في السياسة الدولية قاعدة ينبغي ألا تغيب عن حسابات الدول: لا يجوز أن يتحول بلد ثالث إلى دافع لفاتورة صراع لا يشارك في صنعه. وهذه هي الزاوية التي ينبغي للحكومة العراقية أن تنطلق منها في التعامل مع التداعيات التي ترتبت على العقوبات الأمريكية الجديدة المفروضة على قطاع الطيران الإيراني.
ففي الثامن من أيلول/سبتمبر 2026، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية فرض عقوبات على 27 شركة طيران إيرانية ضمن إجراءات أوسع استهدفت قطاع الطيران، مع إخضاع عدد من هذه الكيانات لمخاطر العقوبات الثانوية. ثم انعكست هذه الإجراءات بصورة مباشرة على قدرة الناقلات الإيرانية على الحصول على خدمات المطارات والمناولة والتزود بالوقود وبيع التذاكر خارج إيران.
وبعد أيام، توقفت الرحلات الإيرانية إلى عدد من المطارات العراقية. وأفادت تقارير بأن الحكومة العراقية وجهت بوقف الرحلات الإيرانية إلى مطار بغداد عقب التحذيرات الأمريكية من التعامل مع الناقلات الخاضعة للعقوبات، قبل أن يمتد التعليق إلى المطارات العراقية الأخرى التي كانت تستقبل هذه الرحلات. وفي الوقت نفسه، أظهرت الوقائع أن جانباً أساسياً من التعطيل ارتبط أيضاً بامتناع شركات المناولة والخدمات الأرضية عن تقديم خدماتها للناقلات الإيرانية خشية التعرض للعقوبات الأمريكية.
وهنا تبدأ المشكلة العراقية الحقيقية.
العقوبة على إيران.. لكن جزءاً من الكلفة يقع على العراق
الولايات المتحدة تقول إن إجراءاتها تستهدف قطاع الطيران الإيراني والجهات التي ترى أنها توفر دعماً لأنشطة تخضع للعقوبات. غير أن الأثر الاقتصادي لهذه السياسة لا يتوقف عند الحدود الإيرانية. فعندما تتعطل الرحلات بين إيران والعراق، تفقد المطارات العراقية جزءاً من رسوم الهبوط والخدمات والمناولة، وتتضرر وكالات السفر وشركات النقل والفنادق والمطاعم والأسواق التي تستفيد من حركة المسافرين والزائرين.
كما يتحمل المسافر نفسه جزءاً من الكلفة من خلال البحث عن طرق بديلة، أو الانتقال إلى النقل البري، أو تغيير مواعيد السفر ووجهاته. ويكتسب هذا الأمر وزناً أكبر في مدن مثل النجف وكربلاء، حيث تشكل الزيارات الدينية وحركة المسافرين بين العراق وإيران جزءاً مهماً من النشاط الخدمي المرتبط بالنقل والسياحة.
وقد تحدثت شركات سفر عراقية بالفعل عن تأثر أعمالها نتيجة توقف الرحلات، في وقت أشارت تقديرات متخصصة إلى أن عدد الرحلات الجوية بين البلدين كان يتراوح، قبل القيود الأخيرة، بين 15 و20 رحلة يومياً. ومع ذلك، لا تتوافر حتى الآن بيانات رسمية شاملة تسمح بعزل الخسارة الناتجة عن توقف الرحلات الإيرانية وتحديد قيمتها بدقة.
وهذا التمييز ضروري.
فالمشكلة ليست في إنتاج رقم كبير يصلح للاستخدام الإعلامي، وإنما في معرفة مقدار الضرر الحقيقي الذي أصاب الاقتصاد العراقي.
لقد تداولت بعض الأوساط تقديرات مختلفة للخسائر اليومية، إلا أن هذه الأرقام لا ينبغي أن تتحول إلى حقائق رسمية من دون تدقيق. وإذا افترضنا، لأغراض المحاكاة الحسابية فقط، خسارة مقدارها مليون دولار يومياً، فإنها تعني سبعة ملايين دولار في الأسبوع، ونحو 30 مليون دولار في الشهر، و180 مليون دولار خلال ستة أشهر، و365 مليون دولار في السنة.
لكن هذه الأرقام تبقى فرضية حسابية، وليست تقديراً مثبتاً للخسائر الفعلية.
ولهذا فإن السؤال الأهم ليس: كم نعتقد أننا نخسر؟ بل: كم نستطيع أن نثبت بالأرقام والوثائق أننا خسرنا؟
بغداد بحاجة إلى «حساب خسائر» رسمي
إذا استمرت القيود أو تكررت مستقبلاً، فلا ينبغي أن يبقى التعامل العراقي معها في حدود رد الفعل السياسي والإعلامي. المطلوب تأسيس آلية رسمية لحساب الضرر الاقتصادي الناجم عن العقوبات والإجراءات الخارجية التي تمتد آثارها إلى داخل العراق.
يمكن أن تضم هذه الآلية وزارة النقل وسلطة الطيران المدني ووزارة المالية والجهات المعنية بالسياحة والتجارة والمطارات وشركات الطيران والسفر والسياحة، إلى جانب خبراء اقتصاديين وقانونيين.
وتكون مهمتها رصد عدد الرحلات الملغاة والمسافرين المتأثرين، وإيرادات المطارات والمناولة والخدمات الأرضية المفقودة، وتأثير توقف الحركة في شركات السفر والفنادق والنقل والأنشطة المرتبطة بالزائرين، فضلاً عن الإيرادات والضرائب التي تفقدها الدولة أو القطاع الخاص نتيجة تراجع النشاط.
الأهم من ذلك هو الفصل بين الخسارة المباشرة والخسارة غير المباشرة. فإيراد هبوط طائرة يمكن حسابه بدقة، أما خسارة مطعم أو فندق بسبب تراجع عدد الزائرين فتحتاج إلى منهج أكثر حذراً حتى لا تتحول المطالبة إلى أرقام يصعب الدفاع عنها.
عندئذ فقط ينتقل الحديث من «تقديرات» إلى ملف مالي واقتصادي يمكن للعراق أن يضعه على طاولة التفاوض.
وهل يحق للعراق المطالبة بالتعويض؟
من حق الحكومة العراقية، سياسياً ودبلوماسياً، أن تطرح على الولايات المتحدة مسألة الأضرار التي تلحق بالمصالح العراقية نتيجة تطبيق العقوبات على طرف آخر، وأن تطلب معالجة هذه الأضرار أو الحد منها.
أما القول بوجود التزام قانوني أمريكي تلقائي بتعويض العراق، فهو أمر مختلف ولا يجوز افتراضه مسبقاً. فالمطالبة القانونية بالتعويض تحتاج إلى تحديد الإجراء محل الاعتراض، وإثبات الضرر، وإثبات العلاقة السببية بين الإجراء والخسارة، ثم تحديد الأساس القانوني الذي يمكن الاستناد إليه.
ولهذا فإن قوة الموقف العراقي لا تأتي من رفع سقف الخطاب، بل من قوة الملف.
كلما كانت الخسائر موثقة، وكلما أمكن إثبات أن منشأة أو شركة عراقية تضررت مباشرة بسبب التهديد بالعقوبات الثانوية، أصبح لدى بغداد أساس أقوى لفتح التفاوض بشأن الاستثناءات أو الضمانات أو المعالجات المالية المناسبة.
وفي هذا السياق، ظهرت بالفعل مؤشرات إلى إمكان معالجة بعض الآثار عن طريق الاستثناءات؛ إذ أفادت رويترز في 28 أيلول/سبتمبر بأن واشنطن تتجه إلى منح إعفاء محدود يسمح للخطوط الجوية العراقية بتسيير رحلات بين إيران والنجف لمدة شهر. وإذا تم هذا المسار واستمر، فإنه يبين أن باب التفاوض حول الاستثناءات العملية ليس مغلقاً.
ماذا يمكن أن تطلب بغداد؟
الأولوية الأولى يجب أن تكون حماية المؤسسات العراقية من العقوبات الثانوية. فإذا كانت شركة عراقية تقدم خدمات مدنية مشروعة داخل مطار عراقي، فمن الطبيعي أن تسعى الحكومة إلى الحصول على توضيحات وضمانات بشأن حدود ما يمكن أن تقوم به من دون أن تتعرض للعقوبات أو تفقد قدرتها على التعامل مع النظام المالي الدولي.
والخيار الثاني هو التفاوض على استثناءات محددة، ولا سيما في الرحلات المرتبطة بحركة المواطنين والزائرين والحالات الإنسانية، وفق ضوابط رقابية واضحة تحقق مصلحة العراق ولا تحوله إلى قناة للالتفاف على العقوبات.
أما إذا أثبتت البيانات وجود أضرار مالية عراقية محددة ومباشرة، فيمكن طرح آليات لمعالجتها ضمن الحوار الاقتصادي والدبلوماسي مع واشنطن، سواء عبر ترتيبات تعاون أو تسهيلات أو حلول مالية يجري التفاوض عليها.
وتأتي المطالبة بالتعويض المباشر في مرحلة لاحقة، عندما يكون الضرر موثقاً والأساس القانوني والتفاوضي واضحاً. فالتعويض ليس شعاراً، وإنما مطالبة تحتاج إلى ملف يمكن الدفاع عنه.
العراق لا يحتاج إلى مواجهة مع واشنطن
المطالبة بحماية المصالح العراقية لا تعني تحويل القضية إلى مواجهة سياسية مع الولايات المتحدة. يستطيع العراق أن يحافظ على علاقاته مع واشنطن، وفي الوقت نفسه يوضح أن لديه مسؤولية تجاه اقتصاده ومؤسساته ومواطنيه.
الموقف الذي تحتاج إليه بغداد بسيط: العراق لا يطلب حماية شركة إيرانية من العقوبات الأمريكية، ولا يطلب من الولايات المتحدة تغيير سياستها تجاه إيران من أجل العراق. ما يطلبه هو ألا تتحول الآثار الجانبية لهذه السياسة إلى خسائر مفتوحة تتحملها الشركات والمطارات والمواطنون العراقيون.
هذا موقف تفاوضي أكثر قوة من الدخول في سجال سياسي حول أصل العقوبات نفسها.
فالسؤال العراقي ليس ما إذا كانت واشنطن ترى العقوبات ضرورية في صراعها مع طهران. السؤال هو: ما الذي يحدث عندما تنتقل كلفة تلك العقوبات إلى طرف ثالث؟
المشكلة أكبر من الطيران
الطيران ليس سوى نموذج لمشكلة أوسع.
العراق بحكم موقعه الجغرافي وترابطه التجاري والاقتصادي مع محيطه معرض لأن يتحمل جزءاً من كلفة الصراعات الإقليمية والعقوبات وإغلاق الممرات وتعطل التجارة والطاقة والنقل. وكلما اشتدت المواجهة بين القوى المحيطة به، انتقلت بعض آثارها إلى اقتصاده حتى عندما لا يكون طرفاً مباشراً فيها.
ولهذا يحتاج العراق إلى قاعدة ثابتة في سياسته الاقتصادية الخارجية عنوانها: عدم تحميل الاقتصاد العراقي كلفة صراعات الآخرين.
هذه القاعدة لا تعني تحدي الولايات المتحدة، ولا الانحياز إلى إيران، وإنما تعني أن تكون المصلحة العراقية نقطة الانطلاق.
فإذا كان الإجراء يستهدف إيران، فهذه مسألة تخص السياسة الأمريكية تجاه إيران. أما حين يؤدي تطبيقه إلى تعطيل مطار عراقي، أو خسارة شركة عراقية، أو ارتفاع كلفة سفر المواطن العراقي، فإن جزءاً من القضية يصبح عراقياً بالضرورة.
ومن هنا يجب أن تكون الرسالة التي تحملها بغداد إلى واشنطن واضحة وهادئة: نحن لا نتدخل في سياستكم تجاه إيران، ولا نطالب بحماية الجهات الخاضعة للعقوبات، لكننا نطالب بحماية المصالح العراقية من الأضرار غير المقصودة أو الممتدة لهذه السياسة.
العراق لا يحتاج في هذه القضية إلى الشعارات. يحتاج إلى أرقام موثقة، وحسابات قابلة للتدقيق، وفريق قانوني واقتصادي، وقناة تفاوض واضحة.
فالقضية في جوهرها ليست دفاعاً عن الطيران الإيراني، وإنما دفاع عن المصلحة الاقتصادية العراقية.
وإذا كانت الخسائر ستستمر، فعلى الدولة أن تعرف مقدارها أولاً، ثم تحدد المسؤولية عنها، وبعد ذلك تبحث عن الاستثناء أو المعالجة أو التعويض وفق ما تسمح به الوقائع والقانون والتفاوض.
أما ترك الخسائر تتراكم من دون حساب، ثم الاكتفاء بالشكوى منها، فلن يحمي اقتصاد العراق.
والقاعدة التي ينبغي أن تبدأ منها بغداد واضحة: لا ينبغي أن يدفع العراق ثمن صراع لم يختره، ولا ينبغي أن تبقى أي خسارة عراقية بلا توثيق ومطالبة ومعالجة.


