العراق ما بعد الانسحاب العسكري: نحو تحويل الهامش السيادي إلى قدرة اقتصادية وإنتاجية

العراق ما بعد الانسحاب العسكري نحو تحويل الهامش السيادي إلى قدرة اقتصادية وإنتاجية
يمثل انتهاء مهمة التحالف فرصة لتوسيع هامش القرار العراقي، لكن تحويله إلى سيادة اقتصادية يتطلب إصلاح المالية والحوكمة والمصارف والطاقة، وتمكين القطاع الخاص، وتوجيه الريع النفطي نحو الاستثمار والإنتاج وخلق الوظائف ضمن برنامج مؤسسي قابل للقياس...

مذكرة تحليلية :

 يجب أن نتعامل مع «ما بعد الانسحاب» هنا بوصفه مرحلة انتقال من المهمة العسكرية للتحالف إلى علاقة أمنية ثنائية أوسع؛ فالترتيب المعلن في 2024 كان إنهاء المهمة العسكرية للتحالف في العراق بنهاية سبتمبر 2025، مع استمرار ترتيبات مرتبطة بسوريا حتى سبتمبر 2026، وليس قطع العلاقة الأمريكية-العراقية بالكامل.

أولاً: مقدمة:

إن انتهاء المهمة العسكرية للتحالف في العراق لا ينبغي أن يُفهم بوصفه نهاية للعلاقات الدولية أو الخارجية المؤثرة في الاقتصاد العراقي، وإنما بوصفه انتقالاً إلى مرحلة جديدة يصبح فيها وزن القرار الوطني والمؤسسات العراقية أكبر في تحديد الأولويات الأمنية والاقتصادية والتنموية.

وتكمن أهمية هذه المرحلة في أن العراق يدخلها وهو يمتلك مقومات كبيرة: موارد نفطية ضخمة، موقع جغرافي استراتيجي، سوق محلية واسعة، موارد بشرية شابة، وإمكانات كبيرة في الطاقة والنقل والزراعة والصناعة والخدمات. لكنه يدخلها في الوقت نفسه وهو يواجه اختلالاً بنيوياً يتمثل في الاعتماد المرتفع على النفط، واتساع الإنفاق الجاري، وضعف الإيرادات غير النفطية، وضعف القطاع الخاص، ومشكلات الحوكمة والتمويل والكهرباء، إضافة إلى محدودية القدرة التنفيذية لبعض مؤسسات الدولة.

ومن ثم فإن التحدي المركزي للعراق بعد هذه المرحلة ليس مجرد استعادة هامش أكبر من القرار السيادي، وإنما تحويل هذا الهامش إلى قدرة مؤسسية واقتصادية على إنتاج النمو والوظائف والدخل خارج القطاع النفطي.

وتؤكد أحدث مشاورات صندوق النقد الدولي أن الاقتصاد العراقي يواجه ضغوطاً مالية متزايدة، وأن نمو القطاع غير النفطي تباطأ من 13.8% في 2023 إلى نحو 2.5% في 2024، بينما ارتفع سعر النفط اللازم لمعادلة الموازنة إلى نحو 84 دولاراً للبرميل في 2024، مقابل 54 دولاراً في 2020. كما يحذر الصندوق من استمرار المخاطر المالية إذا لم تُضبط فاتورة الأجور وتُرفع الإيرادات غير النفطية وتُنفذ إصلاحات هيكلية واسعة.

ثانياً: التشخيص — أين تكمن المشكلة الأساسية؟

الاقتصاد الريعي ليس مجرد مشكلة مالية:

المشكلة العراقية ليست في الاعتماد على النفط كمصدر مهم للدخل فحسب، وإنما في أن النفط أصبح أساساً لتمويل الدولة، والإنفاق العام، وجزء كبير من النشاط الاقتصادي.

وهذا يخلق حلقة مترابطة:

النفط → إيرادات الدولة → الإنفاق العام → الطلب المحلي → الاعتماد على الاستيراد → ضعف الحافز للإنتاج المحلي → استمرار الاعتماد على النفط.

وبذلك يصبح القطاع الخاص تابعاً للدورة المالية الحكومية بدلاً من أن يكون محركاً مستقلاً للنمو.

وتشير تقديرات صندوق النقد إلى أن الإيرادات النفطية ستظل تمثل أكثر من 90% من إيرادات الحكومة خلال معظم الفترة المتوقعة حتى 2030 في السيناريو الأساسي، مع استمرار ارتفاع أعباء الرواتب والتقاعد.

لذلك فإن تنويع الاقتصاد لا يعني فقط إنشاء بعض المصانع أو جذب استثمارات جديدة، بل يعني تغيير العلاقة بين الدولة والنشاط الاقتصادي.

ثالثاً: الحوكمة الاقتصادية هي نقطة الانطلاق: 

إذا كان العراق يريد الاستفادة من مرحلة ما بعد الانسحاب، فإن الأولوية ينبغي ألا تكون زيادة حجم الدولة الاقتصادية، وإنما رفع جودة الدولة الاقتصادية.

وهذا يتطلب الانتقال من إدارة الاقتصاد عبر القرارات السنوية والاستجابات للأزمات إلى إدارة تقوم على:

  • استراتيجية اقتصادية متوسطة وطويلة الأجل.
  • مؤشرات أداء واضحة لكل وزارة وهيئة.
  • ربط الموازنة بالأهداف والنتائج.
  • تقييم المشاريع قبل تنفيذها وبعده.
  • نشر البيانات المالية والاقتصادية بصورة منتظمة.
  • تعزيز استقلالية الأجهزة الرقابية.
  • تقوية قواعد المشتريات والعقود الحكومية.
  • تقليل الاستثناءات والقرارات الاقتصادية الفردية.
  • التحول الرقمي في الضرائب والجمارك والرواتب والمشتريات.

فالمشكلة في الإدارة الاقتصادية العراقية ليست دائماً نقص الأفكار؛ بل الفجوة بين صياغة السياسة وتنفيذها وقياس نتائجها.وتظهر أهمية هذه المسألة في تقييم صندوق النقد لعام 2025؛ إذ أشار إلى أن توصيات سابقة تتعلق بضبط فاتورة الأجور وزيادة الإيرادات غير النفطية وإعداد خطة متوسطة الأجل للمالية العامة لم تكن قد نُفذت، بينما ظل إصلاح المصارف الحكومية في مرحلة جزئية.

وهذه الملاحظة ينبغي أن تقود إلى قاعدة مهمة:

الإصلاح العراقي القادم يجب أن يقاس بما يُنفذ، لا بما يُعلن.

رابعاً: إصلاح المالية العامة قبل أن تصبح المالية العامة قيداً على التنمية:

لا يمكن بناء قطاع خاص قوي في ظل دولة تستهلك بصورة متزايدة مواردها في الإنفاق الجاري.

وهنا لا ينبغي أن يكون الهدف مجرد «خفض الإنفاق»لأن خفض الإنفاق بصورة عشوائية قد يضر بالنمو والمطلوب هو:

(إعادة تركيب الإنفاق العام).

أي الانتقال تدريجياً من:

(الرواتب + الدعم غير الموجه + النفقات التشغيلية) الى (الاستثمار + البنية التحتية + التعليم + الصحة + الحماية الاجتماعية الموجهة + تمكين القطاع الخاص).

وتوصيات صندوق النقد تتضمن إصلاح فاتورة الأجور، الحد من التوظيف الإلزامي، اعتماد قاعدة إحلال تدريجية في بعض أجزاء القطاع العام، إصلاح التقاعد، وتحسين استهداف شبكات الحماية الاجتماعية، بما يتيح خلق مساحة مالية أكبر للإنفاق الرأسمالي.

ومن المهم هنا عدم التعامل مع الموظف العام باعتباره هو المشكلة لأن المشكلة هي نموذج اقتصادي يجعل الوظيفة الحكومية الحل الرئيسي لامتصاص الداخلين الجدد إلى سوق العمل.

الحل ليس إقصاء العاملين في الدولة، وإنما وقف تحول الدولة إلى صاحب العمل شبه الوحيد.

خامساً: إنشاء عقد اقتصادي جديد مع القطاع الخاص:

لا يمكن مطالبة القطاع الخاص العراقي بالنهوض ثم تركه يواجه وحده المشاكل والمعوقات التي تتمثل ب (البيروقراطية وضعف التمويل وعدم استقرار الكهرباء وارتفاع كلفة التشغيل والمنافسة غير المتكافئة وضعف حماية العقود وصعوبة تسجيل الشركات وضعف المعلومات الاقتصادية ومحدودية أدوات التمويل طويلة الأجل وعدم تفعيل نظام حماية المنتج).

لذلك فإن سياسة القطاع الخاص يجب أن تتحول من منح الامتيازات إلى خلق بيئة تنافسية.

والأولوية ينبغي أن تكون للشركات المنتجة التي تزيد القيمة المضافة المحلية وتخلق وظائف وتدخل في سلاسل توريد عراقية.

ويمكن بناء برنامج وطني لذلك من خلال:

أ. نافذة موحدة للأعمال:

إنشاء منظومة رقمية موحدة لتأسيس الشركة والحصول على الرخص والتسجيل الضريبي والضمان الاجتماعي والجمارك، مع تحديد سقف زمني لإنجاز كل معاملة.

ب. إصلاح التمويل:

إعادة هيكلة المصارف الحكومية الكبرى، وتوسيع دور المصارف الخاصة، وإنشاء أدوات ضمان ائتماني للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتشجيع التمويل طويل الأجل.

ويؤكد صندوق النقد أن إصلاح المصارف الحكومية وتطوير النظام المالي من العناصر الأساسية لتعزيز نمو القطاع الخاص.

ج. المشتريات الحكومية كأداة لتنمية الصناعة:

الدولة العراقية هي أكبر مشترٍ في الاقتصاد ولذلك يمكن تحويل جزء من المشتريات الحكومية إلى منصة لتطوير المنتج المحلي، بشرط وجود معايير شفافة ومنافسة حقيقية.

د. سياسة صناعية محددة:

بدلاً من توزيع الدعم على قطاعات واسعة، يمكن اختيار عدد محدود من القطاعات ذات القدرة على التوسع، مثل:

(الصناعات الغذائية ,البتروكيميائيات,  مواد البناء,الصناعات الدوائية,الخدمات الرقمية,النقل والخدمات اللوجستية,

الصناعات المرتبطة بالطاقة, السياحة والخدمات الثقافية, الزراعة الحديثة وسلاسل التصنيع الغذائي).

سادساً: النفط يجب أن يتحول من مصدر للإنفاق إلى أداة لبناء رأس المال:

ليس المطلوب التخلص من النفط؛ فهذا غير واقعي وغير اقتصادي, بل المطلوب هو تغيير وظيفته في النموذج الحالي:

وهو جعل النفط يمول انتقال الدولة من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد متنوع.

وهذا يتطلب إنشاء قاعدة مالية أكثر انضباطاً تتضمن:

  1. قاعدة مالية مرتبطة بسعر نفطي مرجعي.
  2. ادخار جزء من الإيرادات الاستثنائية عندما ترتفع الأسعار.
  3. حماية الاستثمار الإنتاجي في فترات انخفاض الأسعار قدر الإمكان.
  4. منع التوسع الدائم في الرواتب استناداً إلى إيرادات نفطية مؤقتة.
  5. ربط المشاريع الاستثمارية بتحليل اقتصادي واضح.
  6. نشر بيانات الإيرادات النفطية والاستخدامات المالية بشفافية.

وهذا يتوافق مع توصية صندوق النقد بإطار مالي قائم على قواعد يحد من مسايرة الإنفاق لدورات أسعار السلع، ويساعد على ادخار الإيرادات النفطية الاستثنائية وبناء احتياطيات مالية.

سابعاً: الكهرباء والطاقة — الإصلاح الاقتصادي يبدأ من هنا:

لا يمكن بناء صناعة أو زراعة أو خدمات حديثة من دون طاقة مستقرة ,ولذلك فإن إصلاح الكهرباء ينبغي أن يعامل باعتباره إصلاحاً اقتصادياً وليس مجرد ملف خدمي, والمطلوب هو معالجة السلسلة كاملة:

التوليد → النقل → التوزيع → الجباية → التعرفة → الاستثمار → الغاز.

كما أن تطوير الغاز المحلي وتقليل حرقه وتقليل استيراد الغاز يمثلان فرصة مزدوجة تحقق تقليل الضغط على المالية العامة وتحويل مورد كان يهدر إلى مدخل للطاقة والصناعة.

وقد أشار صندوق النقد إلى أن تحديث قطاع الكهرباء وتطوير موارد الغاز مهمان لتعزيز أمن الطاقة وتقليل الاعتماد على واردات الغاز.

ثامناً: الدولة يجب أن تكون منظماً لا منافساً:

من أخطر المشكلات أن الدولة العراقية تجمع أحياناً بين عدة أدوار في آن واحد وهي:

المشرّع + المنظم + الممول + المالك + المنتج + المشتري.

وهذا يخلق تضارباً في المصالح لأن الإصلاح ينبغي أن يقوم على الفصل بين الأمور التالية:

ملكية الدولة – التنظيم – التشغيل – الرقابة.

وإذا كانت هناك شركات حكومية قادرة على العمل بكفاءة في قطاعات استراتيجية، فلا مشكلة في استمرار ملكيتها ولكن المشكلة عندما تستمر مؤسسة خاسرة أو ضعيفة الإنتاجية فقط لأنها مؤسسة حكومية.

لذلك يجب اعتماد اختبار أداءدقيق  لكل شركة حكومية يمكن من خلاله الإجابة على الأسئلة التالية:

(هل تحقق خدمة عامة ضرورية؟) (هل يمكن إصلاحها؟) (هل يمكن إصلاحها؟) (هل يمكن تحويلها إلى شركة تجارية؟)
(هل تستطيع العمل بشروط السوق؟) (وإذا كانت غير قابلة للإصلاح، ما البديل الأقل كلفة على المال العام؟)

تاسعاً: مكافحة الفساد يجب أن تنتقل من الخطاب إلى هندسة النظام:

مكافحة الفساد لا ينبغي أن تعتمد فقط على زيادة العقوبات والهدف الأكثر فاعلية هو تقليل فرص الفساد من الأصل.

ويكون ذلك من خلال الأدوات التالية : ( الرقمنة –  المشتريات الإلكترونية – نشر العقود الحكومية – الإفصاح عن المستفيد الحقيقي من الشركات المتعاقدة – ربط قواعد البيانات الحكومية –  تقليل التعامل النقدي – أتمتة الجمارك والضرائب – تعزيز استقلالية التدقيق – حماية المبلغين –  نشر بيانات تنفيذ الموازنة).

وقد شدد صندوق النقد على أهمية تقوية المساءلة في القطاعات الحكومية والشركات المرتبطة بالنفط والكهرباء والإنشاءات، وتعزيز الشفافية والوصول إلى المعلومات وتطبيق معايير مبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية.

عاشراً: إعادة تعريف وظيفة الدولة في سوق العمل:

المشكلة الديموغرافية العراقية ستجعل استمرار نموذج التوظيف الحكومي أكثر صعوبة.

لذلك يجب أن يصبح الهدف:

((الدولة ليس من واجبها  توظف الشباب جميعاً؛ بل واجبها أن تهيئ اقتصاداً يستطيع توظيفهم)).

وهذا يستلزم إصلاح التعليم والتدريب المهني وربط الجامعات باحتياجات سوق العمل، وتطوير برامج تدريب مرتبطة مباشرة بالشركات, كما ينبغي إعطاء أهمية خاصة لمشاركة النساء في سوق العمل، لأن زيادة المشاركة الاقتصادية للنساء يمكن أن توسع قاعدة الإنتاج والدخل دون الحاجة إلى توسع مماثل في القطاع العام.

ويرى صندوق النقد أن إصلاح سوق العمل، ورفع المشاركة الاقتصادية، وتحسين موائمة المهارات مع احتياجات السوق، وتقليل تشوهات التوظيف العام، كلها عناصر يمكن أن ترفع القدرة الإنتاجية غير النفطية.

الحادي عشر: إنشاء (مركز وطني للسياسات الاقتصادية):

من الملاحظات الجوهرية التي تستحق المعالجة ضعف الحلقة بين المعلومة والتحليل والقرار والتنفيذ.

ولهذا أقترح إنشاء مركز وطني مستقل للسياسات الاقتصادية والاستراتيجية، يرتبط بمجلس الوزراء ولكن يتمتع باستقلال مهني واضح  وتكون مهمته:

  1. إعداد السيناريوهات الاقتصادية.
  2. تقييم أثر القرارات الحكومية.
  3. تحليل الموازنات.
  4. تقييم المشاريع الكبرى قبل إقرارها.
  5. إعداد توقعات النفط والإيرادات.
  6. متابعة الإصلاحات.
  7. نشر تقارير دورية عن مؤشرات الأداء.
  8. توفير قاعدة بيانات اقتصادية موحدة لصانع القرار.

ويضم اقتصاديين وماليين وقانونيين وخبراء في الطاقة والصناعة والعمل والقطاع الخاص، مع إمكانية الاستعانة بالجامعات ومراكز البحث العراقية والدولية.

المهم ألا يتحول هذا المركز إلى جهاز بيروقراطي جديد؛ بل يجب أن تكون له مهمة محددة ومخرجات قابلة للقياس.

الثاني عشر: برنامج عملي للسنوات الثلاث الأولى:

يمكن تحويل الرؤية السابقة إلى برنامج تنفيذي من ثلاث مراحل:

المرحلة الأولى: تثبيت المالية العامة: خلال 12 شهراً: وذلك من خلال :

  • وقف التوسع غير الضروري في التوظيف الحكومي.
  • مراجعة المشاريع الاستثمارية المتوقفة والمجزأة.
  • إعداد قاعدة مالية متوسطة الأجل.
  • رقمنة الضرائب والجمارك.
  • البدء بإصلاح المصارف الحكومية.
  • إنشاء سجل موحد للموظفين والرواتب.
  • حماية الإنفاق الاجتماعي والاستثماري الأكثر إنتاجية.

المرحلة الثانية: إطلاق القطاع الخاص: (من 12 إلى 24 شهراً) وذلك من خلال :

  • نافذة رقمية موحدة لتأسيس الشركات.
  • صندوق ضمان ائتماني للمشروعات الصغيرة والمتوسطة.
  • إصلاح نظام المشتريات الحكومية.
  • تسهيل دخول المستثمرين المحليين والأجانب.
  • تطوير المناطق الصناعية واللوجستية.
  • ربط التدريب المهني باحتياجات الشركات.
  • إطلاق برامج محددة للصناعات القابلة للتصدير.

المرحلة الثالثة: التحول الإنتاجي: (من 24 إلى 36 شهراً) وذلك من خلال :

  • تطوير سلاسل القيمة النفطية والبتروكيميائية.
  • زيادة التصنيع الزراعي.
  • تطوير النقل والموانئ والخدمات اللوجستية.
  • توسيع الاقتصاد الرقمي.
  • إصلاح قطاع الكهرباء والغاز.
  • ربط العراق تدريجياً بشبكات التجارة والطاقة الإقليمية.
  • إنشاء آلية لقياس نسبة الناتج والصادرات والوظائف غير النفطية بصورة سنوية.

الثالث عشر: ما الذي ينبغي تجنبه؟

هناك خمسة أخطاء ينبغي ألا تتكرر:

أولاً:    اعتبار زيادة الإنفاق العام مرادفاً للتنمية.

ثانياً:   اعتبار إنشاء الشركات الحكومية بديلاً عن القطاع الخاص.

ثالثاً:   تقديم إعفاءات وامتيازات استثمارية من دون قياس نتائجها.

رابعاً:   إطلاق عشرات الإصلاحات في وقت واحد من دون تحديد أولويات وقدرة تنفيذية.

خامسا:   ربط الإصلاح الاقتصادي بوجود طرف خارجي أو انسحابه.

فالإصلاح المستدام يجب أن يكون مشروعاً عراقياً مؤسسياً، حتى لو استفاد من الخبرة والتمويل والشراكات الدولية.

الرابع عشر: الخلاصة:

إن العراق أمام فرصة تاريخية، لكن الفرصة لا تتحول إلى نتيجة تلقائياً, حيث إن تراجع الضغوط الخارجية يمكن أن يوسع مجال القرار الوطني، لكنه لن يغير وحده طبيعة الاقتصاد. فإذا بقيت الدولة تعتمد بصورة مفرطة على النفط، واستمر الإنفاق الجاري في التوسع، وظل القطاع الخاص محدود التمويل والإنتاجية، وبقيت القدرة التنفيذية أقل من حجم الخطط المعلنة، فإن زيادة الهامش السيادي قد لا تنتج تحولاً اقتصادياً مماثلاً.

أما إذا استُخدم هذا الهامش لإعادة بناء المؤسسات، وإصلاح المالية العامة، وتحسين الحوكمة، وتطوير الكهرباء والطاقة، وإصلاح الجهاز المصرفي، وإطلاق القطاع الخاص، فإن النفط يمكن أن يتحول من مصدر للاعتماد إلى أداة للانتقال الاقتصادي.

وعليه، فإن القضية الجوهرية للعراق بعد الانسحاب ليست:

من يملك النفوذ الخارجي؟

بل:هل تستطيع الدولة العراقية أن تبني مؤسسات تجعل القرار السيادي قابلاً للتحويل إلى إنتاج واستثمار وفرص عمل؟

وهنا يمكن تلخيص الرؤية في معادلة واحدة:

(السيادة السياسية تحتاج إلى قدرة مؤسسية، والقدرة المؤسسية تحتاج إلى إصلاح الحوكمة، وإصلاح الحوكمة يحتاج إلى تغيير علاقة الدولة بالريع، وتغيير علاقة الدولة بالريع يحتاج في النهاية إلى قطاع خاص منتج وقادر على خلق القيمة والوظائف).

ومن هذه الزاوية، فإن النهوض بالقطاع الخاص ليس بنداً واحداً في برنامج اقتصادي؛ بل هو جزء من إعادة تأسيس الدولة العراقية نفسها.

والهدف النهائي ليس تقليص دور الدولة لمجرد التقليص، وإنما الانتقال من دولة توزع الريع وتستوعب البطالة إلى دولة تنظم الاقتصاد وتستثمر في رأس المال البشري والبنية التحتية وتحفز الإنتاج والمنافسة وتحمي القانون.

وهذا هو المعنى العملي للسيادة الاقتصادية: أن تمتلك الدولة العراقية ليس فقط حرية اتخاذ القرار، وإنما القدرة المالية والمؤسسية والإنتاجية على تحمل نتائج قرارها وتنفيذ أولوياتها الوطنية بصورة مستدامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *