ما لا يراه الليل

الليل وما لا يراه الإنسان في مرآة الوعي
تأمل فلسفي وشعري في الليل والوعي، يسأل عمّا لا يراه الإنسان من حقيقته، وكيف تشبه عتمة الليل الغرف الداخلية التي نسكنها دون أن ندرك حدودها..

الليل وسؤال الوعي

يقول قائل: «إن الليل إذا حلّ لا يدرك أنه يعتم».

وقد تبدو العبارة، للوهلة الأولى، نوعاً من اللعب اللغوي. لكنها تخفي سؤالاً قديماً يتعلق بطبيعة الوعي نفسه: هل يستطيع الشيء أن يرى حقيقته من داخله؟

ومن يدري؟ لعل الليل، لو أُعطي لساناً، لاحتجّ على هذه التهمة كلها. ولو امتلك عيناً ينظر بها إلى نفسه، لما رأى السواد الذي نراه نحن.

لن يشعر بأنه يحجب الأشياء، ولن يخطر بباله أنه سبب اختفاء الطرق والوجوه والمعالم. بل قد يتوهم، على العكس من ذلك، أنه جاء ليعيد ترتيب العالم بعد فوضى النهار، أو أنه يحمل في أحشائه نوراً لا يراه سواه.

وهكذا، يصبح الليل صورة للكائن الذي يعيش داخل ذاته، فلا يدرك منها إلا ما تسمح له رؤيته الخاصة بإدراكه.

الليل ليس مشكلته وحده

هذه ليست مشكلة الليل وحده. فالإنسان أيضاً يعيش داخل صورة عن نفسه أكثر مما يعيش داخل نفسه ذاتها.

ما من أحد يعيش داخل الحقيقة عاريةً. فالجميع يسكنون رواياتهم الخاصة. نصنع لأنفسنا وجوهاً، ثم نمضي أعمارنا في إقناع المرآة بأنها وجوهنا الحقيقية.

المجنون لا يفتح نافذته كل صباح ليقول: ها أنا أخرج إلى جنوني. إنه يخرج إلى عالمه، إلى المدن التي شيّدها من ظنونه، وإلى القوانين التي لا يراها أحد سواه.

ولو رأى ما نراه لما بقي هناك أصلاً. فمن دون عالمه الخاص، عالم أحلامه، ما كان ليكون المجنون مجنوناً.

الغرفة الداخلية في الإنسان

لهذا يبدو الجنون أقل غرابة مما نتصور. فكل إنسان يحمل في داخله غرفة لا يدخلها أحد. غرفة رتّب فيها العالم كما يشتهي، ثم جلس فيها طويلاً حتى نسي أنها غرفة.

وبعضهم يموت من دون أن يكتشف أنها لم تكن سوى نافذة ضيقة، تطل على جزء صغير من الوجود.

ومن هنا، لا يعود السؤال متعلقاً بالجنون وحده، بل بكل وعي يعيش داخل حدوده الخاصة، ويظن أن تلك الحدود هي العالم كله.

الليل عزيز على الشعراء

لهذا كان الليل عزيزاً على الشعراء. فالنهار مزدحم أكثر مما ينبغي، ومليء بالوجوه والأعمال والأحاديث والالتزامات. إنه نهار يخص الجميع.

أما الليل، فيبدو وكأنه الجزء الذي تُعيد فيه الروح امتلاك نفسها. ولذلك، لا يأتي الليل عند الشعراء بوصفه غياباً للضوء فقط، بل بوصفه عودة داخلية إلى ما تخفيه النفس في أعماقها.

حين قال قيس بن الملوح:

«نهاري نهارُ الناسِ حتى إذا بدا
ليَ الليلُ هزّتني إليكِ المضاجعُ»

لم يكن يتحدث عن موعد غروب الشمس. ففي النهار كان موزعاً بين الناس، أما الليل فقد أعاده إلى قلبه. وما إن عاد إلى قلبه حتى عاد إليه الحب والحنين والعذاب.

الليل ورؤية من نوع آخر

من هنا، يبدو الليل أقل ارتباطاً بالعتمة وأكثر ارتباطاً بالرؤية. إنها رؤية من نوع آخر، لا تعتمد على العين بقدر ما تعتمد على ما تستحضره النفس من أعماقها.

ولهذا، تخرج الذكريات من أماكنها القديمة، وتستيقظ الأسئلة التي أرهقها الانتظار، ويقترب الغائبون من قلوبنا أكثر مما كانوا عليه في وضح النهار.

وربما لهذا أيضاً ارتبط الليل، عبر التاريخ، بالأحلام والنبوات والقصائد والهواجس. ففيه تتداعى الحدود التي يقيمها النهار بين الممكن والمستحيل، وبين الواقع والخيال، وبين ما نقوله للناس وما نعترف به لأنفسنا.

الظلمات التي لا ترى الليل

وحين كتب شارل بودلير: «أيتها الظلمات، اعلمي هذا، لا وجود لليل»، كان يشير إلى مفارقة مشابهة.

فالليل ليس غياب الضوء دائماً. أحياناً يكون الضوء نفسه، بعد أن خلع ثيابه المعتادة.

وعند هذه النقطة، يعود السؤال الأول من جديد: هل يعتم الليل حقاً؟ أم أنه يضيء بطريقة لا نعرفها؟

الإنسان وما لا يراه

وهل يرى الإنسان حقيقته فعلاً؟ أم أنه، مثل الليل تماماً، يقضي عمره وهو يظن أنه يصلح ما أفسده العالم، بينما يدور في الممرات التي بناها لنفسه؟

لعل الليل لا يعتم كما نظن. ولعل الإنسان أيضاً.

فكلاهما يمضي في العالم محاطاً بما لا يراه، ومطمئناً إلى ما يراه. وكلاهما، على طريقته الخاصة، يحمل مصباحاً لا يكفي لإنارة ما حوله، لكنه يكفي لإقناعه أن الطريق واضح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *