| يبدو أن العدوان الاسرائيلي المدمر على قطاع غزة، الذي استمر قرابة عامين وأسفر عن كارثة إنسانية غير مسبوقة، يقترب من نهايته. ويزعم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنه صاحب الفضل في الوصول إلى هذه المرحلة، مقدماً نفسه كصانع للسلام في الشرق الأوسط. غير أن هذا الادعاء يثير جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والأكاديمية على السواء، بالنظر إلى الدور الأمريكي في الصراع منذ بدايته.
يقضي الاتفاق الجديد بالإفراج عن جميع الرهائن الذين ما زالوا لدى حركة حماس، بمن فيهم من تأكدت وفاتهم، حيث يتضمن النص أيضاً تسليم جثامين بعضهم. في المقابل، ستنسحب القوات الإسرائيلية من قطاع غزة، مع بقائها في حالة تأهب عسكري حول حدود القطاع بما يسمح لها بالتدخل السريع عند الحاجة. أما من الجانب الفلسطيني، فتؤكد حماس تمسكها بمواصلة السعي نحو إقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة حقيقية، وإن بقيت ملامح هذا المشروع غامضة في ظل ميزان القوى القائم. في المقابل وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو الاتفاق بأنه انتصار وطني وأخلاقي لإسرائيل، ومن المنتظر أن يتوج ترامب هذا التطور بزيارة إلى القدس وإلقاء خطاب في الكنيست مطلع هذا الأسبوع. صدقية السلامإلا أن المشهد برمته يثير تساؤلات حول صدقية هذا “السلام”. فقد لعبت الولايات المتحدة خلال العامين الماضيين دور الداعم الرئيسي للعدوان العسكري الإسرائيلي الذي وصف على نطاق واسع بأنه إبادة جماعية بحق المدنيين الفلسطينيين. ولو تبنت واشنطن موقفاً أكثر توازناً منذ البداية، لربما أتيح تفادي مقتل عشرات الآلاف من المدنيين، بمن فيهم النساء والأطفال. وبذلك يظهر ترامب اليوم بوصفه المنقذ من أزمة ساهمت بلاده في إشعالها، في مشهد يعيد إلى الأذهان مواقفه من الحرب في أوكرانيا، التي سعى إلى إنهائها بعد أن كانت السياسات الأمريكية أحد أسباب تفاقمها. يمكن لترامب تبرير هذا التناقض بإلقاء اللوم على أسلافه، إلا أن مبدأ “استمرارية الدولة” في السياسة الخارجية الأمريكية يجعل من الصعب تبرئة واشنطن من المسؤولية. فالسياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط تقوم على ثوابت ومصالح استراتيجية راسخة، أكثر مما تقوم على تبدل الإدارات أو توجهات الرؤساء. والسؤال المحوري والاهم يبقى حول استدامة هذا الاتفاق. فالتجارب السابقة أظهرت هشاشة الاتفاقات المتعلقة بفلسطين، إذ غالباً ما تحولت إلى هدن مؤقتة لا ترقى إلى مستوى السلام الحقيقي. لذا لا يبدو أن الاتفاق الراهن يختلف كثيراً عنها، إذ يظل أقرب إلى وقف إطلاق نار مؤقت منه إلى تسوية شاملة ودائمة. إن تحقيق سلام حقيقي في المنطقة يستلزم معالجة جذرية لأسباب الصراع، وعلى رأسها الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة كاملة السيادة على ترابه الوطني وعاصمتها القدس، باعتبار ذلك الأساس الوحيد الذي يمكن أن يبنى عليه استقرار طويل الأمد في المنطقة. |


