هناك وُلدت فتوى الجهاد الكفائي

فتوى الجهاد الكفائي ولحظة إنقاذ العراق من السقوط
قراءة في ولادة فتوى الجهاد الكفائي يوم 13 حزيران 2014، وكيف غيّرت مسار المعركة، وحشدت الناس، ومنعت سقوط بغداد والنجف وكربلاء أمام داعش..

فتوى الجهاد الكفائي ولحظة سقوط المدن

في العاشر من حزيران 2014، كان سقوط المحافظات يتسابق مع الزمن. كل دقيقة كانت تسقط قرية أو مدينة أو قضاء، وكأن العراق كله يقف على حافة الهاوية. في تلك اللحظة، كانت فتوى الجهاد الكفائي على موعد مع ولادة تاريخية ستغيّر مسار البلاد.

لم تكن المناطق الغربية تحتاج إلى قتال يُذكر ما إن تعلن ولاءها لداعش. بل إن كثيراً ممن بايعوا التنظيم جعلوا من ذلك الولاء رخصة للانتقام من أبناء مناطقهم من الأديان والمذاهب الأخرى، وقدموا الدماء عربون طاعة ومحبة للدواعش.

فارتُكبت المجازر والمذابح الجماعية، وسالت أنهار الدم في الموصل وتكريت والأنبار وكركوك وسهل نينوى. وكان الشيعة والإيزيديون في مقدمة المستهدفين بمشاريع القتل والتطهير والإبادة.

فتوى الجهاد الكفائي وسط خذلان الداخل والخارج

في تلك الأيام السوداء، رقصت دول العار العربي طرباً وهي ترى مشروعها في العراق يقترب من تحقيق غاياته. كما وجد الانفصاليون الفرصة التي طالما انتظروها لينقضوا على ما سعوا إليه لعقود.

أما الولايات المتحدة، فقد ارتدت ثياب المتفرج الكاذب. كانت تراقب السلاح السعودي والإماراتي والقطري وهو يتدفق إلى عصابات داعش، من دون أن تحرك ساكناً. بل ساهمت، وفق هذا المنظور، في وصول الكثير من الدعم الذي مكّن الإرهاب من التمدد والبطش والقتل.

كانت بغداد يومها على بُعد قوسين أو أدنى من السقوط. فقد كانت محاصرة من كل الجهات بأنصار داعش وسلاحهم وأموالهم. وكانت شعارات الموت للشيعة ترتفع في كل مكان، فيما كانت جحافل الإرهاب تتوعد باقتحام العاصمة بغداد والنجف وكربلاء، وتحويلها إلى مدن للخراب والدم والنار.

من النجف إلى كربلاء: هناك وُلد النداء

في تلك اللحظة التي ظن فيها العالم أن العراق انتهى، خرج الصوت الذي غيّر مجرى التاريخ. من بيت عتيق في النجف الأشرف، انطلقت الرسالة إلى كربلاء، لتُتلى يوم الجمعة الثالث عشر من حزيران 2014 من على منبر العتبة الحسينية.

كان ذلك منبر الثورة الحسينية، ومنبر الحق الذي لم ينحنِ للباطل عبر القرون. هناك دوّى النداء. وهناك وُلدت فتوى الجهاد الكفائي. وهناك بدأت أعظم ملحمة شعبية شهدها العراق في تاريخه الحديث.

وبذلك، لم تعد اللحظة مجرد خطبة أو إعلان ديني. بل تحولت إلى نقطة انقلاب تاريخية، أعادت تعريف معنى الدفاع عن الوطن حين يهدده الفناء.

تسونامي بشري نحو جبهات القتال

تحولت فتوى الجهاد الكفائي إلى تسونامي بشري شيعي هادر، انطلق من الجنوب وبغداد، ومن المدن والأرياف، ومن البيوت والأسواق والجامعات والمعامل، ليزحف نحو جبهات القتال.

عشرات الآلاف لبّوا النداء، ثم مئات الآلاف. كانوا يحملون أرواحهم على أكفهم، مؤمنين بأن الدفاع عن العراق شرف، وأن الشهادة في سبيله حياة.

وبذلك الزحف المقدس، انكسرت موجة الإرهاب، وتهاوت أوهام الدواعش، وسقطت أحلام أمريكا ودول العار العربي الخليجي التي راهنت على تمزيق العراق وإسقاطه. كما تحولت جحافل الخونة والمتآمرين من قوة مهاجمة إلى فلول هاربة، تلاحقها نار المقاتلين في كل شبر من أرض العراق.

حين سقطت توقعات الأعداء

لقد قالوا إن العراق لن يتحرر قبل ثلاثين عاماً. وقالوا إن داعش أصبحت أمراً واقعاً. وقالوا إن بغداد ساقطة لا محالة.

لكنهم لم يعرفوا العراق، ولم يعرفوا شعبه، ولم يعرفوا معنى أن تصدر فتوى من مرجع عراقي حين يكون الوطن مهدداً بالفناء.

فخلال ثلاث سنوات فقط، تبددت تلك التوقعات كلها. وارتفعت رايات النصر فوق المدن التي دنستها أقدام الإرهاب. وعاد العراق موحداً مرفوع الرأس، بعد أن ظن الأعداء أنه أصبح لقمة سائغة لمشاريعهم.

فتوى الجهاد الكفائي وصناعة النصر

لقد تحقق ذلك النصر بفضل المرجع العراقي الذي أطلق الشرارة الأولى، وبفضل المرشد والسلاح الإيراني الذي وصل في أحلك الظروف. كما تحقق بفضل القيادة المشتركة للشايب والجنرال، وبفضل بطولات الحشد الشعبي والقوات الأمنية العراقية التي خاضت أشرس المعارك، وقدمت قوافل الشهداء والجرحى.

هؤلاء هم الذين كتبوا النصر بدمائهم.هؤلاء هم الذين منعوا سقوط بغداد.هؤلاء هم الذين أنقذوا العراق من التقسيم والضياع.وهؤلاء هم الذين أثبتوا أن الأوطان لا يحميها المتفرجون، ولا ينقذها المتآمرون. بل يحميها الرجال الذين يقفون، في ساعة الخطر، بين الوطن والموت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *