لم تعد قضية تعليق الرحلات الجوية بين العراق وجمهورية إيران الإسلامية مجرد إجراء يتعلق بالطيران والمطارات، بل تحولت إلى سؤال سياسي وقانوني وسيادي أكبر يقول،هل ينفذ العراق عقوبات لم يصدرها؟ وإذا كانت العقوبات الأميركية تستهدف شركات الطيران الإيرانية، فلماذا يتوقف الطيران العراقي إلى إيران؟
هذه هي النقطة التي يجب أن يبدأ منها النقاش العراقي، بعيدا عن التفاصيل التشغيلية التي قد تحجب جوهر القضية، فالعقوبات الأميركية قرار صادر عن الولايات المتحدة، والسؤال هنا ليس عن الموقف السياسي منها، وإنما عن الأساس الذي يجعل العراق يرتب قراراته الداخلية وفقا لها. وهل هناك التزام قانوني عراقي مباشر؟ أم أن المسألة ترتبط بالخوف من العقوبات الثانوية وما يمكن أن تفرضه من ضغوط على المؤسسات والشركات العراقية؟
وعند تفكيك القرار تظهر أسئلة أكثر عمقا ،هل اتخذ العراق قرارا مستقلا بمنع الرحلات الإيرانية؟ أم أن مؤسسات عراقية أوقفت التعامل معها خشية العقوبات الأميركية؟ وإذا كان الأمر الثاني هو الواقع، فهل نحن أمام قرار عراقي أم أمام نتيجة غير مباشرة لضغط خارجي؟
وهنا يبدو السؤال أكثر إثارة، لماذا يتوقف الطيران العراقي إلى إيران ممثلا بالشركات العراقية التي لا تستهدفها العقوبات مباشرة؟ فإذا كانت العقوبات تستهدف شركات الطيران الإيرانية، فمن حق المواطن العراقي أن يسأل، هل تشمل هذه العقوبات الشركات والطائرات العراقية أيضا؟ وإذا كانت لا تشملها مباشرة، فلماذا تتوقف رحلات الناقل العراقي؟ وهل أصبح مجرد التعامل التجاري مع الجانب الإيراني سببا كافيا لتعطيل المصالح العراقية والإضرار باحتياجات شريحة واسعة من العراقيين، من طلبة ومرضى وتجار وغيرهم؟
وهنا لا بد من التمييز بين ثلاثة أمور من باب المناقشة واكتشاف الحقيقة وتشخيص المسؤول، العقوبات الأميركية، والقرار العراقي، والخشية العراقية من العقوبات ،فالخوف من العقوبات قد يكون مفهوما من الناحية الاقتصادية والمالية، لكنه لا يحسم وحده السؤال القانوني و السيادي، لأن قبول العراق بأن تتحول العقوبات الصادرة عن دولة أخرى إلى قرارات داخلية تمس مطاراته وشركاته ومواطنيه يحتاج إلى تفسير واضح.
والمسألة لا تقتصر على شركات الطيران، لأن تعليق الرحلات يعني خسائر للمطارات وشركات السفر والسياحة والفنادق والنقل والأسواق، ويضع المواطن العراقي أمام خيارات سفر أقل وكلفة أعلى ،لذلك لا ينبغي أن يكون السؤال فقط،متى تعود الرحلات؟ بل من يتحمل كلفة توقفها ولماذا؟
وإذا كانت المشكلة تكمن في الخدمات الأرضية أو الوقود أو المناولة، فلماذا لا تبحث الحكومة عن حلول عراقية قانونية تحمي المؤسسات الوطنية وتمنع تحول العقوبات الخارجية إلى تعطيل مباشر للمصالح العراقية؟ وهل استنفدت الحكومة خياراتها قبل الوصول إلى التعليق؟
إن الجانب العراقي أمام سؤال يتجاوز إعادة تشغيل مطار النجف، ويتحول إلى سؤال عن حدود القرار الاقتصادي العراقي، فإذا التزمت الحكومة بعقوبات دولة أخرى، فعليها أن توضح للمواطن الأساس الذي استندت إليه. وإذا كانت لا تعتبر نفسها ملزمة بها، فعليها أن تشرح لماذا تتوقف الرحلات والشركات والمطارات لأي سبب !؟
في النهاية، لا يتعلق الأمر بالدفاع عن شركة طيران ايرانية أو عن خط جوي بعينه، بل بحق المواطن العراقي في أن يعرف، من اتخذ القرار؟ وعلى أي أساس؟ ومن المستفيد من توقف الطيران العراقي؟ ومن يدفع الثمن؟
فإذا كانت العقوبات على إيران، فلماذا يعاقب العراق نفسه؟


