الحقد الطائفي والدونية البعثية
يمثل لقاء مكي ومن يشبهونه، وفق هذه القراءة، ظاهرة الحقد الطائفي والشعور بالدونية البعثية. فهو نموذج صارخ لآلاف الطائفيين الحاقدين، ممن يحملون هذا الشعور بالدونية البعثية، ويتحركون من خلاله في قراءة الأحداث والمواقف.
فهؤلاء لا يمكن أن يصيبوا الحق إلا إذا انسلخوا من الحقد المزدوج الذي ينطلقون منه؛ أي الطائفية من جهة، والدونية البعثية التي تلاحقهم من جهة أخرى. ولذلك، لا تبدو المشكلة في موقف سياسي عابر فقط، بل في بنية نفسية وفكرية تُنتج الموقف قبل أن تبحث عن الحقيقة.
لقاء مكي بوصفه دليلاً على الحقد الطائفي
أوضح دليل على هذه الظاهرة هو لقاء مكي نفسه. فالدليل على إصابته بهذا الحقد المزدوج يظهر في طريقة أدائه المنفعل والمضطرب، سواء في أطروحاته الفكرية أو السياسية.
فانفعالاته النفسية، وحركات يديه، وقسمات وجهه في حواراته، توحي بأنه مضطرب يريد الانتقام بأي ثمن، حتى وإن كان ذلك على حساب الحقائق. كما أن اضطرابه وعناده وممارسته منطق خلط الأوراق والذهاب بعيداً عن الحقائق، ينقلب عليه وضده من حيث لا يشعر.
وهذا ينسجم مع القاعدة المعروفة: كل شيء إذا زاد عن حده انقلب ضده. فحين يطغى الحقد الطائفي على الخطاب، لا يعود صاحبه قادراً على ضبط حجته أو قراءة الوقائع كما هي.
مغالطة الحوار وانقلاب الجمهور
في إحدى حواراته، وعندما عجز عن الرد على الدكتور الإيراني، اختار لقاء مكي أقوى كذبة ومغالطة حوارية. فقد قال إن جرائم إيران تفوق جرائم إسرائيل.
لكن هذه العبارة انقلبت عليه مباشرة. فقد انقلب جميع الحضور عليه، حتى أولئك الذين كانوا يناصرونه في الهجوم على إيران. وهذا يؤكد أن المبالغة حين تتجاوز حدودها تفقد الخطاب أثره، وتكشف الخلفية التي تحركه.
أما مقالته الأخيرة، التي يحاول فيها التبرؤ من حماقته، فهي محاولة يائسة للتستر على حالاته وعقده النفسية، وعلى نهجه الطائفي البعثي الذي يكره إيران، ويتمنى أن يراها منهزمة، وأن يرى إسرائيل منتصرة عليها.
الحقد والعناد وعمى الحقائق
الحقد والعناد حالة مرضية تعمي الأبصار والقلوب. فلا يرى صاحبها الحقائق. وإذا رآها، فإنه ينكرها انتقاماً لحقد دفين يسبقه إلى الحكم على الأشياء.
وهذه ليست حالة جديدة، بل هي موجودة منذ أن خلق الله البشر. فابن آدم قتل أخاه انطلاقاً من حقده الدفين، رغم أنه كان يعلم أنه على خطأ.
ومن هنا، يصبح الحقد الطائفي امتداداً لذلك المرض القديم في النفس الإنسانية. فهو لا يبحث عن البرهان بقدر ما يبحث عن مادة تؤكد غضبه، ولا يريد الحقيقة بقدر ما يريد الانتصار لروايته المسبقة.
تشويه الأحداث تحت ضغط الخصومة
ولا يقف أثر هذا النمط من التفكير عند حدود الموقف الشخصي. بل يمتد إلى تشويه قراءة الأحداث، وإخضاعها لأحكام مسبقة تجعل الانفعال بديلاً عن التقييم الموضوعي.
وعندما تتحكم الخصومة الأيديولوجية في تشكيل المواقف، يصبح الانتقاء في عرض الوقائع أمراً متوقعاً. كما تغيب الموازنة بين الأدلة لصالح رواية يفرضها الحقد السياسي.
ومع استمرار هذا المسار، يفقد الخطاب قدرته على الإقناع العلمي. ثم يتحول إلى وسيلة لتكريس الانقسام بدلاً من البحث عن الحقيقة. كما يؤدي إلى إعادة إنتاج الصور النمطية، وإضعاف فرص الحوار الرصين، وتعميق الاستقطاب المجتمعي والسياسي، بما ينعكس سلباً على الوعي العام.
من حقد الماضي إلى موقف الحاضر
عندما خاطب الإمام الحسين عليه السلام معسكر يزيد بن معاوية، وقال لهم: لماذا تستحلون دمي؟ قالوا له: حقداً لأبيك. واليوم، عندما يفضل مكي إسرائيل على إيران، فإنما يفعل ذلك حقداً على إيران، وهو يعلم أن الحق مع إيران.
إذا أراد لقاء مكي أن يحفظ كرامته واحترام المهنيين له، فعليه أن يصالح نفسه، وأن يخرج من جلد الطائفية والشعور بالدونية البعثية. عندئذ فقط، سيرى الحقائق ويستسلم لها، ويقف إلى جانبها.


