العراق الشيعي الذي تريده الرياض.. شيعي بلا إيران!

العراق الشيعي الذي تريده الرياض.. شيعي بلا إيران!
يناقش التحليل تحوّل المقاربة الخليجية للعراق من رفض صعود القوى الشيعية إلى محاولة موازنة النفوذ الإيراني عبر الانفتاح على قوى شيعية عراقية مختلفة، مؤكداً أن استقلال العراق يقتضي احترام تعدد خياراته السياسية....

لم تكن المشكلة الخليجية، منذ سقوط نظام صدام حسين عام 2003، في أن يصبح العراق محكوماً بغالبية شيعية، بقدر ما كانت في أن تتحول هذه الغالبية إلى قوة سياسية قريبة من إيران.

وهنا تكمن المفارقة الأساسية في السياسة الخليجية تجاه العراق: يمكن أن يكون العراق شيعياً، ولكن ليس من حقه أن يكون عراقاً شيعياً قريباً من إيران!

بعد سقوط صدام، انتقلت السلطة السياسية في بغداد إلى قوى شيعية كانت محرومة لعقود من المشاركة الحقيقية في الحكم. وكان ذلك تحولاً طبيعياً في بنية النظام العراقي الجديد. لكن الرياض، ومعها عواصم خليجية أخرى، قرأت التحول من زاوية الصراع الإقليمي، واعتبرت صعود القوى الشيعية العراقية جزءاً من اتساع النفوذ الإيراني.

وتشير دراسات أكاديمية إلى أن السعودية نظرت منذ السنوات الأولى إلى النظام العراقي الجديد باعتباره بيئة تسمح لإيران بتوسيع نفوذها، كما أن موقفها من رئيس الوزراء نوري المالكي اتسم بدرجة عالية من عدم الثقة، بسبب علاقاته بطهران.

لكن المفارقة أن هذه السياسة ربما أنتجت النتيجة التي كانت الرياض تخشاها.

فالمالكي لم يكن بالضرورة، عند وصوله إلى رئاسة الحكومة، الشخصية الأكثر قرباً من إيران. بل تشير دراسات عن تلك المرحلة إلى أنه حاول في البداية تحقيق توازن في علاقاته الإقليمية، وقام بأول زيارة خارجية له كرئيس للوزراء إلى السعودية. لكن تصاعد التوتر مع الرياض، إلى جانب شعوره بأن حكومته مستهدفة إقليمياً، دفع بغداد إلى مزيد من التقارب مع طهران.

اليوم وبعد ان فشلت استراتيجية اسقاط الحكم الشيعي الجديد في العراق، بدأ حكام الخليج بوضع استراتيجية بديلة وهي: إنتاج حكم شيعي، ولكن بقيادة شيعية لا تكون قريبة من إيران.

الوقائع اللاحقة تعطي مؤشرات قوية على هذا الاتجاه.

فبعد سنوات من القطيعة، بدأت السعودية إعادة بناء علاقاتها مع بغداد، ولم تقتصر اتصالاتها على الحكومة العراقية، بل انفتحت على شخصيات وقوى شيعية مختلفة، من حيدر العبادي إلى مقتدى الصدر. وقد رأت تحليلات سياسية في ذلك محاولة سعودية لمنافسة النفوذ الإيراني داخل العراق، وليس رفضاً لمبدأ مشاركة الشيعة في الحكم.

وهنا تظهر المسألة بأوضح صورها: المشكلة لم تعد شيعة أم سنة. بل: أي شيعة؟ وأي عراق؟

فشيعة العراق ليسوا كتلة سياسية واحدة، ولا يمكن اختزالهم في أنهم مجرد امتداد سياسي لإيران. هناك قوى شيعية عراقية وطنية، وقوى أكثر قرباً من طهران، وقوى تحاول الموازنة بين علاقاتها الإقليمية ومصالحها العراقية.

وهذه الحقيقة هي التي كان ينبغي على العواصم الخليجية أن تتعامل معها منذ البداية.

فالعراق بعد 2003 لم يعد العراق الذي يمكن تحديد هويته السياسية من خارج حدوده. كما أن محاولة قراءة كل قوة شيعية عراقية من خلال علاقتها بإيران أدت إلى تبسيط المشهد العراقي وتحويله إلى ساحة صراع إقليمي.

والأخطر من ذلك أن التعامل مع العراق بهذه الطريقة جعل إيران، في نظر قوى عراقية عديدة، الطرف الأكثر استعداداً لملء الفراغ الذي تركه العرب.

وهنا تكمن المفارقة:

كلما حاولت بعض العواصم الخليجية إبعاد العراق عن إيران عبر الضغط السياسي، ساهمت سياساتها أحياناً في دفع بغداد نحو طهران بصورة أكبر.

وهذا لا يعني أن العراق ينبغي أن يكون تابعاً لإيران، فإيران نفسها لا تقبل ذلك. كما لا يعني ان يعود العراق على ما كان من عليه قبل سقوط النظام السابق، القضية أبسط وأعمق في الوقت نفسه:

العراق ليس ملكاً للسعودية، وليس ملكاً لإيران، وليس ملكاً للخليج أو واشنطن. او اي دولة اخرى. العراق للعراقيين.

ومن حق العراقي الشيعي أن يكون شيعياً ووطنياً في آن واحد، وأن يحدد علاقاته الخارجية وفق مصالح بلاده. ومن حق العراق أن يقيم علاقات قوية مع إيران أو السعودية أو تركيا أو غيرها، من دون أن تتحول هذه العلاقات إلى وصاية على قراره الوطني.

أما محاولة صناعة “شيعي عراقي” في مواجهة “شيعي إيراني”، فهي في النهاية استمرار لمنطق تحويل المذهب إلى أداة في الصراع الإقليمي.

والمشكلة هنا ليست في المذهب، وإنما في محاولة توظيف المذهب سياسياً.

لقد تغير العراق بعد 2003، وهذه حقيقة لا يمكن تجاوزها.

ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن تواجهه العواصم الخليجية اليوم هو: كيف نتعامل مع عراق جديد لا نستطيع اختيار حكامه، ولا تحديد تحالفاته، ولا كتابة سياسته من الخارج؟

إذا كان الخليج يريد عراقاً عربياً مستقلاً، فإن الطريق إلى ذلك لا يمر عبر محاولة صناعة قيادات شيعية موالية له في مواجهة قيادات شيعية قريبة من إيران، ولا عبر التعامل مع بغداد باعتبارها ساحة لتصفية الحسابات مع طهران.

الطريق يبدأ من احترام العراق كدولة ذات سيادة، والتعامل مع جميع مكوناته وقواه السياسية على أساس المصالح المشتركة، لا على أساس الهوية المذهبية.

فالعراق لن يعود إلى ما قبل 2003، ومن يريد بناء علاقة عربية قوية معه، عليه أولاً أن يقبل بحقيقة أن العراق الجديد يختار طريقه بنفسه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *