السيارات الهجينة وبغداد الرمادية
في كل يوم، عندما أخرج في الصباح إلى العمل، أتأمل سماء بغداد، فأجدها مغبرة ذات لون رمادي، لا سيما في فصل الصيف. وهذا اللون الرمادي يمثل ظاهرة الاحتباس الحراري الناجم عن كثرة انبعاثات الغازات الدفيئة. ومن هنا تبدو السيارات الهجينة وسيارات الطاقة المتجددة جزءاً من الحل الممكن لتقليل هذا العبء البيئي والصحي.
وتشمل هذه الغازات ثنائي وأحادي أوكسيد الكربون، والميثان، وأكاسيد النيتروز، والغاز المستخدم في أجهزة التبريد. ومن المعلوم أن الإنسان هو المسبب الرئيسي في انبعاثات الغازات الدفيئة، فأغلبها ينجم عن حرق الوقود الأحفوري، مثل البنزين والنفط والكاز.
إذ تعمل هذه الغازات كمرآة عاكسة، تعكس حرارة الأرض عندما تبدأ الأخيرة بمرحلة إشعاع الحرارة بعد اكتسابها من أشعة الشمس. ومن ثم نصبح وكأننا داخل فرن حراري.
الاحتباس الحراري وتداعياته الصحية والبيئية
إن ظاهرة الاحتباس الحراري لها تداعيات صحية وبيئية. فالتداعيات الصحية تتمثل بارتفاع نسب تلوث الهواء بهذه الغازات، الأمر الذي نجم عنه ارتفاع في معدلات الإصابة بأمراض القلب وأمراض الجهاز التنفسي.
أما التداعيات البيئية فهي أشد وطأة. فقد أدى الاحتباس الحراري إلى ارتفاع درجات الحرارة بمعدل 5 إلى 7 درجات مئوية خلال العقود الأخيرة. وهذا أدى بدوره إلى فشل في زراعة أصناف معينة، وتراجع في الغطاء النباتي، ثم تصحر.
ويتعاظم خطر التصحر إذا اقترن مع الجفاف، بسبب قلة معدل التساقطات المطرية، وقلة الإطلاقات المائية من دول الجوار. ولذلك، لا يمكن فصل أزمة الهواء في بغداد عن أزمة البيئة والمياه والزراعة في العراق.
عدد السيارات في العراق وحجم المشكلة
بلغ عدد سيارات القطاع الخاص في العراق 7,026,106 سيارات، بينما بلغت سيارات القطاع العام 137,371 سيارة، وفقاً لإحصائيات عام 2020.
هذه السيارات مسؤولة عن إنتاج 80% من نسبة غاز أحادي أوكسيد الكربون، و40% إلى 50% من الذرات العالقة في الجو. ويطلق على غاز أحادي أوكسيد الكربون تسمية القاتل الصامت، لأنه غاز عديم اللون والرائحة.
وينتج عن التعرض الخفيف لهذا الغاز صداع وإرهاق وتشوش ذهني. أما استنشاقه بنسب كبيرة، فيؤدي إلى ضيق في التنفس وألم في الصدر، وقد يصل الأمر إلى الوفاة. وتعد الفئات الهشة أمام أضرار هذا الغاز هي ذوو الأمراض القلبية والتنفسية وكبار السن.
الوقود الأحفوري والسيارات التقليدية
على هدى مما سبق، يمكن أن نلحظ حجم الضرر الذي تسببه السيارات التي تعمل بالوقود الأحفوري للبيئة. ففي حال الاحتراق التام، ينتج لنا غاز ثنائي أوكسيد الكربون.
أما في حالة حدوث أي خلل في الاحتراق، بسبب رداءة نوعية الوقود على سبيل المثال، فينتج لنا غاز أحادي أوكسيد الكربون. ولذلك، تصبح السيارات التقليدية التي تعمل بمحركات الاحتراق الكامل جزءاً أساسياً من أزمة الهواء والتلوث.
ومن هنا تأتي أهمية التفكير في بدائل عملية، مثل السيارات الهجينة، والسيارات الكهربائية، وسيارات الطاقة المتجددة. فهذه البدائل لا تمثل ترفاً تكنولوجياً، بل خياراً بيئياً وصحياً يرتبط بحياة الناس اليومية.
السيارات الهجينة والسيارات الكهربائية في العالم
لذلك، تحاول الدول المهتمة بالشأن البيئي وسلامة مواطنيها تقليل الاعتماد على السيارات التي تعمل بمحركات الاحتراق الكامل. وفي المقابل، تزيد الاعتماد على السيارات الهجينة مزدوجة الطاقة، أي التي تعمل عبر حرق الوقود الأحفوري والطاقة الكهربائية معاً، أو على السيارات التي تعمل بالطاقة الكهربائية بالكامل.
وكان من المقرر أن يتم حظر السيارات التي تعمل بمحركات الاحتراق في دول الاتحاد الأوروبي عام 2035. إلا أن الاتحاد الأوروبي تراجع عن هذا الهدف بسبب ضغوط الشركات المصنعة، وعدم قدرتها على التحول الكامل لإنتاج السيارات التي تعمل بالطاقة الكهربائية.
ولهذا، وضعت دول الاتحاد الأوروبي هدفاً آخر، وهو خفض انبعاثات الغازات الدفيئة من محركات الاحتراق بنسبة 90%. ويبدو أن اكتساح الصين لاستثمارات الليثيوم، الذي يعتبر المادة الأساس لصناعة بطاريات الشحن للسيارات الكهربائية، كان سبباً أمام تراجع دول الاتحاد الأوروبي عن قرارها بحظر السيارات التي تعمل بمحركات الاحتراق الكامل عام 2035.
فالليثيوم هو الذهب الأبيض للقرن الحادي والعشرين، وتهيمن الصين على ثلثي عمليات معالجته. ومن هنا، لا تعود قضية السيارات الكهربائية بيئية فقط، بل تتحول أيضاً إلى ملف اقتصادي واستراتيجي يرتبط بالصناعة العالمية وسلاسل الإمداد.
صعود مبيعات السيارات الكهربائية
تصاعدت مبيعات السيارات التي تعمل بالطاقة الكهربائية بشكل كامل في دول الاتحاد الأوروبي، إذ بلغت عام 2023 نحو 1,545,768 سيارة. وتعكس هذه الأرقام مدى الاهتمام بالبيئة في الدول الأوروبية.
وتعمل شركات السيارات حالياً، لا سيما الشركات الصينية، على إنتاج سيارات تعمل بالطاقة المتجددة، وخاصة الطاقة الشمسية. ومن المتوقع أن تتزعم الصين الريادة في مجال سيارات الطاقة الشمسية، كما تزعمت نصف الإنتاج العالمي لسيارات الطاقة الكهربائية.
ولذلك، فإن التحول العالمي نحو السيارات الهجينة والكهربائية وسيارات الطاقة المتجددة لم يعد مجرد توجه محدود. بل أصبح مساراً صناعياً وبيئياً يتوسع مع ازدياد القلق من التلوث والاحتباس الحراري وأزمات الطاقة.
العراق والحاجة إلى اللحاق بركب الطاقة النظيفة
في وسط هذه التحولات والاهتمام العالمي بالطاقة النظيفة والطاقة المتجددة، حفاظاً على سلامة البيئة، لا بد للعراق من أن يهتم بهذا الجانب. كما يجب أن نعمل على اللحاق بركب التقدم، حتى وإن كنا في آخره، حفاظاً على البيئة العراقية التي تعاني من التلوث وما ينجم عنه من تداعيات صحية.
فالعراق بحاجة إلى رؤية واضحة تقلل الاعتماد على السيارات التقليدية، وتفتح الباب أمام السيارات الهجينة والسيارات الكهربائية وسيارات الطاقة المتجددة. كما يحتاج إلى سياسات تشجع الاستيراد والاستخدام التدريجي لهذه المركبات، وتربط ذلك بتحسين نوعية الوقود، وتطوير البنية التحتية للطاقة والشحن.
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل من الممكن أن تختفي السحابة الرمادية التي تحيط ببغداد بسبب السيارات التي تعمل بمحركات الاحتراق الكامل، وبسبب مولدات الطاقة الكهربائية التابعة للقطاعين العام والخاص خلال السنين القادمة؟ أم أن الحال سيكون أسوأ؟


