العراق أمام اختبار الاستقلال الاستراتيجي

العراق أمام اختبار الاستقلال الاستراتيجي
يناقش التحليل ما بعد 30 أيلول بوصفه اختباراً للسيادة العراقية، مؤكداً أن انتهاء الوجود العسكري الأجنبي لا يساوي الاستقلال الاستراتيجي، وأن المطلوب بناء دولة قوية، وقرار وطني موحد، وقدرات ردع وعلاقات خارجية متوازنة...

قد يبدو يوم 30 أيلول موعداً تقنياً لإنهاء مرحلة من الوجود العسكري الأمريكي في العراق، لكنه في الحقيقة يحمل دلالة تتجاوز خروج القوات الأجنبية من القواعد والمواقع العسكرية، فالمسألة الأهم ليست فقط: هل غادرت القوات الأمريكية؟ وإنما: ماذا سيفعل العراق بعد مغادرتها؟ وهل يستطيع أن يحوّل نهاية المهمة العسكرية للتحالف إلى بداية لمرحلة جديدة من بناء القرار الوطني المستقل، أم أن الانسحاب سيبقى مجرد تغيير في شكل العلاقة، بينما تستمر التأثيرات الأمنية والسياسية والاستراتيجية من خارج الحدود؟

يأتي الموعد المقرر في 30 أيلول 2026 في إطار المسار المتفق عليه بين بغداد وواشنطن لإنهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي في العراق والانتقال إلى علاقات أمنية ثنائية، وقد أكدت الحكومة العراقية أن الموعد نهائي، وأن القوات العراقية أصبحت تتحمل مسؤولية مواجهة التهديدات الأمنية داخل البلاد، لكن نهاية المهمة العسكرية لا تعني بالضرورة نهاية النفوذ السياسي أو الاقتصادي أو الأمني، ولا تعني أن العراق خرج تلقائياً من شبكة التوازنات والصراعات الإقليمية والدولية المحيطة به.

وهنا تحديداً يبدأ السؤال الأكثر أهمية، إذا كان الاحتلال أو الوجود العسكري الأجنبي قد شكّل تاريخياً أحد أهم مصادر شرعية المقاومة ووظيفتها، فماذا يحدث عندما يتغير هذا الواقع؟ وهل يبقى مفهوم المقاومة، بأدواته ومنطقه السابق، صالحاً بالصيغة ذاتها بعد انتهاء الوجود العسكري الأمريكي المباشر؟ أم أن التحول الحقيقي ينبغي أن يكون من مقاومة الوجود الأجنبي إلى بناء منظومة وطنية متكاملة للسيادة والردع والأمن القومي، بحيث تصبح كل عناصر القوة العراقية جزءاً من استراتيجية الدولة، لا مراكز قوة موازية لها؟

هذا السؤال ليس موجهاً ضد المقاومة، ولا ينتقص من التضحيات التي قدمتها القوى العراقية في مواجهة الاحتلال والإرهاب، بل هو محاولة لوضع مفهوم المقاومة أمام استحقاق تاريخي جديد، فالقوة التي نشأت في لحظة مواجهة الاحتلال يمكن أن تتحول، في لحظة مختلفة، إلى أحد عناصر القوة الوطنية إذا جرى إدماجها ضمن رؤية وطنية جامعة، كما يمكن أن تتحول إلى عامل استنزاف للدولة إذا بقيت خارج منظومة القرار الوطني، والعراق اليوم ليس عراق عام 2003، ولا عراق مرحلة تنظيم «داعش»، ولا عراق السنوات التي كانت فيها القوات الأمريكية تنتشر بصورة مباشرة على أرضه، فقد تغيرت البيئة الأمنية والسياسية في المنطقة بصورة عميقة، كما لم تختف التهديدات، بل تغيرت طبيعتها: صراعات إقليمية عابرة للحدود، وحروب سيبرانية، ونفوذ اقتصادي، وقواعد عسكرية في دول مجاورة، وصواريخ وطائرات مسيّرة، وحروب بالوكالة، وضغوط سياسية تستخدم الاقتصاد والطاقة والأمن أدوات للتأثير في القرار الوطني، لذلك، فإن الاستقلال الاستراتيجي لا يقاس بعدد الجنود الأجانب الذين غادروا البلاد فقط، بل بقدرة الدولة على امتلاك قرارها في الحرب والسلم، وحماية حدودها وأجوائها ومياهها ومصالحها الاقتصادية، ومنع أراضيها من أن تتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية والدولية.

وهنا تظهر معضلة السلاح، وليس المطلوب اختزال القضية في معادلة مبسطة تقول إن كل سلاح خارج الدولة هو بالضرورة المشكلة، ولا أن كل سلاح تابع للدولة يحل تلقائياً مشكلة السيادة، فالقضية أعمق من ذلك، والسؤال المركزي هو: من يقرر؟ ومن يملك حق استخدام القوة؟ وتحت أي استراتيجية؟ ولأي هدف؟ ومن يتحمل المسؤولية السياسية والقانونية عن قرار الحرب أو الرد أو التصعيد؟ فالدولة الحديثة لا تستطيع أن تكون دولة كاملة السيادة إذا تعددت داخلها مراكز القرار العسكري والاستراتيجي، وفي المقابل، لا تستطيع الدولة أن تطلب احتكار القوة من دون أن تمتلك القدرة الحقيقية على حماية مواطنيها وحدودها ومصالحها، ولذلك فإن بناء الدولة القوية لا يبدأ بنزع مفهوم المقاومة من الوعي الوطني، وإنما بإعادة تعريف العلاقة بين المقاومة والدولة، وبين الردع والمؤسسات، وبين السلاح والقرار السياسي.

وهذا هو التحدي العراقي الحقيقي بعد 30 أيلول، فالانسحاب الأمريكي، حتى لو اكتمل عسكرياً، لا يعني أن واشنطن ستفقد كل أدوات تأثيرها في العراق، فالولايات المتحدة نفسها أعلنت أن انتهاء المهمة العسكرية سيقترن باستمرار علاقة ثنائية في المجالات الأمنية والدفاعية، كما أن العراق سيظل جزءاً من شبكة واسعة من العلاقات والمصالح الدولية والإقليمية، ما يجعل قضية الاستقلال الاستراتيجي مرتبطة بقدرة بغداد على إدارة هذه العلاقات وفق مصالحها الوطنية، ومن هنا، فإن السيادة العراقية لا ينبغي أن تفهم باعتبارها انسحاب طرف أجنبي فقط، بل باعتبارها قدرة العراق على إقامة علاقات متوازنة مع الجميع، من دون أن يتحول إلى تابع لأي محور، وهذه النقطة مهمة، لأن العراق يقع في قلب منطقة لم تعد فيها الحدود السياسية كافية لفصل الأزمات عن بعضها، فما يجري في فلسطين يؤثر في لبنان وسوريا والعراق واليمن والخليج، وما يجري بين الولايات المتحدة وإيران يترك انعكاساته على العراق، وما تفعله إسرائيل في الإقليم لا يمكن فصله عن شبكة الدعم السياسي والعسكري الأمريكي وعن التحولات الجارية في موازين القوة.

لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن المشروع الإسرائيلي لم يعد يتحرك في حدود الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي وحده، بل بات يتعامل مع المنطقة باعتبارها مجالاً أمنياً واستراتيجياً مفتوحاً، والحروب والتوترات التي شهدها الإقليم خلال السنوات الأخيرة وسّعت هذه الدائرة بصورة خطيرة، فيما أصبح العراق واحداً من المساحات التي تتقاطع فيها الحسابات الأمريكية والإسرائيلية والإيرانية والإقليمية.

وفي هذا السياق، لا يمكن النظر إلى فلسطين باعتبارها ملفاً منفصلاً عن سؤال الأمن الإقليمي، فما يجري في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ولا سيما استمرار حرب الإبادة الجماعية والضغط على قطاع غزة، وتصاعد الاعتداءات والاستيطان، ومحاولات فرض وقائع جديدة على الأرض في الضفة الغربية، يرتبط بصورة مباشرة بإعادة تشكيل البيئة السياسية والأمنية في المنطقة، وكلما توسعت إسرائيل في استخدام القوة وفرض الأمر الواقع، ازدادت احتمالات انتقال الصراع من جبهة إلى أخرى، وأصبح أمن الدول العربية، بما فيها العراق، جزءاً من معادلة إقليمية أشمل.

لكن المفارقة أن استمرار الاحتلال الإسرائيلي لا ينبغي أن يصبح مبرراً دائماً لبقاء المنطقة في حالة حرب مفتوحة أو لتحويل الدول العربية إلى ساحات صراع بالوكالة، فالدفاع عن فلسطين لا يتعارض مع الدفاع عن الدولة الوطنية؛ بل إن القضية الفلسطينية تحتاج إلى دول عربية مستقرة، ذات قرار سيادي ومؤسسات قوية، تستطيع أن تستخدم أدواتها السياسية والاقتصادية والدبلوماسية والأمنية في خدمة قضاياها الوطنية والقومية، ومن هنا تبرز أهمية إعادة تعريف مفهوم المقاومة نفسه، فالمقاومة ليست فقط بندقية، وليست فقط قوة عسكرية، فالمقاومة السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والثقافية والإعلامية والشعبية جزء من معركة السيادة أيضاً، أما القوة العسكرية، فتكتسب معناها الاستراتيجي عندما تكون جزءاً من قرار وطني واضح، لا عندما تصبح بديلاً عن الدولة أو منافساً لها.

وفي الحالة العراقية، يمكن أن تكون المرحلة المقبلة فرصة تاريخية لإعادة صياغة هذه المعادلة: دولة قوية، ومؤسسات أمنية وعسكرية مقتدرة، وقرار وطني موحد، وقدرات ردع تخضع لاستراتيجية الأمن القومي، وعلاقات خارجية متوازنة، مع الاحتفاظ بحق العراق الكامل في الدفاع عن سيادته ومصالحه، وهذا لا يعني أن الطريق سيكون سهلاً، فالتحدي لا يأتي من الداخل فقط، بل من بيئة إقليمية شديدة الاضطراب، وهناك مصالح أمريكية، ونفوذ إيراني، وأدوار تركية وخليجية، ونفوذ إسرائيلي متزايد، إلى جانب مصالح اقتصادية دولية مرتبطة بالطاقة والممرات التجارية وموقع العراق الجغرافي، وفي مثل هذه البيئة، فإن الدولة التي لا تمتلك استراتيجية واضحة قد تجد نفسها مضطرة إلى الاستجابة للأزمات بدلاً من صناعة سياستها.

يمتلك العراق عناصر قوة كبيرة تسمح له بأن يكون دولة محورية، لا ساحة نفوذ، فموقعه الجغرافي، وموارده النفطية، وسوقه، وعمقه البشري، وقدراته العسكرية، وعلاقاته المتنوعة مع القوى الدولية والإقليمية، كلها تمنحه إمكانات لبناء سياسة خارجية متوازنة وأمن قومي مستقل، لكن هذه الإمكانات تحتاج إلى قرار، قرار بأن العراق ليس قاعدة متقدمة لأي قوة، وليس ممراً لحرب الآخرين، وليس ساحة لتبادل الرسائل العسكرية بين واشنطن وطهران، وليس مساحة مفتوحة أمام أي مشروع إقليمي يريد توسيع نفوذه على حساب الدولة العراقية.

وفي هذه النقطة تحديداً يصبح 30 أيلول أكثر من موعد للانسحاب، إنه اختبار لمعنى السيادة بعد الانسحاب، فإذا خرجت القوات الأجنبية وبقي العراق عاجزاً عن التحكم في قراره الأمني، فإن شكل المشكلة يكون قد تغير من دون أن تنتهي المشكلة، أما إذا استطاعت الدولة العراقية أن تجمع عناصر القوة الوطنية في إطار استراتيجية أمن قومي واضحة، وأن تنظم علاقتها بكل القوى السياسية والعسكرية على قاعدة الدستور والقانون والمصلحة الوطنية، وأن تنفتح على علاقات دولية متوازنة، فإن 30 أيلول يمكن أن يتحول بالفعل إلى نقطة بداية لمسار جديد.

وهنا لا بد من التمييز بين أمرين: نهاية الوجود العسكري الأجنبي، ونهاية التبعية الاستراتيجية، الأول يمكن أن يحدث بقرار واتفاق، أما الثاني فيحتاج إلى بناء طويل للدولة ومؤسساتها واقتصادها وقدراتها الدفاعية وعلاقاتها الدولية، وهذا هو الدرس الأهم الذي ينبغي أن يصل إلى المنطقة كلها، فالعالم العربي يقف أمام مرحلة تتراجع فيها الحدود التقليدية بين الحرب والسياسة والاقتصاد والأمن، والهيمنة الأمريكية لا تعمل دائماً عبر الجندي الموجود على الأرض؛ فهي تعمل أيضاً عبر التحالفات والاقتصاد والتكنولوجيا والعقوبات وشبكات الأمن والطاقة والتفوق العسكري الإسرائيلي وإدارة الأزمات الإقليمية، وفي المقابل، فإن مواجهة هذه الهيمنة لا يمكن أن تكون فقط عبر ردود الفعل العسكرية المتفرقة، وإنما تحتاج إلى بناء دول أكثر استقلالاً، ومجتمعات أكثر قدرة على الصمود، وعلاقات دولية أكثر توازناً.

وفلسطين هي الاختبار الأكثر وضوحاً لهذا التحول، فالمطلوب ليس أن يتحول التضامن مع فلسطين إلى ذريعة لحروب إقليمية لا نهاية لها، ولا أن يتحول الحديث عن الاستقرار إلى غطاء لتصفية القضية الفلسطينية، والمطلوب هو معادلة مختلفة: دعم الحق الفلسطيني في الحرية والاستقلال وتقرير المصير، ورفض الاحتلال والضم والاستيطان، وفي الوقت نفسه بناء نظام إقليمي يحترم سيادة الدول ويمنع تحويلها إلى ساحات مفتوحة للصراع.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن غياب التسوية العادلة للقضية الفلسطينية سيبقى أحد أهم مصادر عدم الاستقرار في الشرق الأوسط، ولذلك فإن أي حديث عن أمن إقليمي جديد يتجاوز فلسطين سيظل ناقصاً، وأي مشروع للاستقرار لا يعالج جذور الصراع سيبقى معرضاً للانفجار من جديد، أما العراق، فإن أمامه فرصة لاختبار صيغة جديدة: أن تتحول المقاومة من حالة مرتبطة بوجود المحتل إلى مفهوم أوسع للدفاع عن السيادة، وأن تتحول قدرات الردع من قوى موزعة إلى جزء من استراتيجية وطنية، وأن تتحول الدولة من ساحة لتوازنات الآخرين إلى طرف يصنع توازنه بنفسه.

إن الاستقلال الحقيقي لا يعني العزلة عن العالم، كما أن السيادة لا تعني القطيعة مع القوى الدولية، والاستقلال يعني أن تكون للعراق علاقات مع الجميع، لكن من دون أن يكون قرار الحرب والسلم مرهوناً بأحد؛ وأن يمتلك أصدقاء وحلفاء وشركاء، لكن من دون أن يتحول إلى تابع؛ وأن يمتلك القوة، لكن القوة تكون في خدمة الدولة والمجتمع والمصلحة الوطنية.

بعد 30 أيلول، لن يكون السؤال الأساسي: أين ذهبت القوات الأمريكية؟ فالسؤال الأعمق سيكون: من يملك قرار العراق؟ وعلى الإجابة عن هذا السؤال يتوقف ما إذا كان 30 أيلول مجرد نهاية لمهمة عسكرية، أم بداية فعلية لمرحلة جديدة عنوانها السيادة العراقية والاستقلال الاستراتيجي، وفي عالم إقليمي يتغير بسرعة، قد تكون هذه اللحظة العراقية أبعد من العراق نفسه، فقد تكون نموذجاً للسؤال الذي ستواجهه دول المنطقة كلها: كيف تنتقل من إدارة الأزمات التي يصنعها الآخرون إلى امتلاك القدرة على صناعة القرار؟ وكيف تتحول القوة من أداة لصراع المحاور إلى رافعة لحماية الدولة؟ وكيف تصبح السيادة فعلاً سياسياً واستراتيجياً، لا مجرد شعار؟ وفي النهاية، لا تقاس قوة الدولة بعدد الأسلحة التي تمتلكها فقط، وإنما بقدرتها على جعل قرار استخدام القوة قراراً وطنياً، وهدفها حماية السيادة، ومرجعيتها الدولة، وغايتها سلامة المجتمع واستقلال القرار الوطني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *