تشير التحليلات الحديثة إلى أن سياسات التقشف تمثل أحد العوامل الرئيسة في صعود اليمين المتطرف داخل المجتمعات الغربية. هذا ما يؤكده اوليفييه دي شوتير المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بمسألة الفقر المدقع وحقوق الإنسان، في تقريره الأخير حول ظاهرة الإقصاء الاجتماعي واتساع الفوارق الطبقية في الدول الغربية.
سياسات الإنفاق وتنامي الشعبويةيبين دي شوتير في تقريره أن كل خفض في الإنفاق على السياسات الاجتماعية يرتبط ارتباطا مباشرا بارتفاع التأييد الانتخابي، ثم الأداء الفعلي في صناديق الاقتراع، للأحزاب الشعبوية المنتمية إلى اليمين المتطرف. وغالبا ما تكون الحكومات الوسطية، سواء المنتمية إلى اليمين التقليدي أو اليسار المؤسساتي، هي التي تقود هذه التخفيضات الاجتماعية، إذ تتبنى مقاربات متشابهة تقوم على المبادئ الجوهرية لإجماع واشنطن: تقليص الإنفاق العام، الخصخصة، وتحرير الأسواق. وتشترك هذه الحكومات، بدرجات متفاوتة، في تمثيل مصالح رأس المال الكبير والعابر للحدود، ما يجعل سياساتها الاجتماعية والاقتصادية متقاربة إلى حد بعيد. اليمين الشعبوي وتناقض الخطابويرى دي شوتير أن المفارقة تكمن في أن بعض حكومات اليمين الشعبوي، رغم انتقادها للتقشف، تواصل تطبيق سياسات مالية أكثر تشددا، تشمل خفضا إضافيا في مخصصات الرعاية الاجتماعية، بالتوازي مع تخفيض الضرائب. وتستخدم هذه الحكومات خطابا يحمل المهاجرين مسؤولية ضعف أنظمة الرفاه الاجتماعي، وهو خطاب يلقى صدى واسعا بين الناخبين ويؤدي إلى تعزيز شعبيتها. أما في دول العالم الثالث، فتأخذ الظاهرة شكلا أكثر حدة وتعقيدا. فنتائج سياسات النيوليبرالية المفروضة عبر مؤسسات التمويل الدولية، أدت إلى تفكيك شبكات الحماية الاجتماعية وإضعاف الطبقات الوسطى، ما عمق ظواهر الفقر والتهميش والبطالة. هذه السياسات، التي تبنتها نخب محلية غالبا بتوصيات خارجية، لم تفض فقط إلى إفقار المجتمع بل إلى نزع الطابع الاجتماعي عن الدولة وتحويلها إلى جهاز يخدم مصالح رأس المال المحلي والعالمي على حساب الفئات الشعبية. وفي غياب قوى سياسية تقدمية حقيقية، تترك المجتمعات في مواجهة مزدوجة: من جهة تسلط النخب الحاكمة، ومن جهة أخرى استغلال القوى الاقتصادية العابرة للحدود، مما يكرس دائرة التبعية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. ومن المتوقع أن تواصل دول الجنوب العالمي تبني سياسات مالية تقشفية تحت ضغط الديون والعجز المزمن، مما ينذر باتساع الفجوة الاجتماعية وبتراجع دور الدولة في تحقيق العدالة الاقتصادية. وإذا استمرت هذه الاتجاهات دون إصلاحات هيكلية جذرية، فإنها ستقود إلى مزيد من عدم الاستقرار الاجتماعي والسياسي، وتآكل الثقة بالمؤسسات العامة، وتعميق التبعية الاقتصادية تجاه المراكز المالية العالمية، وهو ما يشكل خطرا مباشرا على تماسك المجتمع واستقرار الدولة وقدرتها على الحفاظ على وظائفها التنموية والاجتماعية الأساسية. |


