واتساع نطاق الحرب الإقليمية، يحتاج إلى جيش قادر على حماية المجال الجوي والحدود والمنشآت الحيوية، وإلى منظومات دفاع جوي ووسائل رصد وتسليح وذخائر تتيح للدولة ممارسة سيادتها بصورة فعلية، لا أن تبقى السيادة مجرد مبدأ سياسي وقانوني.

وهنا تظهر إحدى أكثر المفارقات حساسية في المشهد العراقي: احتكار القوة يحتاج إلى قوة قادرة على حماية الدولة. فإذا كانت الدولة تريد أن يكون السلاح حصراً في يد مؤسساتها، فإن عليها في المقابل أن تمتلك القدرة العسكرية التي تجعل هذه المؤسسات قادرة على أداء وظيفتها في الدفاع عن البلاد.

ومن الصعب إقناع الأطراف العراقية كافة بالتخلي عن أدوات القوة التي تمتلكها، إذا كانت الدولة لا تستطيع أن توفر بديلاً أمنياً وعسكرياً كافياً، أو إذا ظلت أجواؤها وأراضيها عرضة للاختراق والاستهداف من أطراف خارجية.

لذلك فإن مشروع فرض السيادة لا يمكن اختزاله في شعار حصر السلاح بيد الدولة، مهما كانت أهمية هذا الشعار، بل ينبغي أن يترافق مع مشروع متكامل لاستعادة القرار الوطني في ملفات الأمن والدفاع والعلاقات الخارجية، وبناء قدرات عسكرية مستقلة، وتوفير منظومات دفاع جوي متقدمة، وتعزيز قدرة القوات العراقية على حماية الحدود والأجواء والمنشآت الحيوية.

وفي هذا السياق، فإن إنهاء الوجود العسكري الأميركي وفق الجداول والاتفاقات المعلنة لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مجرد انسحاب لقوات أجنبية، وإنما بوصفه اختباراً لقدرة الدولة العراقية على الانتقال من مرحلة الاعتماد الأمني إلى مرحلة المسؤولية الكاملة عن أمنها.

كما أن احترام السيادة لا ينبغي أن يكون مطلباً موجهاً إلى طرف دون آخر. فالعراق، وهو يسعى إلى ضبط السلاح داخلياً، يحتاج كذلك إلى موقف واضح تجاه جميع الأطراف الإقليمية والدولية التي يمكن أن تستخدم أراضيه أو أجواءه أو تستهدف مؤسساته ومصالحه من دون موافقة الدولة العراقية.

إن المعادلة التي تواجه بغداد اليوم تقوم على ثلاثة مسارات مترابطة: احتكار الدولة للقوة، استقلال القرار الوطني، وقدرة الدولة على حماية سيادتها. ولا يمكن تحقيق أحدها بصورة مستقرة من دون الآخر.

فالدولة التي لا تحتكر السلاح تواجه مشكلة في سيادتها، والدولة التي لا تستطيع حماية أراضيها تواجه مشكلة في قدرتها على احتكار القوة، والدولة التي تعتمد في أمنها على قوى خارجية تجد نفسها أمام قيود على استقلال قرارها.

ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي أمام الحكومة العراقية ليس فقط في إصدار المواقف المتعلقة بحصر السلاح، وإنما في تحويل هذا المبدأ إلى واقع سياسي وأمني متكامل. وهذا يتطلب سياسة خارجية أكثر توازناً، وعلاقات تقوم على المصالح المتبادلة، وإعادة بناء القدرات الدفاعية العراقية، والتعامل مع الالتزامات الدولية باعتبارها التزامات متبادلة لا التزامات أحادية الجانب.

وفي خضم التجاذبات الإقليمية الراهنة، ربما تكون اللحظة الراهنة فرصة لإعادة تعريف مفهوم السيادة العراقية بصورة أكثر شمولاً: السيادة ليست فقط أن تمنع الدولة السلاح خارج مؤسساتها، وإنما أن تمتلك الدولة القدرة والإرادة على حماية أرضها وأجوائها ومؤسساتها، وأن يكون قرار الحرب والسلم والسياسة الخارجية قراراً عراقياً قبل أي شيء آخر.

وبقدر ما تنجح الحكومة في الجمع بين هذه العناصر، يصبح حصر السلاح نتيجة طبيعية لبناء دولة قوية، لا مجرد إجراء سياسي منفصل عن البيئة الأمنية والعسكرية التي تحيط بالعراق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *