لم تعد الولايات المتحدة تمتلك اليوم هامشاً واسعاً من الخيارات الاستراتيجية المريحة، في ظل تصاعد التحديات البنيوية التي تواجه اقتصادها ومكانتها الدولية. فمع تجاوز الدين العام الأمريكي حاجز 39 تريليون دولار، وغلبة الطابع الخارجي على جزء كبير منه، لم تعد المسألة اقتصادية فحسب، بل تحولت إلى معطى جيواقتصادي يفرض نفسه على حسابات القوى الكبرى، ويؤثر بصورة مباشرة في مستقبل النظام الدولي وتوازناته.
واكتسبت اللقاءات الدولية الأخيرة التي جرت في بكين أهمية استثنائية، ليس فقط بسبب طبيعة الأطراف المشاركة فيها، وإنما أيضاً بسبب التوقيت الذي جاءت فيه، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام العالمي. وقد عكست اللقاءات المتتالية بين الرئيس الأمريكي والرئيس الصيني ثم زيارة الرئيس الروسي إلى بكين خلال الفترة بين 19 و20 ايار، إدراكاً متزايداً لدى القوى الكبرى بأن العالم يمر بمرحلة انتقالية دقيقة، تتداخل فيها الأبعاد المالية والاستراتيجية والسياسية.
ويبدو أن الإدراك المشترك لحجم التحول الجاري لا يعني بالضرورة وجود رؤية موحدة لمآلاته، إذ تختلف مقاربات القوى الكبرى تبعاً لأولوياتها ومصالحها الاستراتيجية. فالولايات المتحدة، رغم إدراكها التدريجي لتراجع قدرتها على الحفاظ على نمط الهيمنة الأحادية الذي أعقب نهاية الحرب الباردة، لا تزال تسعى إلى إطالة عمر هذا النظام لأطول فترة ممكنة. ومن هذا المنطلق، تبدو واشنطن حريصة على تأمين نفوذها في نصف الكرة الغربي وتعزيز السيطرة على موارده الاقتصادية والاستراتيجية، باعتبار ذلك أحد المسارات الممكنة للحفاظ على مكانتها الدولية والتخفيف من الضغوط البنيوية التي يفرضها الدين العام وتراجع القدرة الإنتاجية النسبية.
من جهة اخرى تتبنى الصين مقاربة أكثر حذراً وميلاً إلى إدارة التحول الدولي بأقل قدر ممكن من الاضطرابات. فبكين، التي باتت ترى نفسها لاعباً مركزياً في إعادة تشكيل النظام العالمي، تدرك في الوقت ذاته أن أي انهيار اقتصادي حاد في الولايات المتحدة أو روسيا قد ينعكس سلباً على الاستقرار العالمي وعلى مصالحها الاقتصادية المرتبطة بشبكات التجارة والاستثمار الدولية. ولذلك تفضل الصين التحولات التدريجية والناعمة، وتعارض الانزلاق نحو مواجهات عسكرية واسعة قد تعرقل عملية الانتقال إلى نظام دولي متعدد الأقطاب.
أما روسيا، فتبدو أكثر ميلاً إلى اعتبار النزاعات الإقليمية المحدودة وسيلة لاستنزاف القدرات الأمريكية وتقليص هامش الحركة لدى واشنطن. وتنطلق موسكو من فرضية مفادها أن الولايات المتحدة ما تزال تحاول الحفاظ على موقع الهيمنة العالمية رغم تراجع الأدوات الاقتصادية والسياسية التي دعمت هذا الدور لعقود. وإن استمرار بؤر التوتر والنزاعات قد يسرع، من وجهة النظر الروسية، عملية التحول في موازين القوى الدولية ويدفع باتجاه إعادة تشكيل النظام العالمي بصورة أسرع.
ان المشهد الدولي الراهن لا يعكس فقط تنافساً بين قوى كبرى، بل يكشف أيضاً عن تباين عميق في تصورات هذه القوى لطبيعة المرحلة الانتقالية المقبلة وآليات إدارتها. وبينما تسعى بعض الأطراف إلى إبطاء التحول، تفضل أطراف أخرى احتواءه أو تسريعه وفقاً لمصالحها الاستراتيجية. غير أن العامل الأكثر حساسية في هذه المرحلة يبقى في احتمالات سوء التقدير أو غياب التفاهمات الواضحة بين القوى الكبرى، إذ إن المفاجات غير المحسوبة في البيئات الدولية المتوترة غالباً ما تشكل المصدر الأكثر خطورة لعدم الاستقرار العالمي.


