لم تكن تصريحات استراتيجي البيت الأبيض الأسبق، ستيف بانون، في مقابلته مع مجلة “ذي إيكونوميست”، مجرد زلة لسان عابرة أو رأي شخصي معزول، بل مثلت هندسة استراتيجية واعية لخطاب أقصى اليمين الشعبوي الأمريكي الساعي إلى إعادة تعريف شكل النظام السياسي في الولايات المتحدة. إن طرح فكرة ترشح دونالد ترامب لفترة رئاسية ثالثة في عام 2028، والتصادم العلني مع نصوص التعديل الدستوري الثاني والعشرين، يفتحان باباً واسعاً أمام تفكيك البنية المؤسسية التقليدية للجمهورية الأمريكية، ويضعان النظام الديمقراطي الليبرالي أمام اختبار وجودي غير مسبوق.
يعتمد الخطاب البانوني على ركائز أيديولوجية تحاول شرعنة الخروج على الدستور عبر أدوات بلاغية بالغة الدقة؛ إذ يصور ترامب لا كسياسي عادي يخضع لقواعد اللعبة الديمقراطية، بل كمركبة للعناية الإلهية وأداة ضرورية لإكمال مهمة تاريخية غير منجزة. هذا التوصيف الروحي يبرر -من منظور أنصاره- تجاوز أي قيود قانونية أو دستورية باعتبارها ثانوية أمام المصلحة الكبرى. ويكمن الخبث الاستراتيجي في هذا الطرح في استبدال سلطة النصوص الدستورية بالإرادة الشعبية المطلقة. فعندما يُسأل عن التعديل الدستوري، يهرب إلى الإيحاء بأن إرادة الناخبين القادرة على إعادة ترشيح ترامب هي التي يجب أن تُعلي شأنها فوق النصوص، وهو ما وصفته رئيسة تحرير “ذي إيكونوميست” بدقة بأنه تحويل للشرعية الشعبية إلى مدخل لتبرير شعبي لنظام شبه دكتاتوري. وقد كشف النقاش عن مفارقة حادة تمثلت في التناقض بين دعوة بانون إلى تحطيم الجانب الآخر ورفض المساومة في خطاب تعبوي، وبين تبريره لتحركات ترامب بأنها سلسلة تفاوض ومقايضات مستمرة، مما يعكس براغماتية حادة تستخدم التعبئة الجذرية كأداة ضغط سياسي مع الاحتفاظ بمرونة تكتيكية.
على الصعيد العملي والمؤسسي، تصطدم هذه الطروحات بحائط صلب من الموانع القانونية والدستورية، حيث يجمع فقهاء القانون الدستوري على قطعية وصارمة التعديل الثاني والعشرين الذي يمنع الانتخاب لأكثر من مرتين. إن محاولات البحث عن ثغرات تسقط أمام متطلبات الأهلية الدستورية وروح المشرع التاريخية، كما أن أي تعديل رسمي يلغي الحد الأقصى للرئاسة يتطلب أغلبية معقدة ومستحيلة سياسياً في ظل الاستقطاب الراهن، مما يجعل سيناريو الولاية الثالثة بالطرق الرسمية أمراً غير قابل للتطبيق. ومع ذلك، فإن خطر الأزمة الدستورية المنهجية يكمن في أن مجرد تطبيع هذا الجدل يضع مؤسسات إنفاذ القانون والقضاء الفيدرالي في عين الإعصار، محولاً الدستور من مرجعية توافقية عليا إلى ساحة اشتباك سياسي يومي.
تتجاوز تداعيات هذا الخطاب الداخل الأمريكي لتطال المنظومة الدولية؛ إذ إن كسر التابوهات التاريخية يمهد الطريق لمستقبل سيتسم بتراجع هيبة المؤسسات لصالح الزعامات الكاريزمية المطلقة، وتتحول الانتخابات من تنافس على البرامج السياسية إلى معركة وجودية للدفاع عن الجمهورية والدستور نفسه. علاوة على ذلك، فإن ترويج هذا الخطاب في قلب الديمقراطية الأمريكية يمنح الأنظمة الاستبدادية والشعبوية حول العالم مسوغاً إضافياً لتفريغ الديمقراطيات التمثيلية من مضمونها.
يمثل خطاب ستيف بانون علامة فارقة في تحول اليمين الأمريكي من معارضة سياسية تقليدية إلى تيار يسعى لإعادة هندسة قواعد النظام ذاته. وبينما تظل الحصون الدستورية الأمريكية صامدة في وجه هذه الطروحات شكلياً، فإن التآكل المتسارع في الأعراف والثقة المؤسسية ينذر بأن المعركة القادمة لن تكون على إدارة السياسات، بل على صراع الوجود حول من يمتلك حق تفسير وهدم قواعد الجمهورية ومستقبلها.
هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة رأي الموقع.


