تستعد القوات الأمريكية لمغادرة العراق بينما تخوض واشنطن مواجهة مع إيران تمتد آثارها إلى القواعد العسكرية والممرات البحرية ومنشآت الطاقة في الخليج. هذا التزامن يمنح الانسحاب دلالة تتجاوز العلاقة بين بغداد وواشنطن: كيف تعيد الولايات المتحدة توزيع قوتها في المنطقة؟ وهل يؤدي خروجها من العراق إلى تخفيف التصعيد، أم إلى نقل أعبائه نحو دول ومواقع أخرى؟
تقدّر هذه الورقة أن الانسحاب، إذا اكتمل وفق الموعد المعلن في الثلاثين من أيلول، سيكون تحولًا مهمًا في جغرافيا الانتشار الأمريكي، لكنه لا يكفي لإثبات تراجع التواجد العسكري الأمريكي بالمنطقة. فالمعطيات المتاحة تشير إلى تقليص التعرض المباشر داخل العراق، مع الاحتفاظ بأدوات التدخل والضغط من خارجه. أما النتيجة الإقليمية، فستتوقف على مسار الحرب مع إيران، وشروط الدول المضيفة للقوات، وقدرة بغداد على ضبط استخدام أراضيها.
ما الذي يعنيه الانسحاب عسكريًا؟
ينبغي أولًا ضبط نطاق الحدث. ففي تموز/يوليو، أكدت تصريحات أمريكية وعراقية أن القوات الأمريكية ستغادر العراق بنهاية أيلول. وحتى تاريخ إعداد الورقة، يبقى اكتمال المغادرة وترتيباتها النهائية أمرًا يحتاج إلى التحقق بعد الموعد المحدد. وفي تقريرها الصادر في 15 أيلول، نقلت أسوشيتد برس عن مسؤول عسكري أمريكي أن القوات المتبقية في شمال العراق سيعاد نشر معظمها في الأردن ودول أخرى بالمنطقة، وأن معدات، بينها منظومات دفاع جوي، ستغادر أيضًا. وربط المسؤول الخطوة بتقليل تعرض القوات للهجمات، مع إبقاء احتمال اتفاق تعاون أمني ثنائي لاحق مفتوحًا. وهذه إفادة منسوبة إلى مسؤول غير مسمى، وليست جدول انتشار تفصيليًا معلنًا.
أما الحلفاء، فلا يشكل وجودهم مهمة واحدة ذات موعد خروج موحد. وأبرز ما يجب تمييزه هو بعثة الناتو في العراق، وهي مهمة استشارية غير قتالية منفصلة عن التحالف الدولي. وبحسب الحلف، نُقل جميع أفرادها من بغداد إلى قيادة القوات المشتركة في نابولي في آذار/مارس 2026، بسبب الوضع الأمني، مع استمرار المهمة من هناك. مغادرة أفراد البعثة، إذن، لم تعنِ إلغاء دورها المؤسسي.
عسكريًا، يجري التحول على أربعة مستويات مترابطة: يتعلق الأول بقوات التحالف داخل العراق، حيث تنتهي المهمة ويُنهى الانتشار المرتبط بها وفق الترتيبات المعلنة، مع بقاء التعاون العسكري الثنائي خاضعًا لاتفاقات منفصلة.
ويتصل المستوى الثاني بالأفراد والمعدات الأمريكية . فمغادرة المواقع العراقية قد تتبعها إعادة انتشار في دول أخرى، بما يسمح باستمرار بعض وظائف الإسناد والتدخل من خارج العراق. لذلك، لا تعني المغادرة بالضرورة خروج هذه القدرات من الشرق الأوسط.
أما المستوى الثالث فيخص بعثة الناتو الاستشارية، التي نقلت أفرادها إلى نابولي مع استمرار مهمتها من هناك. وهذا يوضح أن إنهاء الوجود الميداني قد يترافق مع استمرار الدور الاستشاري والمؤسسي.
ويتعلق المستوى الرابع بالمنشآت ومهام الإسناد . فتسليم المواقع إلى السلطات العراقية يقتضي تحديد المسؤوليات والقدرات التي ستتولاها، ولا يعني تلقائيًا انتقال جميع المعدات أو منظومات الحماية إليها. ومن هنا تبرز أهمية معرفة ما سيُسلَّم، وما سيُسحب، وما يحتاج العراق إلى توفير بديل عنه.
ولا تتوافر في المصادر المستخدمة قائمة نهائية شاملة بأعداد أفراد كل دولة، ومصير جميع المعدات، وترتيبات المستشارين والمتعاقدين وحماية البعثات. لذلك، فإن وصف الحدث بأنه نهاية لكل حضور عسكري غربي في العراق يتجاوز ما يمكن إثباته.
التوقيت: اتفاق سابق تنفّذه واشنطن تحت ضغط حرب جديدة
بدأ المسار المعلن لإنهاء مهمة التحالف في اتفاقات عام 2024، قبل الحرب الأمريكية الإيرانية الحالية. وقد فرّقت الخطة الأصلية بين إنهاء مهمة التحالف في العراق بحلول أيلول 2025، واستمرار دعم العمليات ضد داعش في سوريا من العراق خلال مرحلة ثانية حتى أيلول 2026 على الأقل، مع التوجه إلى علاقات أمنية ثنائية. لذلك لا يصح تفسير أصل الانسحاب بوصفه نتيجة للحرب وحدها.
لكن الحرب غيّرت البيئة التي يُنفذ فيها الاتفاق. فالموقع العسكري الذي خدم مهمة مكافحة داعش أصبح يُقيّم أيضًا وفق كلفة حمايته، وإمكان استهدافه، وقيمته في المواجهة مع إيران.
ويقدم تقرير المفتش العام الأمريكي عن عملية «الغضب الملحمي»، الذي يغطي نيسان–حزيران 2026، دليلًا مهمًا: فقد أفاد بأن القيادة المركزية وزعت القوات على مواقع متعددة، شملت مواقع تمركز جديدة، لتقليل قابلية استهدافها والحفاظ على القدرة القتالية. كما سجل انتشار أكثر من خمسين ألف عسكري أمريكي في نطاق مسؤولية القيادة دعمًا للعملية خلال الفترة التي يغطيها؛ وهو رقم تاريخي لتلك الفترة، وليس تعدادًا مؤكدًا لقوات أيلول.
تدعم هذه المعطيات قراءة الانسحاب العراقي باعتباره جزءًا من مراجعة العلاقة بين فائدة التمركز وكلفته. ومع ذلك، لا تثبت أن كل خطوة في الخروج صُممت لخدمة الحرب مع إيران؛ فالقرار نتاج تداخل الاتفاق السابق، والحسابات العراقية، واعتبارات حماية القوات.
مستقبل الحضور الأمريكي: قدرة على التدخل مع انتشار مختلف
يمنح الخروج من العراق واشنطن فرصة لتقليص عدد المواقع التي تحتاج إلى حمايتها. لكنه يفرض عليها، في المقابل، الاعتماد بدرجة أكبر على الوصول إلى مواقع بديلة، واستمرار موافقة الدول المضيفة في المنطقة، وكفاءة الإسناد من خارج العراق.
وهذا يوضح الفرق بين تقليص الانتشار وتقليص النفوذ العسكري. فالقدرة على العمل الإقليمي تشمل الطيران والقوات البحرية والاستطلاع والإسناد وشبكات الشراكة، إلى جانب القوات المتمركزة برًا. وقد وصف التقرير الرقابي الأمريكي الحرب بأنها قامت على دمج قدرات جوية وبرية وبحرية وسيبرانية وفضائية، وتوسيع الوصول إلى مواقع التمركز. لكن استدامة هذا النموذج تظل مرتبطة بكلفته وقبول الشركاء به.
وعليه، فالاستنتاج الأرجح هو اتجاه نحو حضور أكثر انتقائية في المواقع والمهام. ويمكن أن يتزامن تقليل القوات في العراق مع استمرار عمليات مكثفة في ساحة أخرى.
وتحمل هذه المرونة تناقضًا سياسيًا: ما تعتبره واشنطن توزيعًا أكثر كفاءة للقوة قد تقرؤه الدول المضيفة بوصفه تحميلًا لها بأعباء إضافية. كما أن الاحتفاظ بإمكان التدخل لا يضمن استعداد الإدارة الأمريكية لاستخدامه في كل أزمة تمس أحد شركائها.
الخليج: الحماية الأمريكية وكلفة استضافتها
تواجه دول الخليج معضلة مباشرة: تحتاج إلى الدفاع عن أراضيها ومنشآتها وممرات تجارتها، بينما تجعلها المواجهة الأمريكية الإيرانية عرضة لضغوط متعارضة حول دورها في الحرب.
وتبرز هنا ثلاثة آثار محتملة للانسحاب العراقي.
أولها، إعادة التفاوض على شروط الاستضافة. فإذا أعادت واشنطن توزيع بعض مهامها بعد الانسحاب من العراق الى دول المنطقة، سيصبح السؤال بالنسبة إلى الشركاء: ما طبيعة القوات والمهمات المطلوبة، وما الضمانات المقابلة؟ ولا تتوافر أدلة كافية للقول إن دول الخليج وافقت على استقبال القوات المغادرة للعراق تحديدًا.
ثانيها، اتساع الحاجة إلى الجمع بين الردع والتفاهم مع إيران. فقد نقلت فايننشال تايمز، في أيلول، مواقف قطرية وإماراتية تدعو إلى الحوار وترتيبات أمنية إقليمية. ويشير ذلك إلى البحث عن وسائل لخفض الخطر بالتوازي مع العلاقات الدفاعية القائمة، مع اختلاف حسابات دول الخليج وأولوياتها.
ثالثها، تقدم أمن الطاقة والملاحة إلى صدارة الحسابات. فتعطل حركة السفن أو تضرر طرق التصدير يؤثر في الدول المصدرة حتى عندما لا تكون طرفًا مباشرًا في العمليات.
وبذلك، لن يُقاس أثر الانسحاب على الخليج بعدد الجنود الذين يغادرون العراق، بل بما يفعله بتوزيع المخاطر، والثقة بالضمانات، وفرص التوصل إلى تفاهم يحمي الملاحة ويخفض احتمالات الهجمات.
إيران والعراق: مكسب محتمل وحدود واضحة
يمكن لطهران أن تستثمر خروج القوات سياسيًا بوصفه تراجعًا للوجود الأمريكي قرب حدودها. لكن قيمته العسكرية تتوقف على وجهة القدرات المغادرة والمهام التي ستؤديها لاحقًا. فإعادة نشر قوة داخل الإقليم لا تعادل إخراجها من معادلة الصراع.
وتواجه إيران بدورها مفاضلة: استمرار الضغط عبر الساحة العراقية قد يحافظ على أدوات تأثير، لكنه قد يدفع بغداد ودول الخليج إلى تشديد إجراءات الحماية والاقتراب أمنيًا من واشنطن. أما دعم تحييد العراق عن الهجمات المتبادلة فيتيح تخفيف بؤرة احتكاك، ولو على حساب حرية حركة حلفائها.
هنا يعود المشهد الداخلي العراقي إلى مركز التأثير الإقليمي. فبغداد تستطيع الاستفادة من الانسحاب إذا اقترن بقدرتها على على التحكم في قرارها السيادي ، وحماية نفسها من الاعتداءات الخارجية. أما خروج القوات مع بقاء قرار العمليات موزعًا، فيترك العراق معرضًا للردود العسكرية والضغوط الدبلوماسية.
ويصبح توظيف قدرات الردع ضمن استراتيجية وطنية ضرورة إقليمية أيضًا. فالقيمة السياسية لهذه القدرات ترتفع عندما تحمي العراق تحت قرار دستوري موحد.
المسارات المرجحة خلال الأشهر الستة التالية
إعادة انتشار مع استمرار الاستنزاف، وهو الأرجح: يكتمل الخروج من العراق، وتستمر المواجهة الإقليمية بأشكال متفاوتة، بينما تدير بغداد الوضع الامني والعسكري بتفاهمات مؤقتة. مؤشراته بقاء الهجمات والضغوط، واستمرار الانتشار الأمريكي البديل، وتعثر الترتيبات الأمنية الإقليمية.
تسوية إقليمية تمنح الانسحاب أثرًا أوسع: يقترن الخروج بتقدم تفاوضي أمريكي إيراني وضمانات للخليج والملاحة، وتنجح بغداد في تحييد أراضيها. وهو مسار ممكن، لكنه يحتاج إلى التزامات قابلة للتحقق، لا إعلان تهدئة وحده.
تصعيد يعيد العراق إلى ساحة المواجهة: تستمر عمليات عابرة للحدود من أراضيه أو تتوسع الضربات عليه، فتزداد المطالب بالإسناد الخارجي وتضيق حرية القرار العراقي. وهو أقل ترجيحًا من استمرار الاستنزاف، لكنه الأعلى كلفة.
ما الذي يخدم الاستقلال العراقي والأمن الإقليمي؟
تحتاج بغداد إلى إعلان واضح لترتيبات ما بعد الانسحاب، وربط أي علاقة مع الولايات المتحدة بتفويض ورقابة داخلية، وتقييم ما قد ينشأ من احتياجات دفاعية. وبالتوازي، عليها فتح مسار مع دول الخليج مبني على احترام السيادة وتبادل المصالح.
أما دول الخليج، فتحتاج إلى تقييم الضمانات الدفاعية وفق قابليتها للتنفيذ، وإبقاء قنوات التفاوض مع إيران مفتوحة، من دون افتراض أن الانسحاب من العراق سيعني تلقائيًا انخفاض الخطر أو انتقال القوات إلى أراضيها.
التقدير المركزي أن واشنطن تغادر مواقع في العراق بينما تعيد حساب كيفية البقاء مؤثرة في المنطقة. وقد يصبح الانسحاب مدخلًا لخفض التصعيد إذا استُثمر في تحييد التواجد الامريكي في العراق بشكل حقيقي وتفاهمات أمنية أوسع. أما إذا استمرت الحرب وتعددت مراكز القرار، فسيتغير مكان انتشار القوة الأمريكية، وتبقى المنطقة تدفع كلفة الصراع عليها نتيجة الاطماع والمصالح الامريكية والاسرلائيلية.


