مقدمة: سؤال يطرق أبواب الوعي
تشييع القائد الشهيد وسؤال الوعي
ليست المصادفة وحدها هي التي تقود جثمان قائد بحجم آية الله السيد علي الخامنئي إلى أرض الرافدين. ففي الأول من مارس الماضي، حين أعلن البيت الأبيض اغتياله في عملية مشتركة مع إسرائيل، لم يسقط مجرد رجل في سجلات التاريخ، بل سقطت راية ظلت ترفرف لعقود في وجه الهيمنة الغربية.
واليوم، بينما تستعد مدينتا النجف وكربلاء لاستقبال جثمانه الطاهر في الثامن من يوليو المقبل، يبرز سؤال يحفر عميقاً في وجدان الأمة: لماذا العراق؟ ولماذا هذه البقعة الطاهرة بالذات؟ ومن هنا، لا يبدو تشييع القائد الشهيد مجرد مراسم وداع، بل حدثاً روحياً وسياسياً يطرق أبواب الوعي.
تشير الأرقام الأولية إلى أن أكثر من مليون عراقي سيحتشدون، منهم نصف مليون سيعبرون معبر مهران الحدودي، في مشهد يليق بعظمة رجل قضى حياته يردد أن «المقاومة ليست خياراً، بل ضرورة». لكن السؤال الأعمق الذي ينتظر إجابة هو: ماذا يعني أن يُشيَّع قائد الأمة في رحاب أمير المؤمنين عليه السلام وسيد الشهداء عليه السلام؟ هل هو مجرد وداع، أم هو بيعة جديدة تُكتب بدماء القلب؟
تشييع القائد الشهيد حين يصير عبادة
التشييع في الإسلام ليس مجرد موكب عابر، بل هو سنة نبوية، وقربة إلهية، ومظهر من مظاهر التكافل الاجتماعي. وقد بشّر المصطفى صلى الله عليه وآله متبعي الجنائز بقيراطين من الأجر، كل قيراط كجبل أحد في الضخامة.
فإذا كان هذا الأجر العظيم لتشييع جنازة مؤمن عادي، فكيف بأجر تشييع قائد اغتيل غدراً في سبيل الدفاع عن المقدسات؟ هنا تتجاوز مراسم التشييع معناها الاجتماعي، وتدخل في معنى العبادة والوفاء والبيعة.
وروي عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: «من شيّع جنازة مؤمن حتّى يدفن في قبره، وكّل الله عزّ وجلّ سبعين ألف ملك من المشيّعين، يشيّعونه ويستغفرون له إذا خرج من قبره». فإذا كان سبعون ألف ملك ينتظرون المشيع، فكم يكون عدد الملائكة الذين سيُوكلون بمشيعي قائد الأمة في كربلاء والنجف؟
النجف وكربلاء ودلالة الاختيار
هنا تبرز دلالة روحية لا يمكن تجاوزها. فاختيار النجف وكربلاء ليس اعتباطياً. فالنجف، بمرقد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، هي مدينة العلم والحكمة والعدل. وكربلاء، بمرقد الإمام الحسين عليه السلام، هي مدينة التضحية والفداء والثورة على الظلم.
إن تشييع قائد اغتيل على يد قوى الهيمنة في هاتين المدينتين، هو إعلان أن دمه الزكي يلتقي بدماء الأئمة الأطهار. كما أنه تأكيد أن نهجه يستمر في مسيرة المواجهة مع الطغيان.
وبذلك، يتحول تشييع القائد الشهيد في رحاب العتبات إلى مشهد تتداخل فيه الجغرافيا بالعقيدة، والسياسة بالذاكرة، والدم بالتاريخ. فالنجف وكربلاء ليستا مكانين عابرين، بل هما رمزان لمعنى ممتد في وعي الأمة.
حين تخاطبنا السماء والآيات تتحول إلى وقائع
ربما يقف البعض متسائلاً: لماذا كل هذا الحشد لشخص فارق الحياة؟ لكن الحقيقة أن السؤال ينقلب على صاحبه حين نتدبر الآية التي تقشعر لها الأبدان: «وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ» البقرة: 154.
إنها دعوة صريحة لتغيير نظرتنا للموت في سبيل القيم العادلة. فالروح التي كانت تسكن جسد القائد الخامنئي لم ترحل، بل انتقلت إلى عالم أرحب، حيث الفرح بالنصر الإلهي.
وتصف آية أخرى هذا المعنى، فتمنح المؤمنين طمأنينة غريبة: «فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ» آل عمران: 170.
التشييع بوصفه احتفاء بحياة لا تنتهي
في هذا السياق، يتحول التشييع من مجرد موكب حزين إلى احتفاء بحياة لم تنته، ومدرسة لم تغلق أبوابها. فالمشيعون في كربلاء لن يودعوا ميتاً، بل سيجددون العهد مع نهج اختار أن يدفع حياته ثمناً لكرامة الأمة.
إنهم يقرؤون بأفعالهم، لا بألسنتهم فقط، ما ورد في الذكر الحكيم: «وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ» آل عمران: 169.
ومن هنا، يدرك الجميع أن هذه الدماء ليست نهاية الطريق، بل هي البذرة الأولى لحصاد قادم لا محالة. ولذلك، لا ينفصل تشييع القائد الشهيد عن معنى الاستمرار، ولا عن فكرة أن الدم حين يرتبط بالمقدسات يتحول إلى ذاكرة عاملة لا تنطفئ.
مليون إنسان ومليون قصة وفاء
دعنا نخرج قليلاً من النصوص إلى أرض الواقع. الأرقام التي يتداولها المسؤولون، كتصريح مستشار السفير الإيراني في بغداد بوجود طلب من مليون عراقي لحضور التشييع، ليست مجرد أرقام باردة.
إنها تكشف عن حالة وجدانية فريدة. فالمجتمع العراقي، الذي نهشته الحروب والانقسامات، يجد نفسه فجأة موحداً تحت راية واحدة، راية الوفاء لرمز ربما لم تطأ قدمه أرضه، لكن روحه كانت حاضرة في كل مناسبة عصيبة مرت بهم.
وهنا يتبادر إلى الذهن سؤال شائك: كيف يمكن لهذا الحشد الهائل أن ينعكس على النسيج الاجتماعي العراقي الداخلي؟ الإجابة تكمن في أن هذه المناسبة ستكون بمثابة اختبار حقيقي لوحدة الصف، حيث تتراجع الخلافات السياسية الضيقة أمام هول الحدث وعظمته.
الموت الذي يتحول إلى قوة جامعة
إنه الدرس التربوي الأكبر. حين تسقط الرموز الكبرى شهيدة، تستيقظ الضمائر وتتكاتف القلوب. وكأن الموت، في هذه الحالة، يصبح قوة جامعة لا مفرقة.
لو كان الأمر مجرد تشييع لشخصية سياسية عابرة، لما حظي بهذا الزخم. لكنه تشييع لمن كان يمثل صوت المستضعفين، وهذا ما يجعله مختلفاً جذرياً.
ومن هنا، لا يعود الحشد مجرد عدد، بل يصبح معنى. فكل مشيع يحمل قصة وفاء، وكل خطوة نحو العتبات تحمل رسالة بأن الرمز الذي سقط جسداً لا يزال حاضراً في وجدان الذين رأوا فيه امتداداً لقضيتهم.
رسائل السياسة التي تحملها النعال المتربة
لا يمكننا بحال من الأحوال أن نغفل البعد الإقليمي الذي يكتسي به هذا الحدث ثوباً استراتيجياً بامتياز. فاغتيال السيد الخامنئي، الذي كلف واشنطن مليارات الدولارات في أسبوع واحد فقط، لم يكن ليحقق أهدافه المرجوة.
بل العكس، هو الآن يتحول إلى منصة انطلاق جديدة للمقاومة، وهذه المرة من قلب العراق. فاستضافة الحكومة العراقية والمرجعيات الدينية لهذا التشييع في النجف وكربلاء، وتأكيد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي على التنسيق العالي المستوى، يرسل برسالة واضحة إلى واشنطن وتل أبيب.
ومضمون هذه الرسالة هو: أنتم تظنون أنكم باغتيال القائد تقتلون الفكرة، ولكننا ندفنه في أرض العتبات المقدسة لنولده من جديد. وهذه الرسالة هي ما يجعل الحدث بحق تاريخياً، لأنها تعيد تعريف مفهوم القوة.
القوة بين السلاح وإرادة الأمة
القوة ليست في الطائرات المسيرة والصواريخ فقط، بل في قدرة الأمة على تحويل خسارتها الكبرى إلى نقطة تجمع غير مسبوقة. وهنا، لا نملك إلا أن نتساءل: هل أدرك صناع القرار في الغرب مغزى ما يحدث؟
هل يدركون أن كل رصاصة تطلق على قائد تُنتج مليون مقاتل، وأن المشيعين اليوم يحملون في أيديهم ليس الأعلام فقط، بل إرادة لا يمكن كسرها مهما بلغت قوة المحتل؟
إن تشييع القائد الشهيد في رحاب العتبات لا يعلن نهاية مرحلة فقط، بل يفتح باب مرحلة أخرى، عنوانها أن الدماء حين تلتقي بالتاريخ تتحول إلى قوة معنوية وسياسية لا يمكن محاصرتها.
الشهيد الذي يقرع أبواب الخلود
في ختام هذه الرحلة التحليلية، نستحضر ذلك النداء الرباني المهيب: «وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ» آل عمران: 169.
هذه الكلمات ليست للتسلية أو التلاوة المجردة، بل هي حقيقة كونية تتحقق أمام أعيننا في الثامن من يوليو القادم. فعندما تطأ أقدام الملايين أرض كربلاء، حيث ترقرق دم الحسين عليه السلام قبل أربعة عشر قرناً، وعندما تتعانق الأجساد في النجف حيث قبر أمير المؤمنين عليه السلام، فإن التاريخ سيسجل يومها أن الأمة لم تضعف.
كما سيسجل أن الوفاء ليس مجرد كلمة، وأن الرموز الحقيقية لا تموت بموت جسدها. فالراحل اليوم يُشيَّع على طريقة العظماء، ليترك خلفه سؤالاً مفتوحاً لكل من شارك أو حضر: ما نصيبي أنا من هذه الملحمة؟ هل سأحمل الراية بعد رحيله، أم سأكتفي بالبكاء ثم العودة إلى سباتي؟
تشييع القائد الشهيد ودعوة التفكر
هذه المقالة ليست دعوة لحضور مراسم، بقدر ما هي دعوة للتفكر في معنى التضحية. لأن الأمة التي تودع قائدها بهذه الصورة المهيبة، هي أمة تستحق النصر مهما طال الطريق.
رحم الله الفقيد، وأسكنه جوار من أحب، وجعل مشيعه في موكب العزة والكرامة، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
«السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار» — تحية النبوة لشهداء الأمة.


