بناء دولة قوية .. والسلاح بأمرتها

بناء دولة قوية .. والسلاح بأمرتها
يربط التحليل قوة الدولة العراقية بوحدة القرار الأمني والعسكري وخضوع السلاح للقانون، داعياً إلى معالجة تدريجية قائمة على الحوار والضمانات، بالتوازي مع إصلاح المؤسسات والقضاء والاقتصاد وتعزيز المواطنة وسيادة القانون...

إن بناء دولة قوية ومستقرة لا يتحقق بكثرة الشعارات، ولا بكثرة المؤسسات التي تحمل أسماء الدولة، وإنما بقدرة الدولة الحقيقية على فرض القانون، وحماية مواطنيها، وصيانة سيادتها، وإدارة شؤونها العامة وفق الدستور والمؤسسات الشرعية. فالدولة التي تريد أن تكون قوية وقادرة على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية لا بد أن تمتلك منظومة متكاملة من المؤسسات الأمنية والعسكرية والقضائية والإدارية والاقتصادية، وأن تكون هذه المؤسسات خاضعة لمرجعية دستورية واحدة، تعمل وفق القانون وتحمل مسؤولية حماية الوطن والمواطن. ومن بين أهم الأسس التي تقوم عليها الدولة الحديثة قضية السلاح، ومن يملك قرار استخدامه، وتحت أي مرجعية يتحرك. فالسلاح في أي دولة ليس مجرد أداة مادية، بل هو جزء من منظومة السيادة والقرار الوطني، ولذلك فإن وجود السلاح خارج الإطار القانوني أو تعدد الجهات التي تمتلك قرار استخدامه يمكن أن يخلق تعقيدات كبيرة أمام الدولة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالأمن الداخلي أو العلاقات الخارجية أو القرارات السيادية. ولهذا فإن مبدأ حصر السلاح بيد الدولة لا ينبغي أن يُفهم باعتباره شعاراً سياسياً أو إجراءً موجهاً ضد طرف بعينه، وإنما باعتباره قاعدة أساسية في بناء الدولة الحديثة وحماية مؤسساتها. الدولة هي الجهة التي تتحمل مسؤولية حماية الحدود، والدفاع عن الأرض، وحفظ الأمن، وصيانة النظام العام، ولذلك فإن منطق الدولة يقتضي أن يكون القرار الأمني والعسكري النهائي خاضعاً للمؤسسات الدستورية المختصة. وعندما يكون القرار موحداً، تصبح المسؤولية واضحة، ويعرف المواطن الجهة التي تحميه، ويعرف المسؤول حدود صلاحياته، وتصبح المحاسبة ممكنة عند حدوث أي خلل أو تجاوز. أما عندما تتعدد مراكز القوة والقرار، فإن تحديد المسؤوليات يصبح أكثر صعوبة، وقد تدخل البلاد في مساحات رمادية تؤثر في هيبة القانون وثقة المواطن بالمؤسسات. إن قوة الدولة لا تقاس بعدد الأسلحة الموجودة على أرضها، ولا بعدد التشكيلات المسلحة، وإنما بقدرتها على جعل القانون هو القوة الأعلى، وبقدرتها على حماية المجتمع من الفوضى، وعلى إدارة الاختلافات السياسية والاجتماعية من خلال المؤسسات الدستورية. فالدولة القوية ليست الدولة التي تخيف مواطنيها، بل الدولة التي تجعل المواطن يشعر بالأمان والعدالة والكرامة، ويثق بأن حقوقه مصانة وأن القانون يسري عليه وعلى غيره بالمعيار نفسه. ومن هنا فإن حصر السلاح بيد الدولة يجب أن يكون مشروعاً وطنياً متكاملاً، لا قراراً منفرداً أو شعاراً موسمياً. فالمعالجة الجادة تحتاج إلى حوار وطني مسؤول، يشارك فيه أصحاب القرار والقوى السياسية والاجتماعية والشخصيات الوطنية، وتُبحث خلاله المخاوف والهواجس والضمانات المطلوبة. فكل قضية تمس الأمن الوطني تحتاج إلى الحكمة والصبر، لأن الهدف ليس صناعة أزمة جديدة، وإنما الانتقال بالبلاد من تعدد مراكز القوة إلى منظومة وطنية واضحة تكون فيها مؤسسات الدولة صاحبة القرار النهائي في الأمن والدفاع. ولا يمكن تحقيق ذلك من خلال لغة الإقصاء أو الاتهام أو التشكيك، بل من خلال بناء الثقة بين الدولة ومواطنيها، وبين مؤسساتها والقوى الموجودة على الأرض. فهناك ظروف تاريخية وأمنية وسياسية جعلت بعض التشكيلات والقوى تحمل السلاح في مراحل مختلفة، وقد تكون لها أدوار وطنية أو أمنية في مواجهة أخطار تعرض لها البلد. غير أن انتهاء بعض الظروف أو تغير طبيعة التحديات يفرض على الدولة مراجعة منظومتها الأمنية بصورة مستمرة، بحيث تنتقل كل الجهود الوطنية في نهاية المطاف إلى إطار مؤسساتي واضح يحفظ الحقوق ويضمن المسؤوليات ويمنع الازدواجية في القرار. إن الانتقال إلى دولة قوية لا يعني إنكار تضحيات من قاتلوا دفاعاً عن الوطن، ولا يعني التقليل من دور أي مؤسسة أو تشكيل شارك في مواجهة الإرهاب أو حماية المدن والمواطنين. بل إن تكريم تلك التضحيات يكون من خلال بناء دولة قادرة على حفظ نتائجها، ومنع عودة التهديدات، وتحويل التجارب الأمنية إلى مؤسسات راسخة. فالتضحيات الوطنية ينبغي أن تتحول إلى قوة للدولة، لا إلى أسباب لاستمرار تعدد مراكز القرار. وفي العراق تحديداً، تبرز أهمية هذه المسألة بصورة كبيرة بسبب تعقيدات المرحلة السياسية والأمنية التي مر بها البلد خلال العقود الماضية. فقد واجه العراق الإرهاب، والصراعات الداخلية، والتدخلات الخارجية، والأزمات السياسية والاقتصادية، ولذلك أصبح بناء الدولة ومؤسساتها ضرورة تتجاوز الخلافات السياسية. فالعراق بحاجة إلى دولة يشعر فيها المواطن أن مؤسساتها قادرة على حمايته، وأن حدودها مصانة، وأن قرارها السيادي لا يتجزأ، وأن مستقبلها لا تحدده موازين القوة خارج المؤسسات الدستورية.

والسيادة لا تعني فقط السيطرة على الحدود أو رفع العلم فوق المباني الحكومية، وإنما تعني امتلاك الدولة قرارها الداخلي والخارجي، وقدرتها على تنفيذ قوانينها، وإدارة علاقاتها مع الدول الأخرى وفق مصالحها الوطنية. وكلما كانت المؤسسات الداخلية قوية وموحدة، كانت الدولة أكثر قدرة على حماية قرارها السيادي. أما الضعف الداخلي فإنه يفتح الباب أمام التدخلات والضغوط، لأن الدول لا تستطيع أن تحمي سيادتها الخارجية إذا كانت تعاني من هشاشة في منظومتها الداخلية. ومن هنا تأتي العلاقة الوثيقة بين هيبة الدولة وسيادتها. فلا يمكن الحديث عن سيادة كاملة من دون مؤسسات قوية، ولا يمكن بناء مؤسسات قوية إذا كانت قراراتها الأمنية والعسكرية موزعة بين أكثر من مرجعية. ولذلك فإن توحيد القرار الأمني والعسكري يمثل جزءاً أساسياً من مشروع بناء الدولة، شريطة أن يتم ضمن الدستور والقانون وبما يحفظ حقوق جميع المواطنين ويضمن عدم استخدام مؤسسات الدولة لخدمة طرف سياسي أو فئة اجتماعية معينة. إن الدولة التي تحتكر السلاح وفق القانون ليست دولة ضد المجتمع، بل دولة تحمي المجتمع من الاحتكام إلى القوة. فعندما تصبح القوة خارج القانون وسيلة لحسم الخلافات، يتراجع دور القضاء والمؤسسات، ويصبح ميزان القوة بديلاً عن ميزان العدالة. أما عندما يكون القانون هو المرجعية، فإن الخلاف مهما كان كبيراً يمكن أن يجد طريقه إلى الحوار أو القضاء أو المؤسسات الدستورية. وهنا تتحول الدولة إلى مساحة مشتركة لجميع أبنائها، لا إلى ساحة صراع بين القوى. ولذلك فإن بناء الدولة يحتاج أيضاً إلى إصلاح سياسي وقضائي واقتصادي وإداري. فلا يكفي أن نتحدث عن السلاح بينما يعاني المواطن من البطالة أو ضعف الخدمات أو الفساد أو البيروقراطية أو غياب تكافؤ الفرص. إن الدولة القوية منظومة متكاملة، والسلاح جزء منها وليس كل شيء. فالقوة العسكرية من دون اقتصاد قوي لا تكفي، والمؤسسات الأمنية من دون قضاء مستقل وفعال لا تكفي، والقوانين من دون تطبيق عادل لا تكفي، والشعارات الوطنية من دون عمل مؤسساتي لا تبني دولة. كما أن بناء الثقة بين المواطن والدولة يتطلب أن يرى المواطن نتائج ملموسة في حياته اليومية. فعندما يشعر المواطن أن الدولة تحميه وتوفر له العدالة والخدمات وتكافؤ الفرص، يصبح أكثر استعداداً للتمسك بمؤسساتها والاحتكام إلى قوانينها. أما عندما تتراجع الثقة بالمؤسسات، فإن المجتمع قد يبحث عن بدائل للحماية أو النفوذ، وهنا تصبح معالجة مسألة السلاح أكثر تعقيداً. ولذلك فإن مشروع حصر السلاح بيد الدولة يجب أن يترافق مع مشروع شامل لتعزيز الدولة في مختلف المجالات. ومن الضروري أيضاً أن تكون عملية تنظيم السلاح واضحة ومعلنة ومتدرجة، بعيداً عن المفاجآت التي قد تؤدي إلى توترات جديدة. فالحوار يمكن أن يسبق الاتفاق، والاتفاق يمكن أن يضع جدولاً زمنياً واضحاً، والجدول الزمني يمكن أن يترافق مع ضمانات قانونية ومؤسساتية. كما ينبغي أن تكون هناك معالجة عادلة لأوضاع الأفراد الذين ينتقلون من العمل المسلح إلى العمل المؤسساتي، سواء عبر الدمج وفق الشروط القانونية، أو إعادة التأهيل، أو إيجاد مسارات مدنية تحفظ الكرامة والحقوق، بحسب طبيعة كل حالة والقوانين النافذة. وهنا تبرز مسؤولية الطبقة السياسية والنخب الفكرية والاجتماعية والعشائرية والدينية في دعم مفهوم الدولة، وعدم تحويل مسألة السلاح إلى مادة للصراع أو التخوين. فالمجتمع العراقي يحتاج اليوم إلى خطاب يقرّب ولا يفرّق، ويؤكد أن جميع أبناء الوطن متساوون في الحقوق والواجبات، وأن الاختلاف السياسي لا يعني الاختلاف في الانتماء الوطني. ومن حق كل مواطن أن يختلف في الرأي، ولكن ليس من حق أي طرف أن يجعل القوة بديلاً عن المؤسسات. إن الدولة القوية لا تعني دولة بلا معارضة، ولا دولة بلا اختلاف، ولا دولة تمنع النقد. على العكس، الدولة القوية هي التي تستطيع استيعاب الاختلاف من خلال الدستور والقانون، وتسمح بالنقد والمساءلة، وتفتح المجال أمام المشاركة السياسية السلمية. فالقوة الحقيقية ليست في إسكات الأصوات، وإنما في قدرة النظام السياسي على التعامل مع الأصوات المختلفة من دون أن يتحول الاختلاف إلى صراع يهدد وحدة الدولة. كما أن حصر السلاح بيد الدولة ينبغي ألا يكون منفصلاً عن حماية حقوق الإنسان. فالقوة التي تمنحها الدولة لمؤسساتها الأمنية والعسكرية يجب أن تكون مقيدة بالقانون، لأن الهدف من احتكار الدولة للسلاح هو حماية المجتمع، لا فتح الباب أمام التعسف. وكلما كانت الأجهزة الأمنية خاضعة للرقابة القانونية والمؤسساتية، كانت ثقة المواطنين بها أكبر، وكان مفهوم الدولة أكثر رسوخاً.

إن العراق يمتلك طاقات بشرية وثقافية واقتصادية كبيرة، ويستطيع أن يبني دولة حديثة إذا استطاع أن يجعل مؤسساته فوق الأشخاص، والقانون فوق المصالح، والمصلحة الوطنية فوق الحسابات الضيقة. وهذه المهمة لا تقع على عاتق الحكومة وحدها، وإنما هي مسؤولية مشتركة بين البرلمان والقضاء والمؤسسات الأمنية والقوى السياسية والنخب الاجتماعية والإعلام والمجتمع المدني والمواطن نفسه. فالمستقبل لا يُبنى بالسلاح وحده، ولا بالخطابات وحدها، وإنما ببناء منظومة دولة متماسكة تستطيع أن تحمي مواطنيها وتوفر لهم الحياة الكريمة. وعندما يصبح السلاح في خدمة الدولة وتحت أمرتها القانونية، وتصبح الدولة في خدمة المواطن وتحمي حقوقه، تتشكل معادلة متوازنة تجمع بين الأمن والحرية، وبين السيادة والمسؤولية، وبين القوة والقانون . إن العراق لا يحتاج إلى صراع جديد حول مفهوم الدولة، بل يحتاج إلى اتفاق وطني على الدولة نفسها: دولة واحدة، وقانون واحد، ومؤسسات دستورية واحدة، وقرار أمني وعسكري واضح، ومواطنون متساوون أمام القانون. وهذا لا يتحقق بالإلغاء أو الإقصاء، وإنما بالحوار والتدرج وبناء الثقة والضمانات . وفي النهاية، فإن هيبة الدولة لا تُصنع بالخوف، وإنما بالعدالة، ولا تُبنى بكثرة السلاح، وإنما بوحدة القرار، ولا تُحفظ بالشعارات، وإنما بالمؤسسات. والسيادة ليست كلمة تُقال، بل ممارسة يومية تبدأ من الداخل؛ من قوة القانون، ومن احترام الدستور، ومن قدرة الدولة على حماية حدودها ومواطنيها وقرارها الوطني . وحين يكون السلاح بأمرة الدولة، والقانون فوق الجميع، والمؤسسات فوق الأشخاص، والمواطنة فوق الانتماءات الفرعية، يصبح العراق أكثر قدرة على مواجهة تحدياته، وأكثر استعداداً لبناء مستقبل مستقر وآمن. فالدولة القوية ليست دولة القوة على مواطنيها، وإنما دولة القوة من أجل مواطنيها، ودولة تجعل من السلاح وسيلة لحماية الوطن، لا وسيلة لفرض الإرادة . هيبة الدولة من سيادتها، والسيادة من قوتها الداخلية، وقوتها الحقيقية من قانونها ومؤسساتها ووحدة قرارها .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *