شرف الكراسي من منافي الشتات إلى دهاليز السلطة
حين كنا نجلس معهم في منافي الشتات، في عواصم باردة وخطابات دافئة، كانت الكلمات تتدفق من أفواههم كشلالات من طهر. كنت تسمع الواحد منهم يتحدث عن مظلومية الشعب العراقي، فتكاد ترى في عينيه دمعة الثائر وزهد الأنبياء.
كانوا يحملون براءة البدايات، وتظهر على ثيابهم ملامح تقشف واضحة. كما كانت جيوبهم فارغة إلا من أحلام عريضة بالعدالة والحرية، وبتوزيع ثروات البلاد على الجياع والمحرومين. في تلك الأيام، كانت السلطة في أدبياتهم «شراً لا بد من إصلاحه»، وكان الكرسي رجساً من عمل الطغاة. ومن هنا، يبدأ سؤال شرف الكراسي حين يختبر المنصب صدق الشعارات.
شرف الكراسي ومغارة علي بابا
دارت الأيام دورتها، وانفتحت مغارة علي بابا. عشرون عاماً مرت على جلوس هؤلاء الثوار على المقاعد ذاتها التي شتموها طويلاً. ويا للعجب مما تفعله القصور بساكنيها.
تلك الوجوه التي ألفت الشحوب والتقشف، أشرقت بنعيم مجهول المصدر. ثم بدأت الأجساد تتضخم بفعل الولائم، وبدأت النفوس تضيق بفعل الجاه. وهكذا، لم تعد السلطة في خطابهم رجساً من عمل الطغاة، بل صارت امتيازاً يومياً يحرسونه بكل ما لديهم من نفوذ.
الغواية الصامتة وصناعة الأصنام
إنها الغواية الصامتة. تبدأ بخطوة صغيرة لحماية «الإنجاز»، ثم تنتهي بسياج من الحراس والسيارات المصفحة التي تعزل القائد عن شعبه. وبالتدريج، تسلل الحواريون والانتهازيون والوشاة، أولئك الذين يتقنون صناعة الأصنام من الطين.
التف حولهم أصحاب المصالح والنقّاع «المنفّعون»، فبنوا حول المسؤول جداراً سميكاً من النفاق. كانوا يهمسون في أذنه ليل نهار: «أنت المنقذ، ولولاك لضاعت البلاد». وفي هذه البيئة المشبعة بالبخور والمديح، تلاشت براءة المعارض القديم، وحلت محلها غطرسة الحاكم المستبد.
من لغة المعارضة إلى غطرسة الحكم
العجيب، بل والمبكي في آن واحد، أن هؤلاء القادة ما عادوا يتحملون كلمة نقد واحدة. فالرجل الذي كان يقضي ليله في كتابة البيانات ضد قمع السلطة السابقة، بات يرى في شكوى مواطن يطلب الماء والكهرباء والحقوق مؤامرة خارجية تستهدف «التجربة الديمقراطية».
تحولت أحاديث الزهد إلى صفقات مليارية. كما أصبحت ميزانيات البلد العريق تُقسّم كغنائم حرب بين الأتباع والمريدين، بينما يغرق الشارع في أزماته. وهنا تظهر مفارقة شرف الكراسي بأوضح صورها؛ فالكرسي الذي كان في خطابهم وسيلة للإصلاح، أصبح في واقعهم بوابة للنفوذ والغنيمة.
العراق وسؤال العقلية الضيقة
كيف لبلد بوزن العراق، بثقله التاريخي، وعمقه الحضاري، وثرواته الهائلة، أن يُقاد حتى اليوم بهذه العقلية الضيقة؟ إنه سؤال يبعث على الدهشة والحيرة.
كيف يستمر هؤلاء في حكم بلد معقد كالعراق بعقلية «القرية» أو «المغنم»، من دون أي أفق سياسي أو رؤية لبناء دولة حقيقية؟ لقد أصابهم العمى السياسي الذي يصيب كل من يطول مكثه فوق كرسي السلطة. لذلك، ظنوا أن ثروات الأرض ملك ليمينهم، وأن بقاءهم قدر لا مفر منه.
شرف الكراسي ونهايات الوهم
غفل هؤلاء عن حقيقة تاريخية كبرى: أن الشارع الذي استقبلهم يوماً بالورود، هو نفسه الشارع الذي يغلي اليوم تحت أقدامهم. كما غفلوا عن أن نهايات السقوط من أعالي الوهم تكون دائماً تراجيدية وقاسية.
فعيونهم لم تعد ترى سوى بريق الكراسي، بينما يتشكل الإعصار في الأسفل. ومن هنا، لا يعود شرف الكراسي في الشعارات التي قيلت في المنافي، بل في القدرة على مقاومة غواية السلطة، وحماية المال العام، واحترام الناس الذين جاؤوا يوماً باسمهم ثم تركوهم وحيدين في عراء الأزمات.


