لم يعد ما يجري بين العراق وإيران مجرد أزمة طيران عابرة، ولا مجرد خلاف حول شركات خدمات أرضية أو رحلات ألغيت في مطار بغداد. ما حدث خلال الأيام الأخيرة يكشف شيئاً أخطر: أن القرار العراقي بدأ يتأثر مباشرة بالعقوبات والضغوط الأمريكية على إيران، حتى أصبح المواطن العراقي نفسه يدفع ثمن الصراع الأمريكي-الإيراني.
بدأت القصة بتعليق الرحلات الإيرانية إلى مطار بغداد، بعد تهديد أمريكي بمعاقبة المطارات والشركات التي تقدم خدمات للطائرات الإيرانية. ثم توسعت الإجراءات لتشمل مطار النجف، قبل أن تلتحق بها مطارات أربيل والسليمانية في 25 سبتمبر. وبذلك توقفت عملياً حركة الطيران المباشر بين العراق وإيران عبر المطارات العراقية الرئيسية.
وهنا لا بد من طرح السؤال بصراحة:
هل أصبح القرار العراقي في مطاراته يُتخذ في بغداد أم في واشنطن؟
فالولايات المتحدة تستطيع أن تفرض ما تشاء من عقوبات على الشركات الخاضعة لاختصاصها، لكنها لا تملك قانوناً أن تغلق الأجواء العراقية أمام الطائرات الإيرانية. غير أن واشنطن استخدمت سلاحاً أكثر تأثيراً: تهديد شركات الوقود والخدمات الأرضية والمناولة بالعقوبات وفصلها عن النظام المالي القائم على الدولار. وقد قال وزير الخزانة الأمريكي إن تقديم خدمات أساسية للطائرات الإيرانية يمكن أن يعرض الشركات للعقوبات.
وهكذا تحولت العقوبة الأمريكية إلى ضغط غير مباشر على القرار العراقي.
وهذا هو الجزء الأخطر في المسألة.
العراق ليس دولة هامشية في العلاقة مع إيران. إنه جار، وشريك اقتصادي، وممر بشري وديني واجتماعي واسع.
ملايين العراقيين والإيرانيين يتحركون بين البلدين سنوياً، وهناك مرضى وطلاب وعائلات وزوار ومصالح تجارية مرتبطة بهذا الطريق. ومطار النجف تحديداً كان يعتمد بصورة كبيرة على حركة الطيران مع المدن الإيرانية؛ بل إن جدول المطار قبل التعليق كان يتضمن غالبية رحلاته إلى وجهات إيرانية.
فما ذنب المريض العراقي الذي يتلقى علاجه في إيران؟
وما ذنب الطالب العراقي الموجود في جامعة إيرانية؟
وما ذنب العائلة التي لديها أقارب على الجانب الآخر من الحدود؟
وما ذنب شركات السفر العراقية التي بنت جزءاً من نشاطها على حركة المسافرين بين البلدين؟
إن معاقبة إيران شيء، وتحويل حياة العراقيين إلى ورقة في العقوبات الأمريكية شيء آخر تماماً.
والأغرب أن بغداد كان بإمكانها البحث عن مخارج قانونية وسياسية بدلاً من الانتقال سريعاً إلى سياسة الإغلاق. كان يمكنها التفاوض مع واشنطن، والتفاوض مع طهران، والبحث عن ترتيبات تحمي شركاتها ومطاراتها من العقوبات، مع الحفاظ على الحركة المدنية بين البلدين.
لكن ما حدث ذهب في الاتجاه المعاكس. لقد بدأ العراق بإغلاق باب، ثم أُغلقت الأبواب تباعاً.
وهنا تظهر خطورة سابقة سياسية تتجاوز موضوع الطيران نفسه:
إذا قبل العراق أن تكون العقوبات الأمريكية معياراً لتنظيم حركة الطيران مع جارته إيران، فما الذي يمنع غداً من استخدام المعيار نفسه في التجارة والمصارف والطاقة والحدود؟
اليوم الطائرة الإيرانية. وغداً قد تكون شحنة تجارية. وبعد غد قد يكون مصرفاً عراقياً.
ثم يصبح المطلوب من بغداد أن تحدد علاقاتها الخارجية وفق قائمة العقوبات الأمريكية.
وهنا لا تعود القضية قضية إيران، بل قضية السيادة العراقية نفسها.
العراق الذي دفع ثمناً باهظاً من حروبه وتدخلات القوى الخارجية يفترض أن يكون أكثر تمسكاً بقراره المستقل. ليس مطلوباً من بغداد أن تنحاز إلى طهران ضد واشنطن، كما ليس مطلوباً منها أن تنحاز إلى واشنطن ضد طهران.
المطلوب ببساطة أن تكون بغداد هي بغداد، لا محطة متقدمة في استراتيجية العقوبات الأمريكية.
وهذا لا يعني تجاهل المخاطر التي تواجه الشركات العراقية. فالحكومة العراقية تواجه بالفعل ضغطاً حقيقياً، خصوصاً أن شركات الخدمات الأرضية قد تخشى العقوبات الأمريكية، وهو ما ساهم في تعطيل الرحلات حتى قبل صدور بعض قرارات التعليق الرسمية.
لكن وجود الضغط الأمريكي لا يجعل الاستسلام له سياسة وطنية. بل على العكس: هنا تظهر وظيفة الدولة.
الدولة ليست موجودة فقط لتطبيق ما يطلبه الآخرون، وإنما للتفاوض، والموازنة، وحماية مصالح مواطنيها، وإيجاد المخارج عندما تتعارض مصالح القوى الكبرى.
والأخطر أن التصعيد لا يقف عند الجانب العراقي.
فطهران بدأت ترفع مستوى لهجتها، وحذر مسؤولون إيرانيون من أن منع إيران من استخدام الطيران والخدمات الجوية قد يقود إلى إجراءات تمس حركة الطيران في المنطقة. وهذه التصريحات، سواء تحولت إلى إجراءات عملية أم لا، تكشف أن ملف الطيران بدأ يدخل دائرة الصراع الإقليمي.
وهنا يمكن أن يجد العراق نفسه في وضع بالغ الحساسية:
أمريكا تضغط من جهة، وإيران تلوّح بالرد من جهة أخرى، والعراق يقع في المنتصف.
فهل هذه هي السياسة التي يحتاجها العراق؟
العراق يحتاج إلى أن يكون جسراً بين المتخاصمين، لا ساحة لتصفية الحسابات بينهم.
ويحتاج إلى علاقات متوازنة مع واشنطن وطهران، لا إلى تحويل أراضيه ومطاراته إلى أدوات في استراتيجية طرف ضد طرف.
ولذلك فإن السؤال الحقيقي الذي يجب ان يطرح هو: من قرر أن مصلحة العراق تقتضي هذا الإغلاق؟
إذا كانت الإجابة هي الحكومة العراقية، فعليها أن تقدم للعراقيين أسباباً عراقية واضحة، لا أن تكتفي بالإشارة إلى العقوبات الأمريكية.
أما إذا كان القرار نتيجة مباشرة للخوف من العقوبات الأمريكية، فالمسألة تصبح أخطر بكثير.
لأن العراق في هذه الحالة لا يغلق مطاراته أمام إيران فقط: إنه يغلق جزءاً من قراره السيادي أمام الولايات المتحدة.
وهذه ليست قضية طائرة إيرانية أقلعت من طهران ولم تهبط في بغداد أو النجف.
إنها قضية دولة تريد أن تعرف شعوبها: من يملك القرار في العراق؟
فإذا كانت بغداد تملك قرارها، فلتثبت ذلك بالتفاوض لا بالإغلاق.
وإذا كانت واشنطن هي التي تحدد من يهبط في مطارات العراق ومن لا يهبط، فالمشكلة لم تعد في الطيران.
المشكلة في السيادة نفسها.


